يسير مما ورد من محاسن خلقه ﵌
اعلم إنه ما يهتدي أحد من خلق الله ﷿، إلى معرفة ما حوى خلقه الحسن من المحاسن الكريمة، وجميل الأخلاق الكاملة العظيمة وقد أجمل الله تعالى من وصفه في محكم تنزيله ما لا تتسع الدفاتر لتفصيله. فقال في الذكر الحكيم: " وإنك لعلى خلق عظيم " فأعظم بما وصفه العظيم بكونه عظيمًا. فإنه لا يهتدي الخلق إلى إدراك كنه ذلك العظيم، تفصيلًا لمجموع محاسنه، وتعميمًا. ولكني أذكر شيئًا مما ورد في ذلك من الأخبار بحسب التبرك والتذكار. روينا في الكتاب المذكور عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﵌ عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لما تركته. وكان ﵌ من أحسن الناس خلقًا، ولا مسست خزًا قط، ولا حريرًا ولا شيئًا ألين من كف رسول الله ﵌، ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله ﵌، كان رسول الله ﵌ لا يكاد يواجه أحدًا بشيء يكرهه، وكان عنده رجل به أثر صفرة، فلما قام قال ﵌ للقوم: " لو قلتم له يدع هذه الصفرة ". وروينا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يكن رسول الله ﵌ فاحشًا، ولا متفحشًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، لكن يعفو ويصفح.
[ ٢٦ ]
وعنها أيضًا قالت: ما ضرب رسول الله ﵌ بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادمًا ولا امرأة. وعنها قالت: ما رأيت رسول الله ﵌ منتصرًا لنفسه من مظلمة ظلمها قط، ما لم ينتهك من محارم الله شيء فإذا انتهك من محارم الله شيء، كان أشدهم في ذلك غضبًا. وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وعنها قالت: استأذن رجلًا على رسول الله ﵌ وأنا عنده فقال بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له، فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول فقال: " يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه ". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال لي رسول الله ﵌: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع الحديث " وأوله قالت: جلست إحدى عشرة امرأة. تعاهدن وتعاقدن، أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا، ثم ذكرت ما قالت: كل واحدة منهن في حديث طويل، ذكره البخاري رضي الله تعالى عنه. وفي آخره قالت الحادية عشر زوجي أبو زرع، وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، ويجحني فبجحت إلى نفسي الحديث. قال في آخره: لما ذكرت ما أعطاها زوجها الثاني، بقولها: وأعطاني من كل رائحة زوجًا، وقال كلي أم زرع، وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغرآنية أبي زرع. قالت عائشة فقال رسول الله ﵌ كنت لك كأبي زرع لأم زرع. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ما سئل رسول الله ﵌ شيئًا قط فقال لا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﵌ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حتى ينسلخ فيأتيه جبرائيل ﵇، فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه جبرائيل، كان ﵌ أجود بالخير من الريح المرسلة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﵌، فسأله أن يعطيه، فقال ﵌: ما عندي شيء، ولكن اتبع
[ ٢٧ ]
علي، فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله، قد أعطيته، فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، وكره ﵌ قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله انفق ولا تخش من ذي العرش إقلالًا، فتبسم رسول الله ﵌، وعرف البشر في وجهه لقول الأنصاري، ثم قال بهذا أمرت. وعن الربيع بنت معوذ ابن عفراء رضي الله تعالى عنهما، قالت: اتيت النبي ﵌ بقناع من رطب، وأجر زغب فأعطاني ملء كفيه حليًا وذهبًا. وفي رواية. وعليه أجر من قثاء زغب، وكان النبي ﵌ يحب القثاء، فأتيت بها، وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين، فملأ يده منها وأعطانيه. وعن علي ﵁ قال: كان النبي ﵌ دائم البشر سهل
الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده انصتوا له، حتى يفرغ حديثهم عنده، حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: " إذا رأيتم صاحب حاجة يطلبها فارقدوه " ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء، لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام. ن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده انصتوا له، حتى يفرغ حديثهم عنده، حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: " إذا رأيتم صاحب حاجة يطلبها فارقدوه " ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء، لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام.