فَمن هَذَا الْبَاب مَا يَنْقُلهُ المؤرخون من أَحْوَال الْحجَّاج وَأَن أَبَاهُ كَانَ مَعَ المعلمين مَعَ أَن التَّعْلِيم لهَذَا الْعَهْد من جملَة الصَّنَائِع المعاشية الْبَعِيدَة من اعتزاز أهل العصبية والمعلم مستضعف أهل الْحَرْف والصنائع المعايشة إِلَى نيل الرتب الَّتِي لَيْسُوا لَهَا بِأَهْل ويعدونها من الممكنات لَهُ فتذهب بهم وساوس المطامع وَرُبمَا انْقَطع حبلها من أَيْديهم فسقطوا فِي مهواة الهلكة والتلف وَلَا يعلمُونَ استحالتها فِي حَقهم وَأَنَّهُمْ أهل حرف وصنائع للمعاش وَأَن التَّعْلِيم صدر الْإِسْلَام والدولتين لم يكن كَذَلِك وَلم يكن الْعلم بِالْجُمْلَةِ صناعَة إِنَّمَا كَانَ نقلا لما سمع من الشَّارِع وتعليما لما جهل من الدّين على جِهَة الْبَلَاغ فَكَانَ أهل الانساب والعصبية الَّذين قَامُوا بالملة هم الَّذين يعلمُونَ كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ على معنى التَّبْلِيغ الخبري لَا على وَجه التَّعْلِيم الصناعي إِذْ هُوَ كِتَابهمْ الْمنزل على الرَّسُول مِنْهُم وَبِه هداياتهم وَالْإِسْلَام دينهم قَاتلُوا عَلَيْهِ
[ ٢٢٧ ]
وَقتلُوا واختصوا بِهِ من بَين الْأُمَم وشرفوا فيحرصون على تَبْلِيغ ذَلِك وتفهيمه للْأمة لَا تصدهم عَنهُ لائمة الْكبر وَلَا يزعزعهم عَنهُ عاذل الأنفة
وَيشْهد لذَلِك بعث النَّبِي ﷺ كبار أَصْحَابه مَعَ وُفُود الْعَرَب يعلمونهم حُدُود الْإِسْلَام وَمَا جَاءَ بِهِ من شرائع الدّين بعث فِي ذَلِك من أَصْحَابه الْعشْرَة فَمن بعدهمْ فَلَمَّا اسْتَقر الْإِسْلَام ووشجت عروق الْملَّة حَتَّى تنَاولهَا الْأُمَم الْبَعِيدَة من أَيدي أَهلهَا واستحالت بمرور الْأَيَّام أحوالها وَكثر استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من النُّصُوص لتَعَدد الوقائع وتلاحقها فَاحْتَاجَ ذَلِك لقانون يحفظه من الْخَطَأ وَصَارَ الْعلم ملكة يحْتَاج إِلَى التَّعَلُّم فَأصْبح من جملَة الصَّنَائِع والحرف واشتغل أهل العصبية بِالْقيامِ بِالْملكِ وَالسُّلْطَان فَدفع للْعلم من قَامَ بِهِ من سواهُم وَأصْبح حِرْفَة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وَأهل السُّلْطَان عَن التصدي للتعليم واختص انتحاله بالمستضعفين وَصَارَ منتحله محتقرا عِنْد أهل العصبية وَالْملك
وَالْحجاج بن يُوسُف كَانَ أَبوهُ من سَادَات ثَقِيف وأشرافهم ومكانهم من عصبية الْعَرَب ومناهضة قُرَيْش فِي الشّرف مَا علمت وَلم يكن تَعْلِيمه لِلْقُرْآنِ على مَا هُوَ الْأَمر عَلَيْهِ لهَذَا الْعَهْد من أَنه حِرْفَة للمعاش وَإِنَّمَا كَانَ على مَا وصفناه من الْأَمر الأول فِي الْإِسْلَام