روي عن ابن عباس أنه قال: لها أبوابٌ كثيرة منها بابُ المطر، ومن قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، وباب الرزق ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، وباب النزول ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] وباب الوحي ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، وباب صعود الأعمال ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وحكى جدّي في "كتاب التبصرة" وقال: قال أبو الحسين بن المنادي: لا خلاف بين العلماء أن السماءَ على الأرض مثل القبة، وأن العالمَ مثل الكرة، وأنها تدور بما فيه من الكواكب على قطبين ثابتين غير متحركين، أحدهما في ناحية الشمال، والآخر في ناحية الجنوب مطلعَ سهيل، وأن كرةَ الأرضِ مثبتةٌ وسط كرة السماء كالنقطة من
_________________
(١) انظر "المنتظم" ١/ ١٨٣، و"التبصرة" ٢/ ١٧٣.
(٢) هو قطعة من حديث حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٠ من حديث علقمة بن وقاص الليثي، وأصّل القصة عند البخاري (٤١٢١)، ومسلم (١٨٦٨)، وانظر "مسند" أحمد (١١١٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري. وسيذكر المصنف الخبر في السنة الخامسة للهجرة.
[ ١ / ١٥٩ ]
الدائرة، إلى ها هنا ذكر جدي (^١).
ورأيت في كتاب ابن المنادي تمامَ هذا الفصل قال: والأرضُ على نَمَطٍ واحدٍ من جميع الجهات، والأفلاكُ تدورُ على محورين وقطبين ثابتين، ومَن كان مسكنه وسط الأرض عند استواء ساعات الليل والنهار رأى المحورين والقطبين، ومَن كان في بلاد الشمال يرى القطبَ الشمالي، ومَن كان في بلاد الجنوب يرى القطبَ الجنوبيَّ (^٢).
وقال جالينوس: العالم شبه البيضة، والسماءُ موضعُ القشر، والهواء موضع البياض، والأرض موضع المُخِّ.
فصل
واختلفوا هل الأفلاك هي السماوات أم هي غيرها؟ على قولين: أما مذهبُ الأوائل فإنها هي بعينها، وأما مذهب المتشرعين (^٣) فهي غيرها، وقد رواه العوفي عن ابن عباس واحتج بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال في آية أخرى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
وسمِّي الفلَكُ فَلَكًا لاستدارته، ومنه: فَلْكة المغزل، بفتح الفاء لاستدارتها، وأما الفُلْكُ -بالضم- فالسفينة، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩].
وقال قوم بانَّ الفَلَكَ هو القطبُ، وليس بشيء، لأن القطبَ لا يزولُ ولا يتغير كما لا يزول قطب الرحى.
فصل
ومذهب جملة المسلمين أنَّ السمواتِ سبع، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [الطلاق: ١٢].
ومذهب الأوائل والمنجمين أنها تسعة أفلاك، فأولها أقربُها إلى الأرض وهو
_________________
(١) "التبصرة"٢/ ١٧٣.
(٢) جاء بعدها في "كنز الدرر" ١/ ٣٣: "قال الجوهري: والمحور العود الذي تدور عليه البكرة، وربما كان من حديد، وسنذكر القطب والجدي في موضعه" وانظر "الصحاح": (حور).
(٣) في (ل): "المشرعين".
[ ١ / ١٦٠ ]
أصغرها وهو فَلك القمر، ثم الذي يليه فلَك عُطارد، ثم فَلك الزُّهرة، ثم فلَك الشمس، ثم فَلك المِرِّيخ، ثم فلَك المُشْتَري، ثم فلَك زُحَل وهو السابع، والثامن فلك البروج وفيه سائر الكواكب الثابتة، والتاسع الفلك الأعظم الحاكم على جميع الأفلاك وله أسام منها: الأثير، لأنه يؤثِّر في غيره وغير لا يؤثّر فيه، ومنها: القسريُّ، لأنه يدير الأفلاك دورةً قسرية في كلِّ يوم وليلة دورة واحدة، ومنها: فلك الاستواء، ومنها: المستقيم، ومنها: الأطلس، ويزعمون أنه ليس وراءَهُ شيءٌ ولا فيه كوكب ولا غيره، ويدير الأفلاك على القطبين الثابتين الذين ذكرناهما، قالوا: وبينه وبين الأرض خمسون ألف سنة، ويسمى المحيطَ أيضًا، لأنه يُحيط بكلِّ شيء ولا يحيط به شيء.
قال بَطْلَيمُوس: وهو أخفُّ الأفلاكِ وأضوؤها، لأنه منها في جوهره كذلك، ولهذا ارتفع على الكل، قال: والذي من دونه يقال له: فلك البروج، وفلك الأفلاك، لأنه يدور بأفلاك الكواكب، ثم دونه أفلاكُ الكواكب السبعة.
ومنهم من يقول: هي أفلاك كثيرة (^١)، وهذه الأفلاك من طبيعةٍ أخرى بخلاف الطبائع الأربع التي بدون فلك القمر من النار والهواء والتراب والماء، لأنها لو كانت من هذه لزمها ما يلزم هذه من الكون والفساد والاستحالة والزيادة والنقصان، فالفلك وما فيه طبيعة خامسة ولم يخبروا عن ماهيَّتها بأكثر من هذا.
وقال بَطْلَيمُوس أيضًا: صورة الفلك وهيئات بروجه على مثال البطيخة المخططة، أعلاها وأسفلها كالنقطتين، وكلّ بيتٍ بين خطين بمنزلة البرج، واتساقُ بروجه على مثال اتساقِ بيوتها وخطوطها.
وقال أفلاطن: الأفلاكُ كهيئة الأُكَرِ، بعضُها فوقَ بعض، والفلك التاسع محيطٌ بجميع الطبائع والمخلوقات، وليس فيه كوكب، وهو يدير الكلَّ من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة واحدة، والأفلاكُ الثمانيةُ تدورُ من المغربِ إلى المشرقِ.
وشبَّهوا ذلك بسفينةٍ تجري مع الماءِ وفيها رَجُل يمشي مُصْعِدًا. ولهم في هذا بحث طويل.
_________________
(١) جاء بعدها في "كنز الدرر" ١/ ٣٤: "ومنهم من قال: إن الفلك حي مميز بجميع ما فيه، ذو صورة وكذلك جميع ما فيه بهذه المنزلة".
[ ١ / ١٦١ ]
واستدلوا أيضًا على ذلك بأنّ الشمس والقمر يدوران في اليوم والليلة دورةً واحدةً، قال: والبروجُ نصفُ سُدْسِ الفلك، وفلكُ البروج وما فيه من الكواكب يدور على القطبين اللذين ذكرنا غير قطبي الفلك الأعظم، وعرضُ الأرضِ من القطبِ الشمالي إلى القطبِ الجنوبي الذي هو مطلع سهيل في موضع خط الاستواء ثلاث مئة وستون درجة فيكون الجملة تسعة آلاف فرسخ.
قلت: وينبغي أن يكون هذا على وجه التقريب والظنِّ والتخمين لا على وجه القطع واليقين.
ونُقِلَ عن فيثاغورس أنه قال: العالم الأرضيُّ متصلٌ بالعالم السماوي، والفلكُ يتحرك حركةً مستديرة دائمة، فتتحرك الكواكبُ بتحريكه، وحركة الكواكب على هذا العالم تفعل فيه الاستحالة ويحدث فيه الكون والفساد، وفسادُ كلِّ شيء بكون شيء آخر، وأن حركات الكواكب الدائمة توجب الكونَ الطبيعي الدائم، وليس في الحركات حركةٌ تامة غير المستديرة، لأن المتحرك بها لا يسكن لأنه لا نهايةَ لحركتها، بخلاف الحركات المختلفات لأنها غير تامة (^١)، ولهم في هذا اصطلاح عجيب. ويقال: إن هذا كلَّه كلامُ أفلاطن لأنه أقام يرصد الأفلاكَ سبعين سنة، وسنذكره في باب الحكمة إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) جاء بعدها في "كنز الدرر" ١/ ٣٦: "ولها نهايات، فإذا انتهت سكتت وضربوا لها مثلًا فقالوا: وحركة النار إلى فوق وحركة الماء والتراب إلى أسفل".
[ ١ / ١٦٢ ]