قال: كان شميس الدين بن المقدم متولي بعلبك وأعمال هو مدبر أحوالها فعرف أن الفرنج قد أغاروا على البقاع فكمن لهم عند العياض وأوتر عليهم حنايا المنايا لتفريق التوفيق في الأنباض وأسر منهم سوى من قتل أكثر من مائتي أسير وأحضرهم عندنا ونحن على مصياف، ولولا هذا الحادث لم يصرف عنها الأحداث.
وكان قد خرج الملك المعظم شمس الدولة أخو السلطان حين سمع أن الفرنج على الخروج وباسطهم عند عين الجر في تلك المروج ووقع عدة من أصحابه في الآسار منهم سيف الدين أبو بكر بن السلار وأجترا الفرنج في تلك الجوله واغتروا بتلك الصولة وانبسطوا في تلك العياض وانهاضوا بما قدم أبن المقدم من الأنهاض.
ووصل السلطان إلى حماة فاجتمع فيها بأخيه شمس الدين يوم الثلاثاء ثاني صفر وهو أول يوم لقائه بعد ما أزمع عنه إلى اليمين السفر، وتعانق الأخوان في المخيم في الميدان وتحدثا في الحدثان. وكان قد وصل إلى السلطان من أخيه هذا عند مفارقة اليمن كتاب ضمنة هذه الأبيات من شعر أبي المنجم.
المصري قلت ومنها:
(١٨٤) أبدى التجلد والجوانح تلتظى وأرى التصبر والحشى تتقطع
وحملت من فقد الأحبة مفردا ما ليس يحمله الأحبة أجمع
وإلى صلاح الدين أشكو أنني من بعده مضني الصبابة موجع
جزعا لبعد الدار منه ولم أكن لولا هواه لبعد داري أجزع
ولا ركبن إليه متن عزائمي ويخب بي ركب الغرام ويوضع
حتى أشاهد منه أسعد طلعة من أفقها صبح السعادة يطلع
قال: فسألني السلطان أن أكتب في جوابها على وزنها ورويها فقلت أبياتا منها:
صب تولى حالتيه في الهوى جلد له عاصي ودمعي طيع
ذو ناظر ربع الكرى في جفنه صبح السيادة من سناه يطلع
لولا ترجى قرب عودك لم يكن لي في الحياة لأجل بعدك مطمع
قسما ببيت أمه زواره والطايعون الساجدون الركع
أن لي سواك من الحوادث ملجأ أو لي سواك من النوايب مفزع
قال: ولما رآني بالمخيم بميدان حماه عند أخيه مخصوصا بتوقيه وتوخيه بشرلى وبش، وشرع في تقريظي والثناء على قريضي. ثم سرنا إلى دمشق ووصلنا إليها في سابع عشر صفر، ووجه النجح قد سفر، وفوض ملك دمشق إلى أخيه الملك المعظم وعزم على السفر إلى مصر.