مقدمة التحقيق
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلام على نبينا محمدٍ المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فقد حَرصَت مؤسسةُ الرسالة خلال مسيرتها الطويلة في عالم الطباعة والنشر على التصدي لتحقيق ونَشر كتب التراث الضخمة التي تزخَرُ بها مكتبتُنا الإسلاميةُ العامرة، إيمانًا منها بأهمية نَشر العلم النافع، وطلبًا لما وراء ذلك من الأجر والمثوبة من الله ﷿.
وهي اليوم تُقدم إلى كل طالب علمٍ كتابًا من أمهات كتب التراث، طالما تمنى طلابُ العلم أن تكتحلَ عيونُهم برؤيته، فقد كانوا يرون في كتب التاريخ التي بين أيديهم نقولاتٍ كثيرة عنه، دون أن يَقفوا له على أثر، فلذلك هَفَتْ نفوسُهم إليه، وتَلهَّفَت قرائحهم للاطلاع عليه، ألا وهو كتابُ (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان) لأبي المُظفَّر يوسف بن قُز أوغلي بن عبد الله، المعروف بسبطِ ابن الجوزي، المتوفى سنة (٦٥٤ هـ). هذا الكتاب الذي أرادَ مصنفُه ﵀ أن يكون له مِن اسمِه نصيب، حيث قال في مُقدمته: "وسمَّيتُه: (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان) ليكون اسمًا يوافق مُسمًّى، ولفظًا يُطابق معنًى". ولعَمري لقد كان له ما أراد، فالناظر في هذا الكتاب كأنما ينظر من خلال مرآةٍ زمانيةٍ تعكسُ له مُجرياتِ أحداثِ الأمم السالفة، ووقائعَ العصورِ الغابرة، فكأنه يرأها رأيَ العين، وقد غَبطَه الإمام الصلاحُ الصفدي المتوفى سنة (٧٦٤) هـ على هذه التسمية، فقال: "وأنا ممَّن حَسَدهُ على تَسميته، فإنها لائقةٌ بالتاريخ، كأنَّ الناظر فيها يُعاينُ من ذُكِرَ فيه".
وأكَّدَ هذا المعنى العلامةُ قطب الدين اليونيني المتوفى سنة (٧٣٦) هـ، وهو قد اختصر كتابَ المرآة وذيَّلَ عليه، فأوضح سبب اختصاره قائلًا: " … وصنَّفَ الناسُ في ذلكَ كُتبًا،
[ مقدمة / ٧ ]
وساروا بأفكارهم، فجلَبوا من أخبار الأُمم حَطبًا وذَهبًا، ولما وقفتُ على بعضِ ما نَصُّوه، وتأمَّلت ما أَنبأوا به عن السالفين وقَصُّوه، رأيت أجمَعها مَقصدًا، وأعذَبها مَوردًا، وأحسنَها بيانًا، وأصحَّها روايةً، يكادُ خَبَرُها يكون عِيانًا؛ الكتابَ المعروف بمرآة الزمان، تأليف الشيخ الإمام شمسِ الدين أبي المظفر يوسف سبط الإمام ابن الجوزي ﵀، الذي ضمنه ما علا قَدرُه على كلِّ نَبيه، وفاقَ به على مَن يُناويه … ".
ويَعجَبُ المرءُ كيف يبقى مثلُ هذا الكتاب القَيِّم حَبيسَ أَرْفُفِ مكتبات المخطوطات ردحًا طويلًا من الزمن، حيث لم يصدر منه غير جزءٍ واحد من أوله بتحقيق الدكتور إحسان عباس طبع بدار الشروق سنة (١٩٨٥) م، وجزء وحيدٍ من آخره طبع بحيدر آباد الدكن سنة (١٩٥٢) م، ولكن هذا العجبَ يتلاشى أمامَ معرفة المشاق والصِّعاب التي تَقفُ دون الحصولِ على نُسَخهِ الخطية، إذ ليس للكتابِ نسخةٌ خطيةٌ كاملةٌ وسَليمة، وإنما هي أجزاء متفرقة من نُسخٍ متعددة لم تَخلُ من السقوطات والتصحيفات، وأصاب بَعضَها خَرمٌ في أولها أو في آخرها أو في أثنائها، وبَعضُها فيه الكثير من الصفحات المطموسة، وبعضها مختصر -كما سنُبيِّن ذلك بعد قليل- ولهذا بذلَ الإخوةُ المحققون -جزاهم اللهُ خيرًا- جُهدًا مُضنيًا في التوفيق بين هذه النسخ والمؤالفة بينها، لاستخراج النصِّ الصحيح واستكماله، وإثباتِه على الوجه الأكمل الذي أراد المصنف أن يكون عليه، وهذا الجهد لا يُقَدِّرُ قَدرَهُ، ولا يعَرفُ مبَلْغَه إلامن عانىَ مِهنةَ التحقيق وخاضَ غِمارَها.
ولا بد لي هنا من قَولةِ حَقٍّ أقولُها، وهي: إنه لولا جهودُ الأستاذ رضوان إبراهيم دعبول -صاحب المؤسسة ومديرها- وإصرارُه ودَأبُه المتواصل في سبيل إخراج هذا الكتاب لما خرج إلى النور، فهو منذ عام ١٩٩٢ م حينما وصلت إلى يدِه بعضُ مخطوطات الكتاب أَوْكَلَ إلى الأستاذ عمر القيّام مهمةَ البدء بتحقيقه بإشراف الدكتور إحسان عباس، ولكنه بعد عام ونصف اعتذرَ عنه، لما يحتاجه هذا العمل من جهدٍ ووقتٍ كبيرين، فلم يَكِلَّ ولم يَمَلَّ، ولكنه بَذلَ الغالي والنفيسَ وضاعفَ الجهدَ في البحثٍ عن بقيةِ نسخ الكتاب الخطية، والسَّعي في تحصيلها سعيًا حثيثًا، حتى تكامل
[ مقدمة / ٨ ]
منها ما يوفي بالغرض، عندها بدأت عملية المقابلة، ثم وُزِّعت الأجزاءُ على الإخوة المحققين الأكارم الذين مارسوا تحقيقَ كتبِ التراث منذ أمدٍ بعيدٍ أنجزوا خلاله الكثيرَ من الكتب التي أشادَ بها أهلُ العلم والفضل، فَصبّوا كلَّ جهدهم في تحقيق الكتاب، وعانوا في سبيل ذلك ما عانوه، فكم من ساعةٍ أمضَوها في استكمال نصٍ لم يجدوا بقيته فيما بين أيديهم من مخطوطات، أو في البحث عن رَسْمِ كلمةٍ محرفةٍ لا تستقيم بها العبارة. وغيرِ ذلك من عقباتٍ كثيرةٍ واجهتهم في تحقيق هذا الكتاب أعانهم اللهُ على تَخَطِّيها.
وقد أَوكلَ إليَّ الأستاذ رضوان دعبول مدير المؤسسة مهمةَ مراجعة عددٍ من أجزاء الكتاب التي تبيَّن أنها تحتاج إلى مراجعة، فبذلتُ الوُسْعَ واستفرغتُ الجهدَ، وأعانني المولى ﵎ بمَنٍّ منه وفضل، فاستدركتُ بعض سُقوطاتٍ نَدَّت هنا وهناك، وصححت عددًا من الكلمات المصحَّفَة والمحرَّفَة، وأفدتُ من قراءتي المتوالية ربطَ العديد من المَواطن في الكتاب وإحالةَ بعضها على بعض.