عاد الحديث إلى ما جرى بعد الكسرة قال: أما صاحب الموصل فإنه أسرع إليها أوبته وشكر سلامته واستأنف اللهو واللعب، وأكل وشرب ولعن الحرب واصطنع الطعن والضرب وأما الحلبيون فأنهم أوثقوا الأسباب وغلقوا الأبواب واسقطوا في أيديهم حين أفرطوا في تعديهم، وتصرفوا بالاستبصار وتهدفوا للحصار، وأما السلطان فإنه عبر بحلب ولم يعرج عليها ولم يعج إليها ونزل على حصن بزاعه.
وتسلمه وفي سلك ملكه نظمه وذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من شوال. وأما منبج فإنه كان فيها الأمير قطب الدين ينال والسلطان لاينال منه الإحسان، وكان في جر عساكر الموصل إليه أقوى أقوى سب ولا يحفظ معه شرط أدب، ويواجه بما يكره فلما قرب من بلده آثر أن يثيره منه ويأخذه من يده فسلط النقابين على حصنه فنزل مستأمنا، وسلم القلعة بما فيها والذخاير التي تحويها فقوم ما تسلم بلثماية ألف دينار وساومه على أن يخدم ويأخذ بلدة وذخيرته وعدده فأبت نخوته ونبت حميته، وأنفت غيرته وغارت أنفته، وسهل عله عسيرة وأمر أمره، ومال عليه في ماله دهره، وكأنما جمع ذالك المال ليفرقه هذا الجود، ومطل بديون المكارم ليقضيها هذه النقود. ومضى إلى صاحب الموصل فأقطعه الرقة وبقي فيها إلى أن أخذها السلطان منه مرة ثانية في سنة ثمان وسبعين.
وعادته عادة منبج وصاروا بحاله الذي جمعه متفرقين، ثم عاش بعد ذلك أحوالا وأثث أحوالا، وجمع مالا وانتهت به صروف الدهر وأحداثه واستحقه من بعده وراثه فأقرضوه السلطان على أن يقتنوا به أملاكا، وينالوا به من فارطهم استدراكا، فانقضى عصر السلطان ونعب بالتفرق غراب البين ولم أدر كيف جرى حديث ذلك البين. قال: ثم سلم منبج إلى من بجده عمرها وبجوده غمرها، وبسياسته ساسها وأنس ناسها.