فيها وقعة اجنادين بالنون بعد الجيم بقرب الرملة واستشهد يومئذ جماعة من الصحابة، ثم كان النصر والحمد لله تعالى وكان قد بعث الصديق فيها البعوث إلى الشام، وأمرعلى الجيش جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمه وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل ابن حسنة، وبعث إلى العراق خالد بن الوليد فافتتح الأبلة، أغار على السواد، وحاصر عين التمر، وأرى الفرس ذلًا وهوانًا ثم خرق البرية إلى الشام واجتمع بجيوش المسلمين هنالك.
وفيا توفي ذو المجد والفخار علم المهاجرين والأنصار والسابق بالفضل والتصديق الخليفة المقدم أبو بكر الصديق عبد الله وقيلعتيق بن أني قحافة عثمان بن عامر التيمي القرشي رضوان الله تعالى عليهما في جمادى الآخرة عن ثلاث وستين سنة، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، أن يكفن في ثوبيه، وقال: انما هما للبلى، والحي أولى بالجديد.
فصلى عليه عمر بن الخطاب ﵁، ودفن في حجرة ابنته عائشة مع رسول الله ﵌. وإلى قربه من رسول الله ﵌ ومصاحبته له حيًا وميتًا. وإلى قوله ﵌: " لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا ". وإلى رده المرتدين عن دين الإسلام وقيامه في ذلك أحسن القيام أشرت بقولي في بعض القصيدات هذه الأبيات.
مقام نبي قام يوم ارتداد عن الإسلام والسيف أشهرا
إلى أن أطاعوه والإسلام رده إلى طيه من بعد ما قد تنشرا
فوالله لو كان النبي مخالبلًا خليلًا سوى الرب الذي خلقه برا
لكان أبو بكر خليلًا وسالقًا بخلته كلًا يمينًا بلا افترا
[ ٥٧ ]
خليفته المرضي خير خليفة وصاحبه في الغار حيًا وفي الثرى
وأشرت إلى ذلك أيضا في أخرى بقولي.
شيخ الوقار وثاني الغار شاهده في مجده القبة الحسناء والغار
مقدم الفضل والعليا له شرف في ذكر كتب أعداء له عار
وانجلى له مسفرات عن محاسنها بيض العلى عاليات الحسن أبكار
على أبي بكر الصديق فائحة من نشر علياه آصال وأبكار
وأشرت إلى ذلك أيضا في أخرى بقولي.
له مفخر في الغارحيًا ومفخر له في الثرى في مضجع خير مضجع
أضاءت به ظلمًا دياجي ارتدادهم رجوعًا إلى دين الهدى خير مرجع
وكم مفخر كم من مناقب كم علا وكم سؤدد في فضله المتنوع
فصديقهم ذو المجد سابقهم إلى علا كل فضل نافيًا كل مبدع
وقد اقتصرت فيه على أربعة أبيات من كل واحدة من هذه القصائد المذكورات، وفيه يقول حسان رضي الله تعالى عنه.
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها إلا النبي وأوفاها بما حملا
الثاني الثاني المحمود مشهده وأول الناس حقًا صدق الرسلا
ومناقبه مشهورة غير محصورة. ومن مناقبه رضي الله عه: قول النبي ﵌ " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " أي ثالثهما بالنظر والمعونة والتسديد والرعاية، وقول ﵌: " إن الله قد بعثني فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ " فما أوذي بعدها الحديث.
قلت هذا نهاية المدح لأبي بكر ﵁، في صدق إيمانه وكمال يقينه، فإنه ﵌ أخبر في هذا الحديث: انهم كذبوه في وجهه، وصدقه أبو بكر في غيبته، وهنا أبلغ ما يكون في التصديق والتكذيب، فإن الإنسان قد يصدق في الوجه ولا يصدق في الغيبة، ويكذب في الغيبة ولا يكذب في الوجه، وهذا واضح لمن تأمله، وهذا مما ظفرت إذ لا أعرف أحدًا من العلماء ذكره. وقوله ﵌ لما قيل له: من أحب الناس إليك؟ قال: " عائشة ". قيل: ومن الرجال؟ قال: " أبوها ".
[ ٥٨ ]
وقوله ﵌ له: " وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر "، لما ذكر أبواب الجنة الثمانية، من يدخل منها فقال أبو بكر هل يدعى منها كلها أحد؟. وقوله ﵌: " لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر ". وقوله ﵌: " يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر ". وقوله ﵌: " لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلأ ". وقول ابن عمر ﵄: نخير بين الناس في زمان رسول الله ﵌، فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. كل هذه الأحاديث مروية في الصحاح. وفى صحيح مسلم قال رسول الله ﵌: " من أصبح منكم اليوم صائمأ؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من عاد منكم اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: انا قال رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم: " ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة ". قال بعض العلماء: معناه دخل الجنة بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال إلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله تعالى. وقوله ﵌ فيما رواه الترمذي " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدأ يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال رجل ما نفعني مال أبي بكر، وما عرضت الإسلام على أحد إلا كان له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم ". الحديث. ومن مناقبه أيضًا: مجيئه إلى النبي ﵌ بماله كله، وقوله الله ورسوله لما قال له رسول الله ﵌: " ما تركت لأهلك " وغير ذلك مما يطول ذكره بل تعذر حصره. وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول رسول الله ﵌ يقول: " بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، فالتفت الذئب إليه فقال: من لها يوم السبع يوم لبس لها راع غيري، وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفت إليه فقالت: اني لم أخلق لهذا، لكنني إنما خلقت للحرث " فقال الناس: سبحان الله أبقرة تتكلم، قال النبي ﵌: " فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر " وروينا في صحيح مسلم بتقديم قصه البقرة على قصة الشاة. قلت: وناهيك بهذا فضلًا وشرفًا لهما شهادته بالإيمان الكامل. مع كونهما أنهما كانا غائبين
[ ٥٩ ]
عن ذلك المجلس، كما في الحديث. قال العلماء: انما قال ﵌ ذلك لصدق إيمانهما: هما وقوة يقينهما، وفي ذلك لهما فضل ظاهر، وما ورد من قوله ﵌: " ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة، ولا صوم ولكن بشيء وقر في صدره " وما جاء أنه كان إذا تنفس يشم منه رائحة الكبد المشوية. واختلف في تسميته عتيقًا، فقيل لقوله ﵌: " من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر ". وقيل لجمال وجهه، وهو في نسبه يجتمع مع رسول الله ﵌ في مرة بن كعب، وهو في العدد مثله بين كل واحد منهما وبين مرة ستة أباء، لأنه أبو بكر بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وأمه سلمى وهي أم الخير بنت صخر بن عامر بن عمرو التيمية. ولد ﵁ بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أيامًا وهو أول من أسلم من الرجال ﵁، وكان خلافته سنتين وأشهرًا، وولي الخلافة بعده عمر بن الخطاب باستخلافه له، فرضي المسلمون بذلك، ولم يختلف عليه اثنان. وفي السنة المذكورة توفي أمير مكة عتاب بن أسيد الأموي، واستعمله النبي ﵌ على مكة حين خروجه إلى حنين، فأقام للناس الحج تلك السنة.