قال: وكانت للقاضي ضياء الدين بالقاهرة دار جميلة، هي دارة بدره ودايره قدره ومجال جماله وفضل أفضاله، وبمصر له منزل هو قطعة من دار الذهب بدار الملك القديم مقيمة على قواعدها المستقيمة، فهو تارة يضيفنا في داره بالقاهرة بمقاريه الباهرة وتارة يقرينا في منزله بمصر بألطافه الظاهرة، ونحن عنده في أرب وجد وسماع وغناء واستمتاع واستغناء.
قال: وعملت في تلك الأيام أبياتا يغنى بها ومنها:
إن لم تجد بالوصل مت بحسرتي إن الفراق منيتي يا منيتي
لك ناظر ذو صحة في علة ما صحتي إلا لديه وعلتي
كم منة لك في الوصال قوية وأراك في البحران تضعف منيتي
ومنها:
قلبي العليل فكيف سوغ وصف طرفك بالعليل
وأنا المحب المستهام فما لحضرك والنحول
سلبت شمايلك العقول فما يراد من الشمول
وسلاف ثغرك ليس يشفي غير رشفتها غليلي
ولقد ظميت فسل سبيلا نحو ذاك السلسبيل
[ ٤٨ ]
قال: واقترحنا على القاضي أن يفرجنا في الأهرام فأضاء وجه بشره لهذا المرام. وكانت له جزيرة الذهب في طريقها فعبر بنا إليها وتحمل من الكلف ما هو غير مطيقها فبتنا فيها ومعنا فلك ومراكب، وملك ومواكب وشداة وحداة وولاة وحماة، وقصدت تلك الليلة لطيبها، وأخذ كل نفس بمصيبها. وبكرنا وسيف الصباح قد شق برد الظلماء وابن ذكا قد جلا وجه السماء، وقدمنا المراكب وعدينا الجنايب فلما انتهى العبر وانقضى الصبر جزنا بالجيزة فرأينا أرضا رضية وبقعة فضية فيها قوم قعود في حلق متطلسون وبزى فقهائنا في العراق والشام متلبسون فظننتهم طلبة علم يدرسون فلما أحسوا بنا طاروا وصاروا إلى حيث صاروا وقيل لهم شاربوا المزر وحاقبوا الوزر فقلت لهم ما بال كل منهم بطرحة فقالوا هذا زي هذه البلاد ولا لوم على العرف المعتاد.
ثم مضينا ودفعنا إلى المخاض وارتفاع بعد انخفاض فخاضت بغلة القاضي وعثرت وتوحلت (١٨٧ أ) والقلوب لاجلة توجعت وتوجلت فخرج سالما ولتطييب أنفسنا باسما فاستأنفنا قصد الأهرام وقد سبقنا إليها غلماننا بالخيام فنزلنا ودرنا حول الهرمين وطاف عليها القاضي من حسن خلقه وحسن تخلقه بكرمين. وكان معنا القاضي شمس الدين أبو فلان فما منا إلا من هو زهير وقد ظفر بهرمين وشب لنا هناك المكان والزمان وطالما كانا في تلك الرمال هرمين (وقد ظفر بهرمين) ودرنا في تلك البراري والرمال والصحاري، وهالنا أبو الهول، وضاق في وصفه مجال القول. ورأينا العجائب وروينا الغرايب واستصغرنا في جنب الهرمين كل ما استعظمناه. وتداولنا الحديث في الهرم ومن بناه فكل يأتي في وصفه بما نقله وعقله واجتهد في الصعود إليه فلم يوجد منهم من يوقله وحارت العقول في عقوده، والأفكار في توهم حدوده ولما أتممنا الفرجة عزمنا العودة وما أرفق تلك الشيمة وأهنأ وأسنى تلك الصنيعة النصيعة.