فيها غزوة مؤتة في جمادى الأولى، فاستشهد الأمراء الثلاثة الأجلة السادة زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله ﵌، ومن فضائله تقديم النبي ﵌ في الإمارة. على الأمراء، وقوله ﵌: " وإن كان خليقأ للأمرة " أي حقيقًا بها، وكان قد أسرته العرب، وهو صبي، فجلب إلى المدينة. فسمع به قرابته، فقدم منهم جماعة لأجله وفيهم أبوه وعمه، فوجدوه قد ملكه النبي صلى الله عليه
[ ١٤ ]
وآله وسلم، وأعتقه، فكلموه ﵌ فيه، فجعل ﵌ الخيرة إلى زيد أن اختار قومه أرسله معهم وإن اختار النبي ﵌ أقام معه، فرغبه أهله إلى أن يختارهم، فأبى، واختار النبي ﵌ للسعادة السابقة، وكان ﵌ يحبه، وفيه نزل " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه " الأحزاب قيل أنعم الله تعالى عليه بالإيمان، وأنعمت عليه بالعتق والإحسان. وزوجة رسول الله ﵌ زينب بنت جحش، فأقامت عنده. إلى أن فارقها لما فهم أن لرسول الله ﵌ فيها رغبة موثرًا بها رسول الله ﵌ على نفسه، فزوجها الله تعالى عند ذلك رسول الله ﵌، كما أخبر سبحانه بقوله " فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكما " عوضها الله تعالى أشرف الخلق وأكرمهم ﵌، لما انقادت وأطاعت في زواج زيد بعد أن كانت قد كرهته هي وأخوها لكونه مولى، فلما أنزل الله ﷿ في ذلك: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " الآية إذعنًا وأطاعا واستسلما لحكم الله تعالى فأعقبها ذلك السعادة الكبرى في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبد البر: كان قد سبي في الجاهلية، وهو غلام، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﵌ تبناه ﵌ بمكة قبل النبوة، فهو ابن ثمان سنين، فقال أبوه حارثة حين فقده. أشعارًا:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي يرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلًا أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ويعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه وما وجل
سأعمل نضر العيش في الأرض جاهدًا ولا أسأم التطواف أوتشأم الأبل
حياتي أو تأتي علي منيتي وكل امرء فان وإن غره الأمل
فحج بعد ذلك ناس من كلب فرأوا زيدًا، فعرفهم، وعرفوه، فقال لهم أبلغوا أهلي الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فأنشد أشعارًا:
أحن إلى قومي وإن كنت نائيًا فإني قعيد البيت عند المشاعر
[ ١٥ ]
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ولا تعلموا في الأرض نض الأباعر
فإني بحمد الله في خيرأسرة كرام معد كابن بعد كابن
فانطلق الكلبيون وأعلموا أباه فخرج أبوه وعمه لفدائه، وقدما مكة واليًا النبي صلى اله عليه وآله وسلم، وقالا له: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله. وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، قال: " من هو؟ " قالوا: زيد بن حارثة، فقال ﵌: " فهلا غير ذلك " قالوا: وما هو؟ قال: " ادعوه فأخبره فإن اختاركم، فهو لكم وإن اختارني، فو الله ما أنا بالذي اختارعلى من اختارني أحدًا " قالوا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت، فدعاه النبي ﵌، وخيره، فقال: ما أنا بالذي اختار عليك أحدًا أنت مني مكان الأب والعم، فقالوا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وأهل بيتك؟ قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا، فلما رأى النبي ﵌ ذلك، أدخله الحجر، وقال: " يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه " فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فادعي يومئذ زيد بن محمد. وذكر معمر في جامعه عن الزهري، قال: ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة قال عبد الرزاق، وما أعلم أحدًا ذكر هذا غير الزهري، وقد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة، وشهد زيد بدرًا، وزوجه ﵌ مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وكان يقال له: حب رسول الله ﵌، وكذا يقال: لزيد، ثم زوجه ﵌ زينب على ما تقدم والله أعلم. ثم استشهد بعده جعفربن أبي طالب، وهو ابن إحدى وأربعين سنة. ومن فضائله ارسال النبي ﵌ له أميرًا، وحصول الهجرتين له ولأصحابه، وصدقه بين يدي النجاشي في أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه عبد الله ورسوله مع اتخاذ النصارى له إلهًا وقتلهم من يصفه بكونه عبدًا، واسهامه ﵌ ولأصحابه يوم خيبر، ولم يكونوا شهدوا الوقعة، وشدة شفقته على المساكين وبره لهم كما ورد في الحديث. قلت: هذا ما لخصته من أقوال العلماء، وكان يشبه النبي ﵌ في
[ ١٦ ]
خلقه وخلقه، وكان أكبر من علي بعشر سنوات، وعقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وطالب أكبر من عقيل بعشر سنين أيضًا، " ولما قتل عوضه الله بقطع يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء " رواه الزبير بن بكار في تاريخه عن رسول الله ﵌، ورواه ابن أبي شيبة. ثم استشهد بعدهما عبد الله بن رواحة الخزرجي ومن فضائله أنه أحد النقباء ليلة العقبة وإن النبي ﵌ جعله أميرًا بعد جعفر ومنها قوة إيمانه ومن ذلك قوله شعرًا.
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إذ لاقينا
إن الأعادي قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
وقوله:
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أتانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
ثم أخذ الراية خالد بن الوليد المخزومي لما أصيب الأمراء الثلاثة المذكورون من غير إمرة فاستظهر على المشركين، وتحيز بالمسلمين. وهي أول مشاهده في الإسلام قلت وفي قول النبي ﷺ: " ثم أخذها سيف من سيوف الله " مدح عظيم، وفخر وتنويه إلى آخر الدهر. وفي السنة المذكورة فتح مكة في رمضان، وغزوة حنين في شوال، ثم حصار الطائف ونصب المنجنيق عليها، ثم رحل المسلمون عنها وأسلم أهلها في العام القابل، وفيها غزوات ذات السلاسل وغلاء السعر فقالوا سعر لنا يا رسول الله فاعلمهم أن الله تعالى هو المسعر، وهو القابض والباسط. وفيها ولد ابراهيم ابن رسول الله ﷺ، وتوفيت ابنته زينب، وهي أكبر أولاده ﷺ.
[ ١٧ ]