فيها توفي العباس عم رسول الله ﵌ ابن ست وثمانين سنة ومن مناقبه من عقبه جميع الخلفاء المعروفين ببني العباس، وأن عمر رضي الله تعالى عنه استسقى به في خلافته بكونه عم النبي ﵌ فسقوا. وكان يوم حنين هو وابن أخيه أبو سفيان بن الحارث، احدهما آخذ بلجام بغلة النبي ﵌، والآخر آخذ بركابها لما انهزم المسلمون إلا جماعة منهم، فأمره النبي ﵌ أن يبادي بأصحاب الشجرة ثم بالأنصار، فردوا لما عرفوا صوته وكان صيتًا ينادي من جبل صلع غلمانه وهم في الغابة من آخر الليل، فيسمعهم، ومسافة ذلك قدر ثمانية أميال. وتوفي في السنة المذكورة عبد الرحمن بن عوف الزهري، احد العشرة المشهود لهم بالجنة، وصنائعه معروفة، وسعة غنائه بالمكارم محفوفة منها أنه باع مرة أرضًا بأربعين ألف دينار، فتصدق بها، ومنها ما ورد أنه تصدق بعير له كبيرة أقبلت من الشام، وبما عليها من أنواع البضائع. قلت وذكر الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني في كتاب المقتبس قال: قتل عبيد الله بن معمر التيمي لأربعين سنة برستاق من رساتيق اصطخر في زمن عثمان بن عفان، ولم يبين في أي سنة، وقال اشترى عبيد الله بن معمر جارية فارهة بعشرين ألف دينار، كانت تسمى الكاملة في عمل الغناء وجودة الضرب ومعرفة الألحان والقرآن والشعر والكتابة وفنون الطبيخ والعطر، وكانت عند فتى قد أدبها لنفسه، وكان بها معجبًا وواجدًا بها وجدًا شديدًا، فلم يزل ينفق عليها حتى أتلف واحتاج، فحمل يسأل اخوانه. قلت ذلك حينًا، وهو في نكد وضيق شديد في معيشتهما، فقالت الجارية والله إني لأرى لك، وأشفق عليك، وأرغب بك، عن ما أنت فيه، ولو أنك بعتني، نلت غنى الدهر ولعل الله أن يصنع لنا جميلًا، فحملها إلى عبيدة الله بن معمر فأعجبته، فاشتراها بالثمن المذكور، فلما قبض الفتى المال، استشعر كل واحد منهما إلى صاحبه فأنشدت.
هنيئًا لك المال الذي قد حويته ولم يبق في كفي إلا تفكري
أقول لنفسي وهي في عين كربة أقلي فقد بان الحبيب أو اكثري
[ ٧٣ ]
إذا لم يكن للمرء عندك حيلة ولم تجد شيئًا سوى الصبر فاصبر
فقال الفتى:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أبوء بحزن من فراقك موجع أناجي به قلبًا طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال عبيد الله ورق لهما خذ بيدها، وانصرفا راشدين، والمال الذي نقدته في ثمنها أنفقه عليها، والله لا أخذت منه درهمًا، او قال شيئًا قال ومات ابنه عمر بالشام في موضع يقال له ضمير بضم الضاد المعجمة، قيل الراء مثناة، رثاه الفرزدق بأبيات أولها.
يا أيها الناس لا تبكوا على أحد بعد الذي بضمير وافق القدرا
كانت يداه لكم سيفًا يعاذ به من العدو وغيثًا ينبت الشجرا
أتى قريش أبو حفص فقد رزيت بالشام أو فارقتك الناس والظفرا
وفي السنة المذكورة توفي مقر الفضائل والسعود عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ ومن مناقبه ﵁ قول النبي ﵌: " خذوا القرآن عن أربعة وذكر منهم ابن مسعود ". ومنها أنه كان هو وأمه من رآهما حسب أنهما من أهل بيت رسول الله ﵌ من كثرة دخولهما ولزومهما له، ومنها إنه كان عالمًا بكتاب الله، قال ولقد علم أصحاب رسول الله ﵌ إني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه. قال الراوي: فجلست في حلق أصحاب رسول الله ﵌ فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه ولا يعيبه.
قال العلماء وفي هذا دليل بجواز ذكر الإنسان بنفسه بالفضيلة والعلم ونحوه للحاجة، ومناقبه كثيرة شهيرة وهو الذي جز رأس أبي جهل يوم بدر بعد ما أثخنته الجراح من الأنصاريين، ولم يبق فيه إلا الرمق. وروي أن أبا جهل قال لما أراد أن يجز رأسه: لقد رقيت مرقى صعبًا يا رويغى الغنم وكان ﵁ مفتيًا مرجوعًا إليه في المشكلات، بالاتفاق بين علماء الحجاز والشام والعراق، وهو الذي أشار إليه بعض الصحابة: لا تسألوني عن شيء، ما دام هذا الحبر بين أظهركم.
وفي السنة المذكورة توفي أبو الدرداء عويمر بن زيد وقيل ابن عبيد الله الأنصاري
[ ٧٤ ]
الخزرجي، أسلم بعد بدر، وكان حكيم هذه الأمة، ولي قضاء دمشق، وفضائله معروفة ومحاسنه موصوفة، وكان سلمان مواخيًا له، وكان يغذ له فيما هو فيه من شدة المجاهدة، وهو القائل لامرأته أم الدرداء لما قالت له ما عندنا شيء يعني من النفقة: يا هذه إن بين أيدينا عقبة كؤدا لا يجوزها إلا المحققون. ولما دخل بيتهم رآها متبذلة، قال لها: ما شأنك؟ قالت: ان أخاك ليس له حاجة في الدنيا. فوعظه وقال إن لربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، واضيفك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، فاعط كل ذي حق حقه. وفيها توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري الذي عند انتهاك المحارم لا تأخذه في الله لومة لائم وفضائله كثيرة، منها تقدم إسلامه وما تحمل فيه من الشدائد عند إعلانه بالصدق بين ظهراني في كل كفور من قريش معايذًا، ما لاقى في ضمن ذلك من المحن، وتغذيه بماء زمزم حتى ظهر فيه السمن. وتوفي أبو سفيان بن حرب على خلاف فيه تقدم، وعبد الله بن يزيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذن وكان بدريًا.