قال: وكان حينئذ بمصر شيخ صوفي من أهل بلخ قد جرب الدهر وعانى العقد والفسخ، وعاين الإثبات والنسخ وجاور بغداد والكرخ، ظريف طريف، عفيف، لطيف لا يأكل وحده ولو انه رغيف. له مع نجم الدين أيوب صحبة قديمة ومودة كريمة وقد ملك من قلوب الملوك قبولا، ولم يزل بشمول عارفتهم مشمولا فبنى دارا على شاطئ النيل وفتح بابه لمن يضيفه من أبناء السبيل، وفيها بركة وبستان وروح وريحان، ومن كل شهى ولذيذ ألوان وللحلاوات على شيمته الحلوة حوالات، وللحاجات عند سجيته السمحة ناجات له فيما يدخل السرور في أنفس أصدقائه اخراجات.
وما زال يدعونا إلى داره ولا يخلينا في ليالي الجمع من انتظاره، ويضيفنا مفردين ومجتمعين، ويحضرنا المستمعين والمغردين. وكان محبا للأدب ولدفاتره مستنسخا ومؤثرا للفضل ولمعاشرة معاشر مصرحا فإذا عرف ميلنا إلى كتاب قدمه وقدم على تقديمه قسمه ويحلف انه لا يأخذ ثمنه وانه لأجلنا ادخره وخزنه ثم وقف على الصوفية من بعده وانتقل بعد سنتين إلى النعيم وخلده.
عاد الحديث قال: ولما عدنا من ثغر الإسكندرية صمنا بقية الشهر في القاهرة، والسلطان متوفر على نشر العدل وإفاضة الجود وسماع أحاديث الرسول ﷺ. وهناك لسماطه سموط وخوان مبسوط وكلنا بما هو فيه من النعمة مغتبط مغبوط، وكان إذا فرغ من الطعام، وخف ثقل الزحام تخلف عنده من جرت عادته من الجلساء وخواص الأمراء ثم قضينا فرض العشاء ووصلنا بالتراويح والاستغفار والتسبيح. ثم أن شاء جلس وبمن يقربه استأنس وإذا أراد البكور قاس وجلا من نشره القس وبكر وركب "والصبح قد تنفس".