ثمَّ جَاءَ الْإِسْلَام بدولة مُضر فَانْقَلَبت تِلْكَ الْأَحْوَال أجمع انقلابة أُخْرَى وَصَارَت إِلَى مَا أَكثر مُتَعَارَف لهَذَا الْعَهْد يَأْخُذهُ الْخلف عَن السّلف
ثمَّ درست دولة الْعَرَب وأيامهم وَذَهَبت الأسلاف الَّذِي شيدوا عزهم ومهدوا ملكهم وَصَارَ الْأَمر فِي أَيدي سواهُم من الْعَجم مثل التّرْك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال فَذَهَبت بذهابهم أُمَم وانقلبت أَحْوَال وعوائد نسي شَأْنهَا وأغفل أمرهَا
وَالسَّبَب الشَّائِع فِي تبدل الْأَحْوَال والعوائد أَن عوائد كل جيل تَابِعَة
[ ٢٢٦ ]
لعوائد سُلْطَانه كَمَا يُقَال فِي الْأَمْثَال الْحكمِيَّة النَّاس على دين مُلُوكهمْ وَأهل الْملك وَالسُّلْطَان إِذا استولوا على الدولة وَالْأَمر فَلَا بُد وَأَن يفزعوا إِلَى عوائد من قبلهم ويأخذوا الْكثير مِنْهَا وَلَا يغفلوا عوائد جيلهم مَعَ ذَلِك فَيَقَع فِي عوائد الدولة بعض الْمُخَالفَة لعوائد الجيل الأول
فَإِذا جَاءَت دولة أُخْرَى من بعدهمْ ومزجت من عوائدهم وعوائدها خَالَفت أَيْضا بعض الشَّيْء وَكَانَت الأولى أَشد مُخَالفَة ثمَّ لَا يزَال التدريج فِي الْمُخَالفَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى المباينة بِالْجُمْلَةِ
فَمَا دَامَت الْأُمَم والأجيال تتعاقب فِي الْملك وَالسُّلْطَان لَا تزَال الْمُخَالفَة فِي العوائد وَالْأَحْوَال وَاقعَة وَالْقِيَاس والمحاكاة للْإنْسَان طبيعة مَعْرُوفَة وَمن الْغَلَط غير مَأْمُونَة تخرجه مَعَ الذهول والغفلة عَن قَصده وتعوج بِهِ عَن مرامه فَرُبمَا يسمع السَّامع كثيرا من أَخْبَار الماضين وَلَا يتفطن لما وَقع من تغير الْأَحْوَال وانقلابها فيجريها لأوّل وهلة على مَا عرف ويقيسها بِمَا شهد وَقد يكون الْفرق بَينهمَا كثيرا فَيَقَع فِي مهواة من الْغَلَط