وبعد فإن الفطر السليمة، والفكرَ المستقيمة، تستشرف إلى معرفة البدايات، وتشرئبَّ إلى إدراك المنشآت، ومَن تدبَّر مجاريَ الأقدار، ومبادي (^١) الليل والنهار، صار كأنه عاصَر تلك العصور، وباشر تلك الأمور، وإليه وقعت الإشارة الإلهية، والأمارة الربَّانية، إلى مَن رَبَا نيَّةً (^٢) بقوله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠].
_________________
(١) في (ط): "مساري".
(٢) رسمت في (ل): "ربى نيه"، وفي (ب) غير مقروءة، والذي في المطبوع: ربا نية، والعبارة غامضة، وقد نقل كلام السبط السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" ص ٤٨ وكتب بدلها: "إلى سيد الأولين والآخرين".
[ ١ / ٥ ]
وقال سبحانه في كتابه المجيد: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ [هود: ١٠٠]. في آيات كثيرة وإشارات (^١) غزيرة. فالله تعالى مَنَّ على نبيّه ﷺ بما قَصَّ عليه من أخبار الأمم في سالف الدهور والأعوام.
فصل
ومقاصد الناس في ذلك تختلف، على ما قد أُلِف، منهم مَن يؤثر مطالعةَ سِيرِ القدماء والحكماء، ومنهم من يميل إلى سماع أنباء الأنبياء والخلفاء والملوك والوزراء والأدباء والشعراء، ومنهم من يختار النظر في سير الفضلاء والزهاد والعبَّاد والصلحاء، ومنهم مَن مَقصودُه الوقوفُ على سيرة حازم ليستفيد منها حُسن التدبير، أو على آثار مُفَرِّط (^٢) ليحذر من مثلها كلُّ التحذير، وهذا حرف المسألة في معرفة السير، لمن فَهم المعنى وخَبَر الخبر.
ولما كان الغالب على التواريخ جمع الغث والسمين، والواهي والمتين، والتكرار الخالي عن الفوائد والفرائد التي يعجز عن جمعها ألفُ رائد، استخرت الله تعالى في تحرير هذا الكتاب، المشتمل على ما أشرتُ إليه من فصول الخطاب، وفنون العلوم والآداب، والسيرة والأنساب، ولو مددت فيه أطنابَ الإطناب، وأسباب الإسهاب، لانقطع سير السُّرى وكَلَّ كُلُّ الرِّكاب، وخيرُ الكلامِ ما قل ودل، ولم يَطُل فيُمل.
وشرطُه: أن أبتدئ بما ذكرت في تراجم الأبواب، من أن [في] خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لِأولي الألباب. ثم اتبع ذلك من سيرة نبينا ﷺ بالحوادث في كل عام، ومن توفي من الأعيان والأعلام، وبداية التاريخ بالسنين، من مولد سيد المرسلين، وقلدت مَن سَلَف مِن السلف في الجرح والتعديل؛ لأنه لا يتوقف على الدليل، وسميته: "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، ليكون اسمًا يوافق مسمَّاه، ولفظًا يطابق معناه.
وقبل الشروع فيه لا بد من ذكر فصول، تكون لتقرير قواعده كالأصول:
_________________
(١) في (ب): "وآيات".
(٢) في (ب): "مقصر".
[ ١ / ٦ ]
الفصل الأول: في معرفة التأريخ، وهل فرقت العرب بينه وبين التوريخ.
الفصل الثاني: في عيون التواريخ والآثار وأسمانيد الأخبار.
الفصل الثالث: في انقضاء مدة العالم وما تقدم من السنين وتقادم.
الفصل الرابع: فيما ينبغي للمؤلف استعماله من الكلام المتسق النظام.
الفصل الخامس: في تراجم الأبواب (^١).
* * *
_________________
(١) اقتصر مختصر الكتاب قطب الدين اليونيني على الفصل الأول والثالث، وحذف بقية الفصول.
[ ١ / ٧ ]