قال: وصلت إلى دمشق في أيام جلاء حسنها وانجلاء حزنها وغناء أفنانها بالأغاريد وانتشاء إنشائها بالأناشيد فقدمتها في أطيب زمان ونزلت من المدرسة التي وليتها في أحسن مكان. وكان ملكها والذي يتولى ممالكها الملك العادل نور الدين ابو القاسم محمود بن زنكي وأعف الملوك واتقاهم وأثقبهم وأصلحهم عملًا واحجهم أملًا وأرجحهم رأيًا وأوضحهم أيا. وهو الذي أعاد رونق الإسلام إلى بلاد الشام فاستفتح معاقلها واستخلص عقايلها وكانت للفرنج في أيام غيره على بلاد الشام قطايع فقطعها وعفى رسومها ومنعها ونصره الله عليهم مرارًا حتى أسر ملوكهم وبدد سلوكهم وصان الثغور منهم وحماها عنهم وأحيا معالم العلوم الدوارس وبنا لمذاهب السنة والجماعة المدارس وانشأ الخانكات للصوفيه وكثرها في كل بلد وكثر وقوفها وأجد الأسوار والخنادق وأمر في الطرقات ببناء الربط والخانات وهو الذي أعان على فتح مصر وأعمالها وأنشأ دولتها ورجالها.
وكان صلاح الدين أحد خواصه وأخلص ذوي استخلاصه ولد نجم الدين أيوب من أكابر أمرائه لا يفارقه راكبًا في ميدانه ولا جالسًا في إيوانه يقف على رأسه ووالده من جلاسه وقد اقتدى به في جميع ما اتصف به من التقى والعفة والنزاهة والنباهة وآداب الملك وأحكام السلطنة فتلقن منه مبادئ الخيرات ثم جاوز بها في أيامه الغايات.
[ ٣ ]