الخميس عاشر شوال
قال: وأقمنا بقية شهر رمضان بالمرج القبيسي فقد الحرب النسى ونقول قد وصلوا إلى حلب وما عرفنا منهم الطلب فإن خرجوا في الطلب إلى حدودنا خرجنا إليهم بجدودنا وذكرناهم بعهودنا. ولما وصلت المواصلة إلى حلب أطلقوا من كان في الأسر من ملوك الكفر وفيهم أبرنس الكرك وجوسلين خال الملك وقرروا معهم أن يدخلوا من مسعدتهم في الدرك. وكان وصولنا إلى مرج أبو قبيس في الخامس والعشرين من شهر رمضان فلما عيدنا ووصل الخبر بوصولهم إلى تل السلطان عبرنا العاصي عند شيزر ورتبنا العسكر وأعدنا الأثقال منها إلى حماة وجردنا الكمت والكماة وسار يوم الثلاثاء بعزم اللقاء وتفرق الخيل على الجباب والمصانع يوم الأربعاء، وأخذ حظها من الارتواء ثم أدلج ليلا وصبح القوم بكرة الخميس بالخميس وعرس بقربهم الأسد مع العريس. ولما طلع الفجر نظروا وإذا الخيل عليهم مطلة وبوارق البيارق فوقهم مستهله، والصواهل محمحمة والقنا طل مدمدمة والجاليشية دايرة والجاوشيه فاغره والخبايا مرنه والمنايا مرجحنة فحين غامرهم الجيش خامرهم الطيش وقالوا ما أوقع هؤلاء أما عرفوا أنهم عند بحارنا جداول وعند جبالنا جنادل وعند صقورنا بغاث وعند ذكورنا إناث فأمتطت جبالهم الرماح وهزوا بالمراح الرماح وشاموا بوارق القضب وأنقضوا بشهب الشهب، وسلوا من النبل الجعاب ومن الزعف العباب وصف سيف الدين غازي صاحب الموصل أمام قلبه وتراكمت قدامه سحب صحبه وقد فوق إليهم السهم كأنه مستوى بيت القوس وشمس برج الأسد للفرس يخطب كفو الكريم لإقامة العرس ملابس وللجمال جميل اللبس، شاب حوله الشباب، وشهاب تجلله من لثام الزرد سحاب بعزه معتز وبغرورة مغتر، وبعطف اللدن مثل رمحه إلى اللقاء مهتز بعمره غير مبال لا يخطر الخطر له ببال والملك الصالح مع الحلبيين في خلابه بارز في أطلابه وقد جمع كل بطل كمي وأجدل مضرحي ومن ساير قبائل الأكراد ومن المماليك الأتابكيه (١٨٢ ا) كل كميش وهجان وأكديش وكان الأمير مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كوجك على ميمنته وهو في كتيبته الشهبا وداهيته الدهيا ودهته الحشا، وفي مقابلته ميسرتنا وفيها شمس الدين صاحب بصرى ومعه جماعة مجمعة فحمل عليهم مظفر الين ففلجها وطحنها وأوهى عقودها وأوهنها وساق أثقالها وقتل رجالها فظنوا أنهم ظفروا وفازوا وكثروا وحازوا.
[ ٣٩ ]
وكان السلطان في قلبه وراء التل وهم لايبصرونه فتحين إليه فل الميسرة المكسورة فهاج نحوه بالهمم الموتورة، وساق وأشرف من التل على القوم، وقال: لاونية بعد هذا اليوم وبدر من أصحابه أميران بالجملة واختلطا مع الجاليشية فأحاطوا بهما ولم يفلتا واتلفا، وحينئذ ظهر البرج مبرح الغطا وكانوا حلفوا أنهم لايبقون على أحد ولايقرون من الصلاحية روحا في جسد.
وقويت أطماعهم بظفر الميمنة وقتل من لقوه في المقدمة فحملوا حملة واحدة راكضة إلينا طاردة والسلطان واقف في صفه ألف بالفه، واثق بزحفه، مايح بحره في غدير زعفه. وكانت حملتهم من مسافة بعيدة وشقة مديدة فقال لأصحابه تثبتوا وقفوا دعوهم يتعبروا ويركضوا وينقضوا قواهم ويرفضوا وإذا قربوا منا أبعدناهم، واذاوصلونا قطعناهم فنحن نعطيهم الأشواط، ونوليهم الإفراط، وهم يصلون متسابقين متفرقين فإذا دنوا من بنيان صفنا المرصوص أنقض عليهم جداره، ولفح وجوههم أواره. وكانت حملتهم وقدام الألوف مائون وإمام المائين عشرات وقد سبقتنا آحاد منتشرات، فلما حملتهم حملتنا وصدمتهم صدمتنا عكستهم وأركستهم وردت أولهم على آخرهم وسيارهم إلى سايرهم، ولم يعرف ساقيهم ماتم على مقدمهم، ووقع التخاذل والتفاشل في ميمنتهم وميسرتهم، وركب السلطان أكتافهم حتى أخرجهم من خيامهم ووكل بسرادق سيف الدين غازي عز الدين فرخشاه، وركض وراءه حتى علم أنه تعداه، ووقع في الأسر جماعة من الأمراء المقدمين ثم من عليهم بالخلع والتشريفات بعد نقلهم إلى حماة، وأطلقهم وأعتقهم بعد أن أسترقهم.
ثم نزل في السرادق السيفي فتسلم خزاينه واصطبلاته ومطابخه ورواسي عزه ورواسخه، والقدور على المواقد رقود، والندامى المواعيد قيام وقعود، والخمور مقدمة، والزمور مقدمة، والملحنون والمرقنون جلوس وبأيدي البدور شموس، والخيل على طايلها صفون، وما نطول الحديث فللحديث شجون، فبسط في جميع ذلك أيدي الجود وفرقها على الحضور والشهود وأبقى منها نصيبا للرسول والوفود، ورأى في بيت الشراب بل في السرادق الخاص طيورا من القمارى والبلابل والهزاز والببغاء في الأقفاص فاستدعى أحدى الندماء هو المظفر المعرى الأقرع وهو مما به يتجشى ويتجشع فقال له: طب نفسا فاستبدل من الوحشة أنسا وخلع عليه وقال له: خذ هذه الأقفاص واذهب إلى سيف الدين وأوصلها إليه وسلم عنا عليه وقل له: عد إلى اللعب بهذه الطيور فهي سليمة لا توقعك في المحذور.
ولما كسر القوم وولوا مدبرين ركضوا إلى حلب فلم يقف بعضهم على بعض، وظنوا أن العسكر ورائهم ركضا وراء ركض، وما سار ورائهم عسكر لكنهم لشدة رعبهم قطعوا نياط القلب، وما صدقوا كيف يصلون إلى حلب فيغلقون أبوابها ويسكنون اضطرابها.
وأما سيف الدين فأنه ركض في يومه من تل السلطان إلى بزاعة، وجاوز في سوقه الاستطاعة، وفرق وفارق الجماعة.
ومن الإنشاء ألفاضلي في هذه الوقعة إلى الأستاذ جلدك بدمشق كتاب منه نشعرك أيها الأستاذ الجل بكسرة المواصلة والحلبيين والديار بكريين يوم الخميس عاشر شوال على تل السلطان بعد أن وقفوا وواقفوا، وأخلف الله ظنونهم بما نكثوا وعصوا وخالفوا فأظهر الله فيهم القدرة ودمر عليهم بهذه الكسرة، وأخذهم من أمرهم على غرة، وأجرانا على أفضل عوايدنا من الاستظهار والنصرة.
ولم تزل الجيوش بعقب المنهزمة فإذا طرح الراكب إلى الأرض عفت عنه السيوف المتضرمة، وكذلك عودنا الله أن نغفر مع الاقتدار، ونقيل عظيم العثار، والحمد لله الذي مكن لنا الأرض، ولم يجعلنا ممن يفعل في العباد ما لم يرض.
قال ﵀: