قال علماء الهندسة: إنه يأخذ من البحر المحيط الكبير المظلم بالمغرب وينتهي إلى أقصى الهند والصين، وذلك ثمانية آلاف ميل، وعرضه ألفان وسبعمائة ميل، وقد يختلف عرضه باختلاف الأماكن في الضيق والسعة.
_________________
(١) في تكملة المعاجم العربية لدوزي ٦/ ٢٣٤ أنها فيما يظهر مرادف الخليج الذي ينتهي بزاوية منحرفة، أو أراد تشبيهها بالسمك الجربيدي، فإن شكل الفم يشبه فم السمكة.
(٢) "صورة الأرض" ص ٢٠ - ٢١.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقال أبو الحسين بن المنادي: طول هذا البحر من القُلْزُم إلى الواق واق أربعة آلاف وخمس مئة فرسخ، وفيه خلجان عظيمة، منها خليجٌ يتصل بأرض الحبشة ويمتد إلى بلاد الزَّنج إلى مكان يقال له: بربرا، طوله خمس مئة ميل وعرضه مئة ميل، وليس هذا "بربرا" الموضع المعروف بالمغرب من أرض إفريقية، وإنما هو مكان آخر في أقصى الحبشة يسمى بهذا الاسم.
وقال أبو معشر: وليس في البحار أعظم من موجه، يرتفع مثل الجبال ثم ينخفض حتى يصير أوديةً عميقة.
وذكر أحمد بن محمد بن إسحاق في كتاب "البلدان" وقال: ليس في العالم أكبر من هذا البحر، يعني غير البحر المحيط، قال: فإنه يأخذ من المغرب وينتهي إلى الصين، فيمرُّ على النُّوبة والحَبَشة ثم على القُلْزُم ثم إلى وادي القرى وجُدَّة وزَبيد وعَدَن والشِّحْر وحَضْرَمَوت وعُمان والدَّيْبُل وفارس إلى المشرق (^١). وجميع بلاد السند والهند عليه، صيفهم شتاؤنا وشتاؤنا صيفهم، فكانون وكانون وشباط مثل حَزِيران وتَمُّوز وآب عندنا، وعللوا ذلك بقرب الشمس من الأقاليم وبُعدها. قال: وذَكَر مَنْ له خبرة به أنَّ عمق الماء فيه في مواضع مئة باع وأكثر.
وقال أبو معشر: قد قسم أرباب الهيئة هذا البحر الشرقي في سبعة أقسام:
فالأول: بحر القلزم، ويمرُّ على النُّوبة والحبشة واليمن إلى عُمان، وطول هذا الخليج ألف وأربع مئة ميل، وعليه القُصَير وعَيذاب، وبين مدينة القُلْزم والفُسطاط ثلاثة أيام.
والقسم الثاني: بحر فارس، وأوله من الأُبُلَّة والبَصرة والبَحرين عند الخشبات، وهي علامات منصوبة من خشب في البحر يستدل بها أهل المراكب، وطول هذا الخليج أربع مئة فرسخ حتى يتصل ببحر الهند عند جبل يقال له: رأس الجُمْجُمة، وأول هذا الجبل من اليمن من ناحية الشِّحْر الأحقاف وآخره في الهند، وقد ذكرناه في الجبال، ولا يدرى أين غايته في البحر، وعلى هذا الخليج الذي يسمى بحر فارس من
_________________
(١) "مختصر كتاب البلدان" ص ١١.
[ ١ / ١٠١ ]
البلاد: البَحرين وعُمان وسيراف وكرمان، ومن عُمان إلى سِيراف ستون ومئة فرسخ، ومن سِيراف إلى البصرة أربعون ومائة فرسخ، وفيه من الأمم والجزائر ما لا يحصى، وفيه مغاص اللؤلؤ في جزيرة كِيْش، ولا يكون ذلك في جميع السنة بل في أول يوم من نَيسان إلى آخر أَيلول لا غير.
وقد اختلفوا في اللؤلؤ على قولين (^١):
أحدهما: أنه من حيوان يقال له: البلبل وفيه لحم، ويخاف على ما فيه من الدّر من الغاصة كما تخاف المرأة على جنينها.
القول الثاني: أنه يتولَّد من الأمطار إذا وقع المطر في نَيسان ارتفع الصدف إلى وجه الماء فتفتح أفواهها فيقع فيها القطر، فمن الصدف ما يضمُّ على ما وقع فيه فيغوص ويقيم طول السنة يحفظ نفسه من استنشاق الهواء حتى يأتي نَيسان وقد انعقد اللؤلؤ في باطنه، ومن الصدف ما يشتاق إلى النسيم فيصعد على وجه الماء فيفتح فاه ويستنشق الهواء فيفسد ما فيه.
والأول أصحُّ، لأن الغواصين يستخرجون هذا الحيوان من البحر ويأكلون لحمه ويأخذون اللؤلؤ من جوفه، ويحتمل أن اللؤلؤ يتولَّد من هذا الحيوان والمطر جميعًا.
والقسم الثالث من هذا البحر يقال له: بلاذري، وليس في البحر الحبشي أعظم مجرًى للماء منه.
والرابع: كندرلاوي، وفيه العنبر، والخامس: كلاه بار. والسادس: كرديج، وهو بحر الصين، والسابع: مملكة المهراج.
وقال في "المسالك": ووراء بحر الصين مفاوز ورمال تجري فيها السفن.
وقال النُّوبختي: إن بين الهند والصين على هذا البحر ثلاثين مَلِكًا، أصغر ملك منهم يملك مثل ملك العرب.
وفي هذا البحر الشرقي عجائب، منها: أن فيه سمكًا طول كل سمكة خمس مئة ذراع وأقل وأكثر، بذراع أهل البحر، ويقال له: العُمَري، وهو ذراع طويل، ترفع
_________________
(١) انظر "نخب الذخائر في أحوال الجواهر" ص ٢٧ - ٢٨.
[ ١ / ١٠٢ ]
السمكة جناحها فيكون كالقلع العظيم، وتخرج رأسها من الماء ثم تنفخ فيذهب الماء في الهواء أكثر من السهم، وأهل المراكب يخافونها فيضربون الدبادبَ لتنفر، وتبلع السمك الصغار فيُسمع لها دويّ، ولهذه السمكة آفة وهي سمكة صغيرة مقدار الذراع يقال لها: الكشنك، فإذا أراد الله هلاك الكبيرة جاءت الصغيرة فالتصقت بأصل أذنها وعضَّتها، فتغوصُ الكبيرة في الماء من شدَّة العضة إلى قرار البحر، وتضربُ نفسها بالأرض حتى تموت، وتطفو على رأس الماء كالجبل العظيم (^١).
ونظير هذه السمكة الصغيرة الدويبةُ التي تقتل التمساح، لما نذكره (^٢).
ومنها: أنَّ في هذا البحر سمكًا يبلع المراكبَ، وفيه سمك طيار وسمك على صور الجمال وجوههم كأنها البوم، وسمكٌ على صُوَرِ البقر يعمل من جلودها الدَّرَق، وفيه سمك في بطن كل سمكة مثلها وفي بطن الأخرى مثلها إلى عدة طبقات. وفيه سلاحف، استدارةُ ظهرِ السلحفاة عشرون ذراعًا وأكثر، وفي بطنها ألف بيضة، وفيه المعادن بأسرها.
قال ابن المنادي: وعليه مدينة في الهند يقال لها. مل، تنبت الفلفل، وعلى كل عنقود من عناقيد الفلفل ورقة تُكِنُّه من المطر، فإذا مضى زمان المطر ارتفعت الورقة وإذا عاد عادت.