فيها وقعة الجمل والكلام فيها طويل وها أنا أشير منه إلى شيء يسير مما ذكره أهل
[ ٧٩ ]
السير وتلخيص ذلك أنه لما قتل عثمان صبرا توجع له المسلمون، وسقط في أيدي جماعة، وكم بكى عليه من محزون، وسالت من بعده دماء الفتن كما تسيل ماء العيون. وصدق قول حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ الذي لمجد الفضائل سما: والله لو كان قتل عثمان حقًا لأمطرتكم السماء رحمة ولكنها أمطرتكم دمًا وسار طلحة والزبير وعائشة ﵂ وعنهم نحو البصرة. قال بعض علماء السنة طالبين الثأر بدم عثمان، وكانت عائشة قد اعتمرت وهي راجعة إلى المدينة، فلما بلغها قتل عثمان رجعت إلى مكة، وأرادوا من ابن عمران يخرج معهم إلى العراق، فامتنع فلما خرجوا من مكة، جاء مروان بن الحكم إلى طلحة والزبير، وقال على أيكما أسلم بالإمارة وأنادي بالصلاة؟ فسكتا فقال عبد الله بن الزبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة: على أبي، فأرسلت عائشة إلى مروان أتريد أن ترمي الفتنة بيننا، او قالت بين أصحابنا مروا ابن أختي، فليصل بالناس. يعني عبد الله بن الزبير. وقال بعض المحققين من المتأخرين من أئمتنا خرجوا تغيبًا عن الفتنة التي أبدت قرنيها من الشام ورجليها من العراق في ذلك الزمان. وذلك أن إمام الحق عليًا كرم الله وجهه أرسل إلى أميري الشام والعراق معاوية وابن عامر يستدعيهما الطاعة والوصول إليه فلم يكن من معاوية إلا تجهيز جيوش الشام وجمع العساكر، وخرج أبو الحسن إلى جهة الكوفة وسارت جيوش العراق بين يديه، فالتقيا بعد وقعة الجمل، وكان من قدر الله في سفك دماء الفريقين ما كان. واعتذر عن ذلك أعلام أئمة السنة بأن معاوية كان طالبًا أخذ الثأر من قتلة عثمان إذ كان له نسب في بني أمية وأن عليًا لم يمكنه تسليمهم لأخذ الثأر منهم في أول خلافته قبل أن تقوى شوكة الهمة العلية. ثم وقعت وقعة الجمل بينه وبين طلحة والزبير ومن معهما، وذلك أنه رآهم خارجين عن طاعته، فاعترضهم من المدينة ليردهم من بعض الطرق، ففاتوه وسلموا من لزمه التعويق، فتقدموا حتى أتوا البصرة، واستعانوا منها ببيت المال ومن أهلها بالنصرة، وأرسل علي ﵁ إذ فاتوا إلى المدينة يستدعي بالعدد والعدد طالبًا بذلك الاستعانة على الحرب والمدد. عالمًا بأن ما فعلوا ذلك إلا والخلاف منهم وقد اشتد، وأرسل ابنه الحسن إلى الكوفة مع ناصر الحق عمار. يستنفران من فيها رجاء المعونة والانتصار، ثم لما وصل إلى العراق ليردهم إلى طاعته خرج معه أهل الكوفة، وخرج معهم أهل البصرة، وحاول الصلح والرجوع إلى مبايعته، فلما عزموا عليه ثار الأشرار، ورموا بين
[ ٨٠ ]
الفريقين النار، حين خافوا أن يصطلحوا ما يسوء الفجار، من إقامة الحدود، والأخذ لدم عثمان بالثأر. فأشعلوا نار الحرب بالليل. حتى التقى الرجالة والخيل. وجرى دماء الفريقين كالسيل. فكل من مد يده إلى خطام الجمل الذي عليه أم المؤمنين عائشة ﵂ راكبة لم يرجع إليه يده بل هي بضرب السيوف الماضيات ذاهبة وتقاتل الأقران. وتناشدوا عند ذلك الاشعار. وقطع على خطام الجمل سبعون يدًا من بني ضبة كلما قطعت يد أخذ الزمام آخر وهم ينشدون.
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ننازل الموت إذ الموت نزل
والموت أشهس عنط نط مش العسل
وكانوا من حزب عائشة وطلحة والزبير، وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفًا على ما ذكر أهل التوإريخ، ل ذلك وعائشة ﵂ راكبة على الجمل، فأمر علي بعقر ذلك الجمل المسمى بعسكر، فخمل الشر عند ذلك وظهر علي ﵁ وانتصر، ثم جاء علي إلى عائشة فقال: غفر الله لك فقالت: ولك، ملكت فاسجح فما أردت إلا الإصلاح فبلغ من الأمر ما ترى، فقال: غفر الله لك، فقال: ولك، ثم إنه أمر معها عشرين امرأة من ذوات الشرف والدين من أهل البصرة يمضين معها إلى المدينة، وأنزلها في دار وأكرمها، ثم سفرها إلى المدينة الشريفة وشيعها بأولاده وودعها. وقتل ذلك اليوم طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي أحد العشرة الكرام المشكورين في الأنام قيل رماه مروان بن الحكم، والله تعالى أعلم، مع أنه كان معهم ومن حزبهم لا من حزب علي ﵁، لكن قيل رماه من أجل ضغن كان في قلبه منه. ومن مناقبه أنه وقى النبي ﵌ بيده يوم أحد، وقول الذي ﵌ " أوجب طلحة " أي وجبت له الجنة لما رفع النبي ﵌ إلى الصخرة، وكونه من العشرة المشهود لهم بالجنة. وممن قتل ذلك اليوم محمد بن طلحة، كان فضله مشهورًا، وإليه يشير قائل بقوله:
وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما يرى العين مسلم
يناشدني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم
الأبيات إلى قوله فخر صريعًا لليدين وللفم. وقتل الزبير بن العوام القرشي الأسدي حواري النبي ﵌ وابن عمته صفرة، وأول من سل سيفًا فى سبيل الله تعالى، الذي قال ﵌ في قاتله في بعض الأخبار: " وبشروا قاتل ابن صفرة بالنار ". قتله ابن جرموز بوادي السباع
[ ٨١ ]
بقرب البصرة منصرفًا تاركًا للقتال طالبًا للسلامة من الفتن، وما يترتب عليها من الآقات والداء العضال، فلحقه الشيطان المذكور في الوادي المذكور، وأوهمه أنه له مسائر فأمنه، ولم يشعر أنه غادر، فاستغفل الهزبر الذي كانت يكسر العساكر فقتله، وحد أمنه وأخذ سيفه ذلك التعيس الفاجر. ثم جاء إلى علي بسيفه ليبشره بزعمه بذلك، فبشره علي بالنار التي يشربها النبي ﵌ قاتله الخاسر الشقي. فقال له التعيس عندها بطريق الحجاج لا التندم: يا ويلنا إن قاتلناكم ويا ويلنا إن قاتلناكم معكم فنحن في النار. وذكر بعضهم أنه لما نظر على سيف الزبير معه قال بعدما بشره بالنار: طالما فرج به الكرب عن رسول الله ﵌. فقال: انا لله وإنا إليه راجعون إن قاتلناكم فنحن في النار وإن قاتلنالكم أو قال معكم فنحن في النار. فقال له علي: ويلك ذلك شيء سبق لابن صفرة فقال والله ما قتلته إلا لهواك ثم ولى مغضبًا. ومن مناقب الزبير قول النبي ﵌: " لكل نبي حواري وحوايي الزبير " والحواري: الناصر، وقيل: الخاصة. وقوله ﵌: " بشر قاتل ابن صفرة بالنار ". ومنها أنه ابن عمة النبي ﵌ وأول من سل سيفًا في سبيل الله ﷿. وكونه من العشرة المشهود لهم بالجنة. وله معارك مشهورة في اليرموك وغير مشهورة. وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه وقال والله إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من أهل هذه الآية: " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرد متقابلين " - الحجر: ٤٧ - قلت وما ينكر سعادة الجميع منهم، وغفران الله لهم، ما جرى بينهم إلا باغض ذو ابتداع، او جاهل ليس لهم بفضائلهم سماع. ومن جملة تلك الفضائل والمنحة قوله ﵌ يوم أحد: " أوجب طلحة " أي وجبت له الجنة كما تقدم، وقصته في رفعه له في الحديث مشهورة، وفعلته في وقايته له بيده عن ضرب السيف مشكورة، ولم يزل الفخر في شلل يد طلحة من تلك الوقاية فاخرًا. والشرف في فعله ذلك بين الخلائق ظاهرًا. ومما يؤيد تلك السعادة التي يخص الله بها من يحب، والكرامة التي يشرح بها الصدور، والقلوب تطرب، ما روي بالإسناد عن بعض الصالحين: انه خرج يومًا إلى ظاهر البصرة مع الولي الكبير العارف بالله الشهيد الشيخ أبي محمد المعروف بابن عبد الله البصري ﵁، ثم أتى إلى تربة طلحة بن عبيد الله المذكور زائر، قال: فلما رأى الشيخ أبو
[ ٨٢ ]
محمد القبر من بعيد رجع القهقرى، ثم بعد ذلك رجع، فأتى القبر وزار وهو مطرق متأدب. قال الراوي المذكور فلما خرج سألته عن ذلك فقال: لما أشرفت على قبره رأيته جالسًا عليه حلة خضراء وتاج مكلل بالدرر والجواهر، وقال بالدر والياقوت الأحمر، وعنده حوريتان، فاستحييت، ورجعت لوجهي، فاقسم علي أن أرجع فرجعت إليه رحمة الله ورضوانه عليه. وممن قتل يوم الجمل زيد بن صوحان. وكان من سادة التابعين صوامًا قوامًا وجملة من قتل ذلك اليوم من الفريقين نحو من عشرة آلاف على ما نقله بعض العلماء الأعلام وهذا خلاف لما تقدم من الأعلام والله سبحانه الخبير العلام. وفي أول السنة المذكورة توفي حذيقة بن اليمان أحد الصحابة أهل النجدة والنجابة. الذي كان يعرف المؤمنين من المنافقين بالسر الذي خصه سيد المرسلين قال: كان الناس يتعلمون الخير من رسول الله ﵌، وكنت أتعلم منه الشر مخافة أن أقع فيه. وكذلك توفي فيها سلمان الفارسي وفضله مشهور مشكور، ومن ذلك الفضل الذي حكيت قوله ﵌: " سلمان منا أهل البيت " وسيرته مشهورة في خروجه من بلاده في طلب النبي ﵌، وما لاقى في ذلك، وقوة إيمانه وصدقه وحرصه على معرفة النبي ﵌ ومحبته له وغرسه له ﵌ بيده عونًا له في براءة ذمته، وما حصل في ذلك من يمنه ﵌ وظهور بركته. وتوفي أمير مصر عبد الله بن أبي سرح وهو من السابقين.