وفيها وقعة صفين بين جيش على العراقيين، وجيش معاوية الشاميين، في شهر صفر. وقال الإمام أحمد في تاريخه في شهر ربيع الأول، ودامت أيامًا وليالي، وقتل بين الفريقين على ما نقلوا ستون ألفًا. وروي عن ابن سيرين أنهم سبعون ألفًا منهم أبو اليقظان عمار بن ياسر العنسي رضي
[ ٨٣ ]
الله عنه الذي قال له النبي ﷺ: " تقتلك الفئة الباغية " وقتلوه أصحاب معاوية. وفي رواية ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية، وسمية أمه وويح كلمة معناها الترحم، وكان من أهل النجابة في سبيل الله، والصدق في دين الله، بمكانة حفيلة بعثه علي ﵁ ومعه ابنه الحسن ليستغفر أهل الكوفة في حرب يوم الجمل كما تقدم، فاستنفراهم، وقال في خطبته والله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله ﵌ في الدنيا الآّخرة، يعني عائشة ﵂، ولكن الله تعالى ابتلاكم بها ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها، وعاتبه رجلان جليلان ممن توقف عن القتال لما التقى الفريقان في كلام معناه ما رأينا منكم قط شيئًا نكرهه سوى سراعك في هذا الأمر، يعني فى القتال مع علي، او نحو ذلك من المقال. وهذا مما يدل على أن المسلمين اختلف علمهم في ذلك، فالموافقون منهم اتضح لهم الحق مع علي فبايعوه، ومنهم من توهم أن الحق مع معاوية فبايعه، ومنهم من أشكال عليه الحال فتوقف، ومن المتوقفين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد ومحمد بن سلمة وآخرون ﵃، وكان عمار ﵁ من السابقين المهاجرين من اليمن إلى رسول الله ﵌، وممن عذب في الله فلم يصده ذلك عن دين الله ومناقبه كثيرة جليلة شهيرة. وقتل مع علي أيضًا ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري ويقال إنه بدري. وأبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن المعروف بابن أبي ليلى. ومن غير الصحابة عبيد الله بن عمر الخطاب ﵁ العدوي، قتل مع معاوية وكان على جيل الشام يومئذ، ولما طعن والده سل سيفه، ووثب على الهرمزان صاحب تستر فقتله. قلت ويحتمل أن ذلك بسبب كون قاتل عمر له به تعلق، والله أعلم. وذكر أهل التواريخ أشياء أخرى في قتال صفين ما لا ينبغي أن يذكر، وقتل مع علي أيضًا: هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال والسيرحال راوية علي يومئذ، ويقال إنه من أصحابه. وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وكان على رجالة علي وأبو حسناء قيس بن المكشوح المرادي. احد الأبطال وأحد من أعان على قتل الأسود العنسي. وجندب بن زهير الغامدي الكوفي، ويقال له صحبة. وقيل وجد في قتلى أصحاب علي ﵁ السيد الجليل العارف بالله الذي ملأ
[ ٨٤ ]
فضله الآفاق، واشتهر دنوه ﵌ بفضله في البدو والحضر الولي الكبير المفضل على سائر التابعين من غير شك فيه ولأمراء بشهادة إمام المرسلين وسيد الورى ﵌: اويس بن عامر اليمني المرادي. ومناقبه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر ويكفيه من ذلك أخبار النبي ﵌ أنه خير التابعين في صحيح مسلم وقد ذكرت شيئًا من فضائله في كتاب روض الرياحين وفيه وفي سائر من سقى شراب المحبة من الساسات قلت هذه الأبيات.
سقى الله قومًا من شراب وداده فهاموا به ما بين باد وحاضر
يظنهم الجهال جنوا وما بهم جنون سوى حب على القوم ظاهر
سكارى عن الأكوان غابوا فما يرى سوى واله فى حب مولاه ذاكر
يناجونه في ظلمة الليل عندما به قد خلوا منهم أويس بن عامر
شهير يماني حوى المجد والعلى لنا فيه عالي الفجرعند التفاخر
وقتل أيضا مع معاوية: حابس الطائي قاضي حمص وكان على رجالة معاوية، وقتل من أمراء معاوية ذو الكلاع الحميري نزيل حمص وهو أحد من شهد اليرموك وكان على ميمنة معاوية وكان من أعظم أصحابه خطر الشرفة ودينه وطلب منه معاوية أن يخطب الناس ويحضهم على القتال. قال الجوهري في الصحاح: ذو الكلاع بالفتح اسم ملك من ملوك اليمن وقال يزيد بن هارون: سمعت الجراح بن المباهل يقول: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف بيت من المسلمين، يعني تحت ملكه، فبعث إليه عمر، فقال: نشتري ونستعين بهم على عدوهم، فقال: لا هم أحرار. فأعتقهم في ساعة واحدة.
قال بعض من له اطلاع على علم الحد يث: الجراح متروك الحد يث وكان جيش معاوية سبعين ألفًا، وجيش علي قيل مائة ألف وقيل تسعين وقيل خمسين ألفًا وذكر الزبير بن بكار أن جيش معاوية كان خمسة وثلاثين ومائة ألف وكان جيش علي عشرين أو ثلاثين ومائة ألف وأنشد في ذلك بعض أصحاب معاوية.
فلو شهدت حمل مقامي ومشهدي بصفين يومًا شاب منه الذوائب
غداة أتى أهل العراق كأنهم من البحر لجج موجه متراكب
[ ٨٥ ]
وجئناهم نمشي كأن صفوفنا شهاب حريق رفعتها الجنائب
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا عليًا فقلنا بل نرى أن تضاربوا
فطارت إلينا بالرماح كماتهم وطرنا إليهم بالأكف قواضب
إذانحن قلنا استهزموا عرضت لنا كتائب منهم وأزحجت كتائب
فلاهم مولون الظهور فيدبروا فرارًا كفعل الجاذرات الذرائب
يعني بالذرايب الضواري: يقال ذرب على الشيء إذا تعوده. قال ابن شهاب فأنشدت عائشة رضي الله تعالى عنها أبياته هذه فقالت ما سمعت شاعرًا أصدق شعرًا منه. قال أهل التاريخ وصح عن أبي وائل عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه قال رأيت كأن قبابا في رياض، فقيل هذه لعمار بن ياسر وأصحابه، فقلت: وكيف وقد قتل بعضهم بعضأ؟ قال انهم وجدوا الله واسع المغفرة. وممن قتل يومئذ مع معاوية أيضًا كريب بن صباح الحميري أحد الأبطال المذكورين، قتل جماعة بارزة، ثم بازرعليًا، فقتله علي ﵁. وذكر أن عليًا واجه في بعض تلك المعارك معاوية فقال له علي: هلك المسلمون بيني وبينك، ابنزلي، فإذا قتل أحدنا صاحبه استراحوا من القتل والقتال، او كما قال، فسكت معاوية، ثم ذكر ذلك لوزيره عمرو بن العاص، فقال: انصفك الرجل. فقال له معاوية: ما أظنك إلا طمعت فيها قلت يعني إنك تعلم أني ما أنا له بمقاتلة، فإذا قتلني أخذ الخلافة بعدي. وقال بعض أصحاب التواريخ: بلغنا أن الأشعث بن قيس الكندي برز في ألفين وبرز أبو الأعور السلمي في خمسة آلاف، ثم اقتتلوا، فغلب الأشعث على الماء، وأزالهم عنه. التقى أصحاب علي وأصحاب معاوية يوم الأربعاء سابع صفر ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، ثم لما خاف أهل الشام الكثرة رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن العاص، ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله، فأجاب علي ﵁ إلى تحكيم الحكمين، فاختلفت عليه جيشه، وخرجت الخوارج، وقالوا لا حكم إلا لله وكفروا عليًا ثم حاربهم. فقتل منهم جمعًا كثيرًا. ورجع إليه منهم جمع كثير وبقي منهم على الخلاف جمع. ولهم قصص طويلة في القتال والمقال. اوضحتها في كتاب المرهم ففيه لذكرها مجال. وسيأتي ذكر شيء منها في سنة أربعين في ترجمة علي ﵁. وفي تحكيم الحكمين هو ما روي أنه اجتمع في رمضان أبو موسى الأشعري ومن معه
[ ٨٦ ]
من الوجوه وعمرو بن العاص ومن معه كذلك بدومة الجندل للتحكيم فخلى عمرو بأبى موسى وخدعه، وقال له: تكلم قبلي فأنت أفضل وأكبر سابقة، وأرى أن تخلع عليًا ومعاوية، ويختار المسلمون لهم رجلًا يجتمعون عليه، فوافقه على هذا ولم يشعر يخدعه، فلما خرجا وتكلم أبو موسى وحكم بخلعهما قام عمرو بن العاص وقال: اما بعد فإن أبا موسى قد خلع عليًا كما سمعتم، وقد وافقته على خلعه ووليت معاوية. وقيل إنهما اتفقا على أن يصعد أبو موسى على المنبر وينادي: يا معشر المسلمين اشهدوا علي أن قد خلعت عليًا من الخلافة، كما خلعت خاتمي هذا. ففعل ذلك وأخرج خاتمه من اصبعه ورمى به إليهم، ثم صعد عمرو وأخرج خاتمه أولًا وقال أشهدوا علي أني قد أدخلت معاوية في الخلافة كما أدخلت خاتمي هذا في اصبعي، وأدخله في اصبعه. قالوا: ثم سار الشاميون، وقد بنوا على هذا الظاهر، ورجع أصحاب علي إلى الكوفة عارفين أن الذي فعله عمرو حيلة وخديعة لا يعبأ بها.