قال الأمام العالم ذو البلاغتين عماد الدين ابو عبد الله بن محمد بن محمد ابن حامد الكاتب الأصفهاني ﵀ في صدر كتابه الموسوم بالبرق الشامي وبعد فإن الكريم من عرف حق المنعم عليه وشكر فضل المحسن إليه وإذا خدم مخدومًا أوجد كرمه بذكره وان صار معدومًا وعرف من بين ما عرفه ما كان مكتومًا ومن استكفاني بالإنشاء لتنفيذ أوامره في حياته كافية بالأحياء في إنشاء مفاخرة في مماته وهو الملك الناصر صلاح الدنيا والدين ابو المظفر يوسف بن أيوب ﵀. فأني صحبته فكان خير مصحوب، وخطبت وده فألفيته الآن مخطوب، ولما انقضى عصره وانقضت عمره
[ ٢ ]
خشيت أن ينقرض ذكره فأنشأت هذا الكتاب وأعطيته من البلاغة حظًا وأعرته من الفصاحة لحظًا وافتكرت وابتكرت صياغته معنى ولفظًا وسميته البرق الشامي لأني وصلت في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة في دولة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سقى الله عهده عماد الرحمة فصادفت الدولة في أيامه والأيام الصلاحية إلى السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين متناسقة المحاسن وهيبتها بطيبها مستمرة على حسنها مستقرة، ثم التفت فإذا هي كبرق ومض وطرف غمض وما أسرع ما انقضت وانقرضت تلك الليالي والأيام والشهور والأعوام.
وقد انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام. قال وأنا أقدم في هذا الكتاب ذكر نبذ من أحوالي مع السلطان ثم أبتدئ بذكر معرفتي به وخدمتي له وأضف مبادئ دولته إلى أن وصل إلى الشام وحضرت خدمته، وأصف سيره كل سنة وآتى بشرح حسناته بكل حسنة.
قال: ولم يزل قلمي لسيفه مشاركًا ولملكه مداركًا هذا للرزق وذاك للأجل، وهذا للأمن وذاك للوجل. وكان السلطان يعتمد على قلمي وينصر كتابته وهو يقول: الحمد لله الذي لم يضع على العماد اعتمادي وحاط إلى سداده سدادي ثم ما وفي أحد بعهده وفائي بعهده من بعده فأني سيرت معاني معاليه بالنازي الفاضلة وخلدت ذكره في مصنفاتي إلى قيام الساعة وأحييت ذكره بالوفاء وأهديت له حياة ثانية بعد الحياة. ولما نقله الله الكريم إلى جناب جناته واقتسم أولاده ممالكه قلت يسلكوا وينسكوا مناسكه وانهم يعرفون مقداري ويرفعون مناري ويشرحون صدري ولا يضعون قدري فأخلف الظن حتى قطعوا رسومي ومنعوا مرسومي وغوروا منابعي وكدروا مشارعي. قال ومما كتبته في كتاب يتضمن شكوى الحال ما حال ما غصبت أملاكه إملاكه ونصبت إشراكه فكتبت إلى المولى الفاضل في فصل يسلم فيه على ولدي القاضي الولد مقبل العين ويحييه إلى أن تصل القبل إلى اليدين والى أن يسر والده إذا هما في الفضل ثاني اثنتين وما أحسن قول سيدنا غصبت أملاكه ونصبت إشراكه إشراكه واستحسنت ازدواج هاتين الكلمتين ووقعتا مني بموقع بمشاركتي له في المكروهين قال وتمام هذا الفصل من الكتاب الفاضلي وقد شرح من أحواله واعتزاله وصبره واحتماله وتلطفه في تجويز الوقت واحتياله وشكره لقوم لا على إيصال ما لهم إليه ولكن على إيصاله إلى ماله ما ذكرني بابن حيوس وقد مطله صاحب دار الوكالة ببيع بضاعة له.
مضى الكرماء صانوا ماء وجهي بجود لا برفق بالسؤال
وما أنا بعد هم في الناس أبغى كريمًا يشتري حمدي بمالي
قال ومما كتبته إلى الأجل الفاضل في شكوى قصيدة منها:
دمشق تقصد عظمي بعرقه أي عرقه
إخفاقه لرجائي فيها وللقلب خفقه
أقمت فيها وحيدًا كالدر ضمته حقه