كَانَ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسِتَّة آلَاف
[ ١٠٠ ]
وَكَانَ لسابور الْمَذْكُور عناية عَظِيمَة بِجمع كتب الفلاسفة لليونانيين ونقلها إِلَى اللُّغَة الفارسية
وَيُقَال أَن فِي زَمَانه اخترع الْعود وَهُوَ آلَة اللَّهْو الَّتِي يضْرب بهَا وَفِي أَيَّام صبا سَابُور بن هُرْمُز وَهُوَ السابور الثَّانِي طمعت الْعَرَب فِي بِلَاده فَلَمَّا بلغ غلب على الْعَرَب وَقتل أُنَاسًا من تَمِيم وَبكر بن وَائِل وَعبد الْقَيْس وَسمي ذَا الأكتاف وَقتل النَّصَارَى وأخرب الْكَنَائِس وأحرق الْإِنْجِيل
وَفِي أَيَّام قباذ بن فَيْرُوز ظهر مردك الزنديق الْمَجُوسِيّ وَادّعى النُّبُوَّة وَأمر النَّاس بالتساوي فِي الْأَمْوَال وَأَن يشتركوا فِي النِّسَاء لأَنهم أخوة لأَب وَأم آدم وحواء
وَدخل قباذ فِي دينه وَكَانَ ظُهُوره من هبوط آدم ﵇ لسنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة وَسِتَّة آلَاف ثمَّ ملك أنوشروان بن قباذ وَلما تولى كَانَ صَغِيرا فَلَمَّا اسْتَقل وَجلسَ على السرير أعَاد آل الْمُنْذر إِلَى الْحيرَة وطرد الْحَارِث عَنْهَا وَقتل مردك بَين يَدَيْهِ وأحرق جيفته ونادى بِإِبَاحَة دِمَاء المردكية فَقتل مِنْهُم فِي ذَلِك الْيَوْم عَالما كثيرا وأباح دِمَاء المانوية أَيْضا وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا
وَثبتت مِلَّة الْمَجُوسِيَّة الْقَدِيمَة وَفتح الْإسْكَنْدَريَّة وَتوجه إِلَى عدن فَعَسْكَرَ هُنَاكَ من نَاحيَة الْبَحْر بَين جبلين بالصخور وَعمد الْحَدِيد وَكَانَ مكرما للْعُلَمَاء محبا للْعلم وَفِي أَيَّامه ترْجم كتاب كليلة ودمنة وترجمه من لِسَان الْيَهُود وحله بِضَرْب الْأَمْثَال وَيحْتَاج إِلَى فهم دَقِيق
قَالَ الطَّبَرِيّ وَفِي أَيَّامه رأى الموبذان أَن الْإِبِل الصعاب تقود الْخَيل العراب وَقد قطعت دجلة وانتشرت فِي بلادها فأفزعه ذَلِك وَسَيَأْتِي تَفْصِيله
وَفِي زَمَانه ولد عبد الله أَبُو النَّبِي ﷺ لأَرْبَع وَعشْرين سنة من ملكه وَكَذَلِكَ ولد النَّبِي ﷺ فِي السّنة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعِينَ من ملكه وَذَلِكَ عَام الْفِيل وَمَات أنو شيروان فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة للإسكندر لمضي سَبْعَة أشهر من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ قَامَ ابْنه هُرْمُز ثمَّ سمل برويز
[ ١٠١ ]
ابْنه عَيْنَيْهِ وتملك وغزا الرّوم وَجمع فِي مُدَّة ملكه من الْأَمْوَال مَا لم يجْتَمع لغيره من الْمُلُوك وَكَانَ يشتو بِالْمَدَائِنِ ويصيف بهمدان وَكَانَ لَهُ اثْنَا عشر ألف امْرَأَة وَألف فيل وَخَمْسُونَ ألف دَابَّة وَبنى بيُوت النيرَان وَتزَوج شيرين الْمُغنيَة وَبنى لَهَا قصر شيرين بَين حلوان وخانقين ثمَّ قتل على يَدي ابْنه شيرويه وَكَانَت أم شيرويه مَرْيَم بنت ملك الرّوم
ولمضي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا من ملك برويز هَاجر النَّبِي ﷺ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ لَهُ من الْعُمر ثَلَاث وَخمسين سنة فَيكون لرَسُول الله ﷺ سبع سِنِين فِي أَيَّام أنوشيروان واثنتا عشرَة سنة فِي أَيَّام هُرْمُز بن أنوشيران وَسنة وَنصف بالتقريب فِي الفترة الَّتِي كَانَت بَين إمْسَاك وَبَين اسْتِقْرَار ابْنه برويز وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَنصف بالتقريب من ملك برويز ومجموع ذَلِك ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وعَلى ذَلِك فَتكون السّنة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ من ملك برويز هِيَ السّنة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ وَتِسْعمِائَة للاسكندر بالتقريب
وَفِي أَيَّامه افْتتح هِرقل عَظِيم الرّوم يَغْزُو بِلَاد كسْرَى وَفِي مناوبة هَذَا الغلب بَين فَارس وَالروم نزلت الْآيَات من أول سُورَة الرّوم قَالَ الطَّبَرِيّ وَأدنى الأَرْض الَّتِي أشارت إِلَيْهِ الْآيَة هِيَ أَذْرُعَات بصرى الَّتِي كَانَت بهَا هَذِه الحروب ثمَّ غلبت الرّوم سبع سِنِين من ذَلِك الْعَهْد وَأخْبر الْمُسلمُونَ بذلك الْوَعْد الْكَرِيم لما أَهَمَّهُمْ من غلب فَارس الرّوم لِأَن قُريْشًا كَانُوا يتشيعون لفارس لأَنهم غير دئنين بِكِتَاب والمسلمون يودون غلب الرّوم أهل كتاب وَفِي كتب التَّفْسِير بسط مَا وَقع فِي ذَلِك بَينهم وبرويز هَذَا هُوَ الَّذِي قتل النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْعَرَب
وَاتفقَ صَاحب التَّقْوِيم وتاريخ الْقُدس على أَن ولادَة النَّبِي ﷺ كَانَت فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَسِتَّة آلَاف وَالله أعلم من هبوط آدم ﵇
قَالَ الشَّيْخ رفيع الدّين بن أَحْمد ولي الله الْمُحدث الدهلوي لَا يخفى أَن هَذِه السنين سنُون شمسية والسنون الْمَأْخُوذَة من مولد النَّبِي ﷺ قمرية
[ ١٠٢ ]
وَجَمعهَا فِي الْحساب لَا يَخْلُو عَن مُسَامَحَة بل الْمُنَاسب إِمَّا إرجاع مَا بعد المولد إِلَى الشمسية أَو إرجاع مَا قبله إِلَى القمرية
فَاعْلَم أَن من هبوط آدم ﵇ إِلَى المولد الشريف إِذا أخذت قمرية صَارَت سِتَّة آلَاف وثلاثمائة وَإِحْدَى وَخمسين سنة قمرية وَمِائَتَيْنِ وَتِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَهُوَ قريب من سَبْعَة أشهر وَمن المولد الشريف إِلَى آخر سنة من الْهِجْرَة المقدسة ثَلَاث وَخَمْسُونَ وَألف ومائتان فَمن هبوط آدم ﵇ إِلَى آخر تِلْكَ السّنة سَبْعَة آلَاف وسِتمِائَة وَأَرْبع وَسِتُّونَ سنة قمرية وَأشهر وَأَيْضًا فَمن المولد الشريف إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة ألف ومائتان وثماني عشرَة سنة شمسية وَسِتُّونَ يَوْمًا بالتقريب وَهُوَ قريب من شَهْرَيْن فَمن هبوط آدم ﵇ إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة سَبْعَة آلَاف وثلاثمائة وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ سنة شمسية فاحفظ فَإِن جُمْهُور أهل التَّارِيخ وَمِنْهُم صاحبا تَارِيخ الْقُدس والخليل وتقويم التواريخ قد خلطا الْأَمر وغفلا عَن التَّمْيِيز وَالله الْهَادِي انْتهى وَسَيَأْتِي لذَلِك مزِيد إِيضَاح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلما ملك شيرويه وَكَانَ رَدِيء المزاج كثير الْأَمْرَاض صَغِير الْخلق قتل أخوته السَّبْعَة عشر ثمَّ نَدم على قَتلهمْ وَصَارَ يبكي لَيْلًا وَنَهَارًا وَيَرْمِي التَّاج عَن رَأسه ثمَّ هلك وَملك أزدشير بن شيرويه وَكَانَ ابْن سبع سِنِين وَقتل وَملك شهريران وَلم يكن من أهل بَيت المملكة ثمَّ قتل وولوا الْملك يوران بنت كسْرَى برويز فأحسنت السِّيرَة ثمَّ هَلَكت بعد سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَملك بعْدهَا خشنشدة من بني عَم كسْرَى برويز وَكَانَ ملكه أقل من شهر وَقتل ثمَّ ملكت أرزمى دخت بنت كسْرَى برويز وَكَانَت من أحسن النِّسَاء صُورَة فَخَطَبَهَا فرخ هُرْمُز فَقتلته فَجمع رستم بن فرخ الْمَذْكُور عسكره وقتلها ثمَّ ولوا مَكَانهَا كسْرَى بن مهر وقتلوه بعد أَيَّام وَلم يَجدوا من يملكونه من بَيت المملكة فَوَلوا رجلا يُقَال لَهُ فَيْرُوز ابْن خستان يزْعم أَنه من نسل أنوشيروان ثمَّ قَتَلُوهُ ثمَّ ملك فرخ زَاد خسرو من أَوْلَاد أنو شيروان وَملك سِتَّة أشهر وقتلوه ثمَّ ملك يزدجرد ابْن شهريار من نسل أردشير بن بابك وَكَانَ ملكه كالخيال بِالنِّسْبَةِ إِلَى
[ ١٠٣ ]
ملك آبَائِهِ وغزت الْمُسلمُونَ بِلَادهمْ وَكَانَ عمره إِلَى أَن قتل بمرور عشْرين سنة وَكَانَ مَقْتَله فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ وَهُوَ آخر من ملك مِنْهُم وَزَالَ ملكهم بِالْإِسْلَامِ زوالا إِلَى الْأَبَد وَهَذِه هِيَ سِيَاقَة الْخَبَر عَن دولة الْفرس عِنْد الْمُحَقِّقين
قَالَ الطَّبَرِيّ فَجَمِيع سني الْعَالم من آدم حَتَّى الْهِجْرَة على مَا يزعمه الْيَهُود أَرْبَعَة آلَاف سنة وسِتمِائَة وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وعَلى مَا يَدعِيهِ النَّصَارَى فِي توراة اليونانيين سِتَّة آلَاف سنة غير ثَمَانِي سِنِين وعَلى مَا يَقُوله الْفرس إِلَى مقتل يزدجر أَرْبَعَة آلَاف وَمِائَة وَثَمَانُونَ سنة ومقتل يزدجرد عِنْدهم لثلاثين من الْهِجْرَة وَأما عِنْد أهل الْإِسْلَام فَبين آدم ونوح عشرَة قُرُون والقرن مائَة سنة وَبَين نوح وَإِبْرَاهِيم كَذَلِك وَبَين إِبْرَاهِيم ومُوسَى كَذَلِك وَنَقله الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن عَمْرو بن وَاقد الإسلامي عَن جمَاعَة من أهل الْعلم وَقَالَ إِن الفترة بَين عِيسَى وَبَين مُحَمَّد ﷺ سِتّمائَة سنة وَرَوَاهُ عَن سلمَان الْفَارِسِي وَكَعب الْأَحْبَار قَالَ ابْن خلدون وَالله أعلم بِالْحَقِّ فِي ذَلِك والبقاء لله الْوَاحِد القهار