في ربيع الآخر منها سار أمير المؤمنين الحسن بن علي في جيوشه، وسار معاوية في جيوشه، يقصد كل منهما صاحبه للقتال، فالتقوا في ناحية الأنبار فوفق الله تعالى الحسن لحقن الدماء. والتحقيق بما أشار إليه جده المطلع على الأنباء ﵌: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". فصالح معاوية، فأخرج نفسه عن أمر الخلافة بعد أن شرط عليه شروطًا، وبرز بين الصفين، وقال: اني قد اخترت ما عند الله وتركت هذا الأمر لك، فإن كان لي فقد تركته لله، وإن كان لك فما ينبغي لي أن أنازعك، فكبر الناس واختلطوا في تلك الساعة وسميت تلك السنة سنة الجماعة. فقيل له: يا مذل المؤمنين فقال: بل أنا معز المؤمنين. هكذا نقل بعض أهل العالم. وروينا في صحيح البخاري عن الحسن البصري قال: سمعت أبا موسى يقول: استقبل والله الحسن بن علي إلى معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: اني لأرى كتائب لا تتولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية: وكان والله خير الرجلين، اي عمر وإن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم؟ من لي بضعفتهم؟ فبعث معاوية رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الله بن سمرة وعبد الله بن عامر، فقال: اذهبوا إلى هذا الرجل فاعرضوا عليه، وقولا له واطلبا إليه، فأتيا فدخلا عليه وتكلما، فقالا له وتطلبا إليه فقال الحسن بن علي: انا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئًا إلا قالا نحن لك به فصالحه. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﵌ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس تارة وعليه أخرى، ويقول: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". قلت فهذا الحديث الصحيح كما نرى. ورووا في التواريخ: ان أهل العراق بايعوا الحسن، وسار بهم نحو الشام وجعل على مقدمته قيس بن
[ ٩٦ ]
سعد، وأقبل معاوية حتى نزل منبج، فبينما الحسن بالمداين إذ نادى مناد في عسكره: قتل قيس بن سعد، فشد الناس على خيمة الحسن فنهبوها، وطعنه رجل بخنجر، فتحول إلقصر الأبيض وسبهم وقال: لا خير فيكم قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا. ثم ذكروا أمورأ أخرى في الصلح رأيت حذفها أصلح ومن إثباتها أملح.
وفي السنة المذكورة توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر. وقيل توفيت سنه خمس وأربعين. وصفوان بن أمية الجمحي، وكان قد شهد اليرموك أميرًا وله رواية في صحيح مسلم. فهو من أشراف قريش وأعيانهم قيل ملك قنطارًا من الذهب.
وقيل توفي فيها لبيد بن ربيعة العامري الشاعر المشهور الذي قال النبي ﵌ " أصلق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد ألاكل شيء ما خلا الله باطل "، وفد على النبي ﵌ وحسن إسلامه. وقيل: مات في إمرة عثمان بالكوفة ابن مائة وخمسين سنة.