بتاريخ يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة
[ ٢٨ ]
قال ولما عزم الملك الصالح المسير بيت الجماعة التدبير، فأقام شمس الدين بن المقدم بدمشق، وجمال الدين ريحان وإلى القلعة، والقاضي كمال الدين الشهرزوري وسار الملك الصالح ومعه كمشتكين والعدل ابن العجمي الوزير وولي الدين إسماعيل الخازن ومعهم سابق الدين عثمان وهم يستعطفونه ويتلطفونه حتى قربوا من تل السلطان، ووصلت رسل شمس الدين علي بالإحسان فخلفوا الرسل وراءهم، ورحلوا للمسافة مساهم وأدلجوا حتى وصلوا وثوب الليل شقه الصباح، وصدر الفجر رحبه الانشراح فتلقاهم الكبير والصغير والمأمور والأمير. وكان شمس الدين بالقلعة راقدًا عشاشه وناشدًا انتعاشه فجاء أخوه بدر الدين الحسن متلفيًا فبغتوه بالقبض عليه وجاهروا سابق الدين في مبرم عقده بالنقض واستصحبوهما محمولين، وسبقوا الخبر ركضا حتى دخلوا القلعة، وكان وإليها شاذبخت، وهو معهم في الباطن مطلعًا على سر الشر الكامن فما أحس بهم الشمس إلا وقد كسفوه وأظهروا له خفى كرههم وكشفوه واعتقلوا الأخوة الثلاثة في مطمورة وشعثوا القلوب بما جنوه فعادت غير معمورة. وجاء ابن الخشاب مقدم الشيعة فسفكوا دمه على الحالة الشنيعة وغاظ السلطان صلاح الدين هذا الخبر وتطاير من حلب إلى مصر من نارهم الشرر، ومن بعدها كم فاضت العبرات واستفاضت العبر.
قال: ودخلت سنة سبعين وخمسمائة والملك الصالح في قلعة حلب مسقر وأمره مع أصحابه مستمر وأنا في دار القاضي محي الدين مقيم، والي التوفيق من الله مستقيم أترقب للانفصال الوقت، ولا أجد من الممقوتين إلا المقت. وجاءني من أخبرني أنهم وضعوا عليك من الإسماعيلية من يتمم حيلة وتقتل أأاأأأأ غليه، فقلت ما مع هؤلاء سلامة، وما على الكرم أن فارق أهل اللوم ملامة فتحولت عن المنزل النائي وجعلت الدأب دأبي، وانقلبت إلى حران وسيف الدين غازي صاحب الموصل قد خيم على سروج فقدمت على قصده العروج لأستأذن وإلى الركب أعرج وقصدت فخر الدين عبد رب المسيح وأنبأته بعزمي الصريح ورغبتي في خدمة سيف الدين، فأبيت وقلت ما جيت بهذه النية فأخذ لي كتابًا إلى الموصل، وقد مضيت إليها وأقمت بها على عزم العود إلى بغداد لأجمع بأخي شملي لكن صدني المرض، وحرف مزاج جوهري العرض وذلك في شهر ربيع الأول. وشغف بالتردد إلى كمال الدين بن الوزير جمال الدين محمد بن على أبي المنصور الجواد فكتبت إليه وقد عادني قطعة منها.
قل في الكرام له مشبه وإن كثروا
همة مباركة في الشفا لها أثر
ليس في السيوف سوى للمهند الأثر
قال: وسأذكر خروجي من الموصل في أوانه في ريعان الملك الصلاحي وعنفوانه قال: وطمع سيف الدين غازي في بلاد عمه، وعاد فخر الدين عبد المسيح إلى خدمته وعاد عزه في مكانته ومكنته، واستعاد الخابور والرقة وحران وسروج والرها وأدرك في تلك الأعمال كل ما اشتهى، فمضى العدل بن العجمي من حلب إليه للإصلاح ودخل له تحت الاقتراح وتمت المصالحة، وعلق رهن أخوة مجد الدين في الاعتقال، وضيقوا عليهم في القيود والأغلال، والزموهم بتسليمه الحصون ورفضوا حكم المروة، وتقضوا عهد الفتوة. وكان الموفق خالد بن القيسراني قد وصل ونحن بدمشق من مصر وحمل معه لخاصته المال الوثر وأخذ أمان ملك الفرنج حتى عبر الساحل وطوى إلينا المراحل، ولزم داره بسكون وعقل ولم يدخل مع القوم في شغل.
[ ٢٩ ]
وأما صلاح الدين فإنه اعتقد أن ولد نور الدين يتولاه بعده أخوة مجد الدين وهم أصدقاؤه وخلصاؤه، وغارلهم والملك النوري، وقال: أنا أولى بحفظه وصونه، وكتب إلى شمس الدين بن المقدم ينكر ما أقدموا عليه من تفريق الكلمة وكيف أجترأوا على أعضاء الدولة وأركانها بل أهلها (١٧٧ب) وإخوانها وأنه يلزمه أمرهم أمرها، ويضره ضرهم وضرها فكتب ابن المقدم إليه يردعه عن هذه العزيمة ويقبح له استحسان هذه الشيمة ويقول: لا يقال عنك أنك طمعت في بيت من غرسك وأصفى مشربك، وأضفى ملبسك فما يليق بحالك ومحاسن أخلاقك وخلالك غير فضلك وأفضالك فكتب إليه صلاح الدين بالإنشاء الفاضلي: وصل كتاب الأمير أطال الله بقاءه، وأحطنا بإنشائه والمكتوب وما نريد معرفته أنا لا نؤثر للإسلام وأهله إلا ما يجمع شملهم ويؤلف كلمتهم، وللبيت الأتابكي إلا ما يحفظ أصله وفروعه، ويدفع ضره ويجلب نفعه، فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، والمحبة إنما تظهر آثارها عند تكاثر العداة، وبالجملة أنا في واد والظانون ظن السوء في واد، ولنا من الصلاح مراد لن يبعدنا عنه مراد، ولا يقال لمن طلب الصلاح أنك قادح ولا لمن ألقى السلاح أنك جارح وما مرادنا إلا مصلحة تؤثر لا فتنة تثار، وخدمة تنير لا مضرة تسدى وتثار فلو زرنا على غير هذا السبيل لما سلكنا مراجعة الخطاب ومطالعة الكتاب فلا يحمل أمرنا إلا على أحسنه، ولا يظن بنا إلا الخير الذي طبعنا أخص بوجوده من معدنه.
قال: وكان عزم صلاح الدين أن يسارع إلى التلاقي، ويعتمد في إصلاح الدولة وإنجاح البغية اعتماد الوفى الوافي، فاتفقت عوايق وطرقت طوارق راعت مباديها ثم أحمدت غاياتها، وانحلت بعد الملمات المدلهمات غياباتها فمنها نوبة الكنز ونفاقه أسطول صقيلة ووصوله إلى ثغر الإسكندرية وأرهاته، وكان وصولة إليها في السادس والعشرين من ذى الحجة تسع وستين وانهزامه مستهل المحرم سبعين.
[ ٣٠ ]
قال ووجدت كتابا من صلاح الدين إلى بعض أمراء الشام بشرح الحال وهو: هذه المكاتبة صادرة من الأمير بعد أن وصل الأسطول الصقلى إلى ظاهر ثغر الإسكندرية حماها الله تعالى في وقت الظهر من يوم الأحد السادس والعشرين من ذي الحجة ولم يزال متواصلا إلى وقت العصر وكان ذاك حين غفلة من الموكلين بالنظر لا على حين خفاء من الخبز فأمر هذا الأسطول توالت به الأخبار وعظمت الشناعات عنه في الأفاق والأقطار وروع ابن عبد المؤمن في البلاد المغربية وهدد به في الجزائر الرومية صاحب قسطنطينية وكان عسكر الوالي غايبًا ولم يحضر في ذاك اليوم إلا العدد القليل منه وأصبحوا في يوم الاثنين الذي يليه على ما هم عليه من انتشار راجل الثغر فأشار جماعةً من عقلاء الأتراك بأن يرد الناس من المكان البعيد ويقفوا من السور من المكان القريب فخلا البر وأمكن الأسطول الصقلى في النزول الأمر، واستنزلوا خيولهم من الطر أيد ورجالهم من المراكب فأما الخيل فعدتها على ما يرام ما حققته أخبار الأسارى على الانفراد وعلم بالارجاف السابق إلى البلاد ألف وخمسمائة رأس منها رامحة ألف وتركبولية خمسمائة وكانت عدة رأجلهم في كل شيء مائة وخمسين راجلًا فيكون ثلاثين ألف مقاتل عن شيء وكانت عدة الطرايد ستا وثلاثين طريدة تحمل الخيل وكانت عدة السفن التي تحمل آلات الحرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست سفن وكانت عدة المراكب الحمالة برسم الازورار للرجال أربعين مركبا وفيها من الراجل المتفرق وغلمان الخيالة وصناع المراكب وأبراج الزحف ودباباته المنجنيقية ما يتمم خمسين ألف راجل ولما تكاملوا نازلين على البحر خارجين من البحر حملوا على المسلمين حملة لم يكن حاضرها من أصحابنا سوى محمود بن البصار فاستشهد في سبيل الله واستمرت الحملة على المسلمين إلى إن أوصلتهم إلى السور وجدفت مراكب الفرنج داخله إلى الماء وكانت به مراكب مقاتله ومراكب مسافرة فنسبقهم أصحابنا إليها فخسفوها واغرقوا ما احترق منها واستمر القتال إلى وقت العشاء من يوم الاثنين المذكور ونزلوا بخيامهم وضربوها على البر وكانت ثلاثمائة خيمة وباتوا على الاهتمام بالات الحصار ولما أصبحوا يوم الثلاثاء زحفوا وضايقوا ونصبوا ثلاث دبابات وثلاثة مجانيق كبار تضرب بحجارة سود استصحبوها من صقيلة وإما الدبابات فإنها تشبه الأبراج في جفاء أخشابها وارتفاعها وكثرة مقاتليه مقاتليها وزحفوا بها إلى أن قاربت السور ولجوا في القتال عامه النهار ووردنا الخبر إلى منزلة العسكر بفاقوس على جناح الطاير يوم الثلاثاء ثالث نزول (١١٧٨) العدو فاستنهضنا العساكر إلى الثغرين الاسكندريه ودمياط وكان الأميران بدر الدين أيوب وفارس الدين تميزك فتسبقا إلى الإسكندرية برجالهما ونضاف إليهما من كان في إقطاعه بالبحيرة المجاورة للإسكندرية من المقاويد وغيرهم في يوم الثلاثاء والأربعاء وعاد بعض عسكر تقي الدين من برقه من الغرب واستمرت الحرب وقدمت الدبابات وضربت المنجنيقان وزاحمت السور إلى إن صارت منه بمقدار الاماح فاتفق أصحابنا على إن فتحوا أبوابا من قبالتها من السور ففتحوا الأبواب على غفلة وخرجوا منها على غزة وركب من كان هناك من الأمراء والخيل وخرجوا فارين من الأبواب وتكاثر صياح أهل الثغر من جميع الجهات فاحرقوا الدبابات المنصوبة وصدقوا القتال وانزل الله على المسلمين النصر وعلى الكفار الخذلان والقهر. وما زالت المكافحة بالسيوف إلى وقت العصر من يوم الأربعاء وقد ظهر فشل الفرنج ورعبهم وقصرت عزا يمهم وفترت حربهم وأحرقت آلات قتالهم ودخل المسلمون إلى الثغر لقضاء فريضة الصلاة واخذ ما يكون به قوام الحياة وهم على نية المباكرة وكنا قد سيرنا احد المماليك فركب فرسنا وجنب فرسين فأوقف الثلاثة طاويا واخذ رابعا من ضيعته ودخل الثغر بعد العصر بعد إن اعلم كل من لفيه من الأتراك انه فارقنا على المعدية وسبق بين أيدينا بالبشارة فارتفعت الصيحة وعلت وخرجت الخلايق التي كانت للصلاة والعشاء دخلت وثابت إليها عزيمتها بعد الكلال، وتداعت رجالها وقبائل الثغر إلى القتال وأوقع الله في قلوب المسلمين أنا في أوساطهم وبين ظهورهم، وصار الخارج من بيته يروم أن يتسرع ليجاهد بين أيدينا، ولنرى أثر الذي كان يرجوا أن يصل خبرة ألينا وقضى الأمر ونزل النصر وواقعوا الفرنج في خيامهم
[ ٣١ ]