[ ٣٤ ]
قال ﵀: لما تسلم السلطان قلعة بعلبك عاد إلى حمص وخيم ثامن رمضان بظاهرها وخيمنا في عاشره على حماه. وكان قد وصل عز الدين مسعود أخو سيف الدين غازي صاحب الموصل نجدة لها ولما عرفوا أن السلطان مشغول بالحصون تركوا وجاءوا إلى حماه فحصروها فعرفوا أنهم لا ينالون منها فرحلوا عنها. وراسل مقدموا حلب المواصلة النايب السلطاني في حماه قبل وصوله إليها أننا وصلنا للصلح والاجتماع فيما يعود بين الجانبين بالنصح والنجح فكتب إلى السلطان وهو ببعلبك يحثه ويحضه لعله يتم عقد صلح لا يتأتى نقضه فمضى السلطان في خف وجمع غير وجف وجاء للايتلاف وتنكب مذهب الخلاف فجاء من الحلبيين الأمير سعد الدين كمشتكين وشهاب الدين أبو صالح العجمي واجتمعوا بالسلطان لما طلبوا أن يرد عليهم الحصون، واستقر أن يقنع بدمشق نايبا عن الملك الصالح وله خاطبا وعلى الانتماء إليه مواظبا، وأن يرد كل ما أخذه من الخزانة وأن يسلك فيه سبيل الأمانة. فلما رأوه لكل ما يلتمس منه مجيبا، ولكل ما يستبعدونه من مرام قريبا، ورأوه في عسكر خفيف ومطمع عفيف ومجمع لفيف قالوا خبره صحيح وإن الذي يعرض له من عجزه صريح، وهو في قافلة ما أهون أخذها، فشرعوا في الإشتطاط، وجاوزوا حد الاشتراط، وطلبوا الرحب وأعمالها فقال هي لابن عمي ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكيف ألحق به في رضاكم المكروم فقاموا متغضبين ونفروا وارتحلوا ونفذوا وراءهم من يردهم فما اكترثوا به ولا احتفلوا وذهبوا، وهم يقولون كيف نرتاح لقول هؤلاء والى متى نصبر على البلاء، وفارقنا إلى مخيمهم وربضوا تلك الليلة في مجسمهم، وأصبحوا على الرحيل إلى جانب العاصي وأظهروا أنهم على المصاف وعزم الانتصاف فعبر السلطان إلى سفح قرون حماه خيامهم وركز في مقابلتهم لمقاتلتهم أعلامه وقد أجتمع عسكر الموصل والجزيرة وحلب والسلطان ينتظر وصول أمرائه الواصلين إلى دمشق من مصر قال: فوصل في ذلك الوقت لتوفيق الله ومساعدة قدره العسكر المصري في عشرة من المقدمين الأكابر وهم تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه أبناء أخي السلطان، وشهب الدين محمود بن تكش خاله وخواص رجاله ووصلوا إلى المعركة أمام الزحف واقتسموا ميمنة وميسرة تقدموا زحفا وسدا واستدنوا ما ظهر بعيدا فأبصروا أولئك ما لم يبصروه وأنكرا ما لم يعرفوه، واسودت الدنيا في عيونهم وأحسوا بإخفاق ظنونهم، ونحن وقفنا وراء الصفوف نبصر عجاجهم ونسمع ضجا جهم ثخم رأينا الغبرة تبعد عن صوبنا فقلت أن النصر لحزبنا فإن الهزيمة لو كانت علينا لثارت الغبرة إلينا فكان الأمر كما ظننته، فإن السلطان لما هزمهم طردهم الخيل حتى طرد النهار الليل وسار حتى زحزحهم عن أثقالهم وأحمالهم ودوابهم ورجالهم. وحقن الدماء وسكن الدهماء ونزل في منزلتهم واستقال الدين من ذلتهم ثم سرنا ونزلنا بقرأ حصار من أعمال حلب وهناك عيدنا عيد الفطر وشكرنا (١٨٠ ا) الله على أداء فريضة الصوم واقتناء فضيلة النصر.
[ ٣٥ ]
كتاب فاضلي إلى زين الدين الواعظ في المعنى أوله: لله ﷾ الحمد عندنا عوايدهم قد صارت كالأمر المعروف، والواقع المألوف والضياء اللازم للصباح، والعرف المتضوع مع الرياح فلا تستغرب غرايبها وإن كانت بديعة ولا تبهر عجائبها وإن كانت وسيعة وشيعة. وكان الحلبيون والمواصلة قد صاروا بنيانا مرصوصا في الخلاف، وعقدا واحدا في الشقاق والانحراف، وحصروا حماة أياما وهم فيها المحصورون، وأن جندنا جند الله وهم المنصورون ثم ارتحلوا عنها ولم تزل المراسلات تكرر والمعاقدات تنقض بعد أن تقرر إلى أن كان آخر رسا يلهم ما بيننا إلا السيف فرضينا به حكما وأرسلنا حبلهم على غاربهم، وعلمنا أن البغي معترض دون مطالبهم ولما كان يوم الأحد التاسع عشر شهر رمضان ركبنا والعساكر قد انتظمت عقودها والاطلاب قد أطرد مسرودها، والسيوف قد كادت تلفظ غمودها، والرماح ساقها إلى الأوراد ورودها فلما تصافحت أطراف القنا مع النحور ووصلت صدور الرماح إلى الصدور، تخور له الصخور وأنزل الله نصره علينا فلاذوا بالفرار، وذموا عواقب الاغترار، واستولت على أبطالهم حلقات الإسار وحاز العسكر المنصور من القوة والعتاد وآلات الحرب والطراد ما ملئ كل يمين وشمال حتى لم يبق فارس إلا قاد الجنايب ولا راجل إلا سب الراكب بما أستكثر من المراكب وكان المقام كريما واليوم عظيما، وكان هذا الفتح لفتوحنا أميرا وهذا اليوم بما بعده من سعادات الأيام بشيرا، وكتابنا ونحن على أثر المنهزمين سايقون إلى مستقر القرار الذي يسترجون سابقون.
قال ونظمت في هذه الوقعة في مدح ناصر الدين محمد بن شيركوه قصيدة أولها:
وكتيبة مثل الرياض كأنما راياتها منشورة أزهار
وكأنما خض البيارق للقنا ورق وهامات العداة ثمار
وكمايم الأغمار عن زهر الظبا فتقت فكل صقيلة نوار
وعلى شعاع الشمس لمع حديدها يبدو كما يعلوا الجبين نضار
عبيتها بعزيمة مشفوعة بالنصر منك تعينها الأقدار
ومنها:
أهلا بجلق والعراق مراقبوا حالي وطرف رجائهم نظار
وقطعت أبواب الملوك إليكم ليكون منك إلى النجاح بدار
بادرت نحوك بالرجاء مؤملا والصفو تهجر دونه الأكدار
قال: فنزل السلطان قرأ حصار بنية الحصار فجاءت رسلهم بالاقتياد وأجابوا إلى المراد وقالوا: اقتنعوا بما أخذتموه إلى حماه ولا تشمتوا بنا العداة فاسترد عليهم كفر طاب والمعرة على أنا لا نسومهم المضرة والمعرة واستوفينا عليهم الإيمان المستقرة وأحضرني السلطان في ذلك اليوم لتحرير نسخة اليمين ورآني الحلبيون اللذين فارقتهم أني إلى جانب السلطان جالس وبأمره مستأنس فنظروا شزرا وعظموا ما ظنوه نزرا فما وقف السلطان في عرض ولا شاب صحة قولة بمرض وسألهم في المعتقلين أخوة مجد الدين فأجابوا وفرجوا عنهم وتم الصلح وعم النجح ورحلنا ظافرين ظاهرين ونزلنا بحماة يوم الاثنين ثاني عشر شوال وهناك التقينا العصا فما استقرت بنا النوى ونوينا إلى حصار بعرين.