وما جرى بينهم وبين علي رضي الله تعالى عنه ذكر بعض أهل التواريخ أنهم لما استقروا في حروراء وهم في ستة آلاف مقاتل، وقيل ثمانية آلاف،، مضى إليهم علي بنفسه وخطبهم متوكئًا على قوسه، وقال هذا يوم من فلح فيه يعني من ظهرت حجته فلح يوم القيامة، انشدكم الله هل تعلمون أن لا أحد أكره مني للحكومة، قالوا: اللهم نعم: قال: فهل علمتم أنكم أكرهتموني عليها؟ قالوا: اللهم نعم: قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: اتينا ذنبًا عظيمًا، فتبنا إلى الله تعالى منه، فتب أنت إليه منه واستغفر نعد إليك، قال: فإني أستغف الله من كل ذنب فرجعوا معه، فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليًا رجع عن التحكيم، وتاب منه، ورآه ضلالًا، فأتاه الأشعث بن قيس، وقال له: يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك، قد رأيت الحكومة ضلالًا والإقامة عليها كفرًا، وأنك قد بدا لك، ورجعت عنها، فخطب الناس وقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالًا فهو أضل منها، فلما سمعت الخوارج منه هذا خرجت من المسجد، فقيل إنهم خارجون، فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فوجه إليهم عبد الله بن عباس ﵄، فلما أتاهم رحبوا به وأكرموه، وقالوا ما جاء بك يا ابن عباس؟ قال: جئتكم من عند صهر رسول الله ﵌ وابن عمه، وأعلمنا بربه وسنة نبيه، ومن عند المهاجرين والأنصار. قالوا: يا ابن عباس إنا أتينا ذنبًا عظيمًا حين حكمنا الرجال في دين الله تعالى، فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا إليه، فقال لهم ابن عباس: انشدكم الله إلا ما صدقتم، اما علمتم أن الله تعالى أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم يصاد في الحرم؟ فقال عز من قائل: " يحكم به ذو عدل منكم هديًا بالغ الكعبة ". - المائدة: ٩٥ - وكذا في شقاق رجل امرأته بقوله تعالى: " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما " - النساء: ٣٥ - فقالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله ﵌ أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين قريش في الحديبية؟ قالوا اللهم نعم ولكن عليًا سما نفسه عن الخلافة بالتحكيم. قال ابن عباس: ليس ذلك يزيلها عنه، فإن رسول الله ﵌ محا اسم النبوة يوم الصحيفة، فلم يزل ذلك عنه اسم النبوة، حيث قال لعلي: " اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﵌، فقال المشركون: لو علمنا أنك رسول الله
[ ٩٤ ]
لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمر عليًا أن يمحوها، فقال غلي: والله لا أمحوها فقال رسول الله ﵌: " أرني مكانها "، فأراه مكانها، فمحاها، وكتب: ابن عبد الله فلما سمع الخوارج منه ذلك رجع منهم ألفان، وبقي أربعة آلاف أو ستة على الخلاف فأجمع رأيهم على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه وخرج بهم إلى النهروان، فتبعهم علي ﵁، فأوقع بهم فقتل منهم ألفين وثمان مائة رجل. ومنهم ذو الثدية الذي ذكره رسول الله ﵌ علامة على الفرقة التي تمرق مروق السهم من الرمية بعد أن قال لهم علي ﵁: ارجعوا أو ادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب قالوا: كلنا قتله وشرك في دمه: وذلك أنهم لما خرجوا إلى النهروان لقوا مسلمًاونصرانيًا فقتلوا المسلم وأطلقوا النصراني، وأوصوا به خيرًا، وقالوا احفظوا وصية نبيكم ﵌، ثم لقوا بعده عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول ﵌ أعني خبابًا وفي عنقه المصحف ومعه جاريته وهي حامل، قالوا: ان هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك فقال: احيوا ما أحيا القرآن وأميتوا ما أمات القرآن. قلت. يعني أحيوا ما حكم القرآن بإحيائه وأميتوا ما حكم بإماتته فقالوا حدثنا عن أبيك قال لهم نعم حدثني أبي قال سمعت رسول الله ﵌ يقول تكون فتنة بموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرًا، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وفي عثمان قبل الحديث؟ فأثنى خيرًا أيضًا قالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: اقول: ان عليًا أعلم بالله منكم وأشد توقيًا على دينه، قالوا: انك لست بمتبع الهدى، فأخذوه وقربوه إلى شاطىء النهر، فذبحوه فاندفق دمه على الماء يجري مستقيمًا، وقتلوا جاريته رحمة الله عليهما، وكانت خلافة علي في الظاهر كلها خلاف وكدر، وخلافة عمر على عكس ذلك كلها اتفاق وصفاء، وأول خلافة أبي بكر كدر وآخرها صفاء، وعلى عكس ذلك خلافة عثمان أولها صفاء وآخرها كدر على ما جرى به القلم وسبق به القدر. ومن الأجوبة المعجبة المقحمة ما روي أنه قيل لعلي ﵁: ما بال خلافة أبي بكر وعمر كانت صافية وخلافتك أنت وعثمان منكدرة؟ فقال: ﵁ للسائل: لأني كنت أنا وعثمان من أعوان أبي بكر وعمر، وكنت أنت وأمثالك من أعوان عثمان وأعواني. ومنها أنه لما قال له بعض اليهود: ما أتي عليكم يا معشر المسلمين بعد موت نبيكم، إلا كذا وكذا من زمان ذكره، حتى علا بعضكم بالسيف رأس بعض. قال له علي رضي الله
[ ٩٥ ]
عنه: فإنكم ما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم معشر اليهود يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. ثم بعد وفاة علي بويع لابنه الحسن ﵄، وتمت بخلافته ثلاثون سنة، وتحقق ما أشار إليه النبي ﵌: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا " الحديث.