قال: حضرت عند الملك العادل نور الدين بدمشق في العشرين من صفر والحديث يجري في طيب دمشق ورقة هوائها وبهجة بهائها وإزهار رياضها وأنها كزهر سمائها وكل ما يمدحها ويطريها فقال نور الدين أنما حب الجهاد يسليني عنها فما أرغب فيها، قال: فارتجلت في هذا المعنى فقلت: ليس في الدنيا جميعا بلدة مثل دمشق ويسليني عنها في سبيل الله عشقي
قال: واتفق أن خرج كلب الفرنج اللعين في جنود الشياطين يقصد الغارة على ناحية زرا من حوران وأناخ بأول ليلة بقرية بسمكين ووصل الخبر إلى نور الدين وهو نازل بالكسوة إليهم وأقدم بعساكره عليهم فلما عرفوا وصوله رحلوا إلى منزلة الفوار وأصبحوا بكرة السبت غرة شهر ربيع الأول راحلين إلى السواد صارفين أعنة الجياد عن أسنة الصعاد وشلتهم مقدمة عسكرنا حتى نزلوا بالشلالة ونزل نور الدين بعشترا وأنفذ سرية إلى أعمال طبرية ولما عادت لحقها الفرنج عند المخاضة فوقف الشجعان (١٧٥ب) وثبت من ثبته الإيمان حتى عبرت السرية بجمالها وعادت وقد نصرت صوارمها ونفدت لهازمها ولما أنهضنا السرية رحلنا من عشترا وخيمنا بظاهر زرا.
قال: وكنت عند مسيرنا إلى اللقاء لنور الدين مسايرًا وله مجاورًا وهو يقول كيف تصف نهوضنا إلى الجهاد وسواد وجوههم بدخولهم في السواد وهو يبتسم وقد تقدم أمراؤه إلى المعركة ويقول لم أرك قوي القلب وأقول وكيف لا يقوى قلبي بخدمتك وأنا في عصمتك هذه القصيدة في وصف الحال:
عقدت بنصرك راية الإيمان وبدت لعصرك آية الإحسان
قلت منها:
كم مصعب عسر المقادة قدته نحو الردى بخرا يم الخذلان
ومنها:
وعلى غناء المشرفية في الطلا والمهام رقص عوالي المرأن
وكأن بين النقع لمع حديدها نار تألق من خلال دخان
غطى العجاج به نجزم سمائه لتنوب عنها أنجم الخرصان
ولوا وقلب شجاعهم في صدره كالسيف يرعد في يمين جبان
يمتاح من قلب القلوب دماها بالسمر منح الماء بالأشطان
فمن العراق إلى الشام إلى ذرى مصر إلى قوص إلى أسوان
لم تله عما في البلاد وإنما الهاك فرض الغزو عن همذان
[ ٢٥ ]
أذعنت لله المهيمن أذعنت لك أوجه الأملاك بالإذعان
سير لو أن الوحي تنزل أنزلت في شأنها سور في القرآن
قال: وفي هذه السنة غزا شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين بلد النوبة وفتح حصنًا لهم عرف بابريم وهي بلاد عديمة الجدوى عظيمة البلوى ثم جمع السبي وعاد به إلى أسوان وفرق على أصحابه في الغنايم السودان.