فيها توفي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵁ شهيدأ، طعنه غلام المغيوة بن شعبة في صلاة الصبح لليالي بقين من ذي الحجة. ومن مناقبه: قول رسول الله ﵌: " بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر قالوا لعمر " الحديث أخرجه البخاري. وقوله ﵌: " بينما أنا نائم إذ رأيت قدحًا أوتيت به وفيه لبن فشربت منه حتى انظر إلى الري يجري في ظفري ". او قال في أظفاري " ثم ناولت عمر " قالوا فما أولت؟ قال: " المعلم ". رواه مسلم. وفي رواية الترمذي قال رسول الله ﵌: " رأيت كأني أتيت بقدح لبن فشربت منه فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب "
[ ٦٧ ]
وقوله ﵌: " بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره " قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: " الدين ". رويناه في الصحيحين وفي رواية مسلم يجره. وقوله ﵌: " إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك " رواه البخاري. وقوله ﵌ " لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ". رويناه في الصحيحين واللفظ للبخاري.
وقوله ﵌ وقد رجف بهم أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان: " اثبت فما عليك إلا نبي أوصديق أو شهيد ". وفي حديث آخر " أو شهيدان " رواه البخاري. وقوله ﵌: " رأيت في المنام أني أنزع بدلو وبكرة على قليبة "، وذكر أبا بكر إلى أن قال: " ثم جاء عمر " فاستحالت غربًا فلم أرعبقريًا يفري فرية حتى روى الناس وضربوا بعطن. وقوله ﵌ في كلام السبع: " فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر " كما تقدم. وقول علي ﵁ لما توفي عمر: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت أظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت كثيرًا أسمع النبي ﵌ يقول: " ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر " رواه البخاري وفي الترمذي قال ﵌ لأبي بكر وعمر: " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين ". وروى أبو داود والترمذي أن النبي ﵌ قال: " إن أهل الدرجات العلى ليتراءون من تحتهم كما تراؤون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". ومما جاء في فضل عمر أيضًا ما كشف له عند قوله يا سارية الجبل. والحديث المشهور أنه سراج أهل الجنة. وقول عمر ﵁ في الحديث الصحيح: وافقت ربي في ثلاث في مقام ابراهيم، وفي الحجاب، وفي أسرى بدر، قلت: وقد وافق القرآن أيضًا في ثلاث أخرى مذكورة بنصوص أخرى: وهي عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا
[ ٦٨ ]
منكن. وفي منع الصلاة على المنافقين، وفي تحريم الخمر، وبشره رسول الله ﵌ بالجنة، وكذا بشر أبا بكر وعثمان يوم بيراريس، شهد له النبي ﵌ أن الله تعالى جعل الحق على لسانه وقلبه.
وروي أنه قال ﵌: " لو كان نبيًا بعدي لكان عمر ". وقال في وصف أمته ﵌: " وأشدهم في الله عمر ". وكانت أيامه باهجة زاهرة وسيرته الحسناء محمودة فاخرة، والعناية مؤيدة له ناضرة، وتوفي وعمره ثلاث وستون سنة، وقيل خمس وخمسون، وخلافته عشر سنين وسبعة أشهر وخمس ليال، وقيل غير ذلك ودفن مع صاحبيه في حجرة عائشة ﵂، بعد أن استأذنها في حياته، وأوصى أن يستأذن أيضًا بعد موته، فأذنت وهو في نسبه يجتمع مع النبي ﵌ في كعب بن لؤي، بينه وبين النبي ﵌ سبعة آباء، وبينه وبين عمر ثماني آباء، لأنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي. وقد روي عن بعض السلف الأخيار وهو سليمان بن يسار ﵀ أنه قال: ناحت الجن على عمر ﵁.
عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق
قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها بوائق في أكمامها لم تفتق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت له الأرض يهتز العصاة بأسوق
وفضائله أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وسيرته أحسن من أن تمدح وتشهر، وإلى شيء من فضائله أشرت بقولي:
وفاروقهم ما في الطغا منه بالوغا لقيصر إرعاد وكسرى وتبع
ومن عجب أن الملوك تهابه ويخشاه ناء في قميص مرقع
أبى عن لذيذ العيش محدث منزل وعش، نداه مخصحب كل مرتع
سراج جنان الخلد محمود سيرة نطوق بحق خائف متورع
وقولي في أخرى.
أقام شعار الدين أعلى منارة على همة فيه وجل وشمرا
له سيرة محمودة فيه هيبة ومن مهجة الشيطان يبعد مدبرا
إذا قال قولًا وافق هيبة نطوق بحق ليس في ذاك امترا
[ ٦٩ ]
لسان هدى لا يخشى لومة لائم إدا لامه في الله أو فيه عيرا
وقولي في أخرى.
ومظهر الدين في أعزازه عمر مذلل الكفر قد هابته كفار
سراج جنات عدن منه باهجة رياضها الغربا لأنوار زهار
ولما حضرته الوفاة، قيل له: الا تستخلف؟ قال: لا أتحملها حيًا وميتًا فروجع في ذلك، فقال: الخليفة بعدي أحد هؤلاء الستة. وذكر عثمان وعليًا وطلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف، جعل الأمر شورى بينهم، فتشاوروا، ثم أمضى الأمر إلى عثمان ﵃ أجمعين. وفي السنة المذكورة توفي قتادة بن النعمان الظفري الذي وقعت عينه يوم أحد فردها النبي ﵌ إلى مكانها، فكانت أحسن عينيه، وفي ذلك يقول ابنه: لما سأله بعض الخلفاء من بني أمية من أنت.
أنا ابن الذي سألت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد
وكان قتادة المذكور بدريًا نزل في قبره عمر ﵄.