قال الجوهري: الشمس معروفة (^٢).
ذكر خلق الشمس: روي عن كعب الأحبار قال: في التوراة، لما أراد الله أن يخلقَ الشمسَ والقمر قال للسماء: أخرجي شمسك وقمرك.
وعن علي ﵁ موقوفًا عليه قال: خُلِقَتِ الشمسُ والقمر من نور العرش (^٣).
وقد روي فيما يتعلقُ بالشمسِ أخبار وآثار، فأما الأخبار فلا يثبت منها إلا حديث واحد:
قال البخاري بإسناده عن أبي ذرٍّ قال: كنتُ مع النبي ﷺ في المسجد حين وجبتِ الشمس فقال: "يا أبا ذرٍّ، أَتدري أينَ تذهبُ هذه الشَّمسُ"؟ قلتُ: اللهُ ورسُولُه أعلمُ، قال: "إنَّها تَذهَبُ حتَّى تَسْجدَ بينَ يَدَي ربِّها فتستأذنُ في الرُّجوعِ فيُؤْذَن لها". أخرجاه في الصحيحين (^٤).
وأخرج البيهقي عن ابن عمر بمعناه، وفيه: نظر النبيُّ ﷺ إلى الشمس قد غابت فقال: "في عَينِ اللهِ الحاميَةِ، لولا ما يَزَعُها مِن أمرِ اللهِ لأَهْلَكَتْ ما على وَجْهِ الأرضِ (^٥) ". ومعنى يزعها: يكفّها ويردعها.
ومعنى الحديث: أنَّ النبي ﷺ أخبر عن مغيبها في النار الحامية، لا أنه دعا
_________________
(١) انظر "كنز الدرر" ١/ ٤٤.
(٢) جاء بعدها في "كنز الدرر": "ويقال لها: ذكاء، لأنها تذكو كما تذكو النار، ولذلك يسمى النهار: ابن ذكاء، قال: وهي ممدودة غير مصروفة لا تدخلها الألف ولا اللام" وانظر "الصحاح": (ذكي).
(٣) لم نقف عليه عن علي، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦٠٦٢) من حديث أنس مرفوعًا.
(٤) البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩).
(٥) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من كتب البيهقي، وأخرجه أحمد في "مسنده" (٦٩٣٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ١ / ١٧١ ]
عليها (^١).
وأما الأخبار الواهية: فمنها ما أنبأنا به جدي ﵀ بإسناده إلى أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "قد وكَّلَ الله بالشَّمسِ سبعة أملاكٍ يَقذِفُونَها بالثَّلجِ، ولولا ذلك ما أَتَت على شي إلا أحرَقَته" (^٢).
ومنها: ما أنبأنا به جدي ﵀ بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "الشَّمسُ والقَمَر ثَوْرَان عَقيران من النَّار" (^٣) وفي رواية: "يؤتى بهما يوم القيامة فيكوّران في النار". والعقير: المجروح.
ومنها ما ذكره أبو جعفر الطبري في "تاريخه" فقال: حدثني محمد بن أبي منصور بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس، قال عكرمة: كنت جالسًا عنده إذ جاءه رجلٌ فقال: يا ابنَ عباس سمعتُ كعبَ الأحبارِ يقول: إنَّ الشمس والقمر يكوّران يومَ القيامةِ وَيُلْقَيانِ في النار، وكان ابن عباس متكئًا فاحتفز -أي: جلس واجتمع- وقال: كذب كعبٌ -ثلاثًا- بل هي يهوديَّته يريدُ إدخالها في الإسلام، الله أجَلُّ وأكرمُ من أن يعذبَ أحدًا على طاعته، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: طائعين (^٤)، فكيف يعذِّبُ مَن أثنى عليه؟
ثم قال: ألا أحدِّثكم بما سمعتُ من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: "لما أبرم خَلْقَه غَيرَ آدم خَلَقَ شمسَين من نورِ عرشِه، فأمَّا ما كان في سابق علمه أن يَدعها شمسًا فإنَّه خَلَقها مثلَ الدنيا ما بينَ مشارِقِها ومغارِبها، وأمَّا ما كان في سَابقِ عِلمِه أن يَطْمِسَها ويحوِّلها قمرًا فإنَّه دونَ الشَّمْس في العِظَم وإنما يُرى صغيرًا لشدةِ ارتفاعِ السماءِ وبُعدِها من الأرضِ، فلو تَرَك اللهُ الشَّمسَ كما كان خَلَقها لم يُعْرَفِ الليلُ من النَّهار، ولا النَّهارُ من الليل، وكان لا يَدْري الأَجيرُ إلى متى يعملُ ومتى يأخذُ أجرتَه، ولا يدري الصَّائم إلى متى يَصُومُ، ولا تَدْري المرأةُ كيف تَعتدُّ، ولا يَدْري المسلِمونَ متى وقتُ
_________________
(١) المنتظم ١/ ١٨٦.
(٢) "العلل المتناهية" (٢٩).
(٣) "العلل المتناهية" (٣٠)، و"الموضوعات" (٢٩١)، و"المنتظم" ١/ ١٨٧.
(٤) في (ب): مطيعين.
[ ١ / ١٧٢ ]
الحجِّ، ولا متى تحِلُّ دُيونهم؛ فنَظَرَ الله تعالى لعبادِه، فأرسَلَ جبريلَ فأَمَرَّ جناحَه على وَجْه القَمَر فَطَمسَ عنه الضَّوءَ وبقيَ فيه النُّورُ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾ [الإسراء: ١٢] فالسوادُ الذي ترونه في القمر شبهُ الخطوطِ فهو أثر المحْو.
قال: ثم خَلَق اللهُ للشمسِ عَجَلةً من نورِ العرشِ لها ثلاث مئة وسِتون عُرْوَة، ووكَّل بالشَّمسِ وعَجَلَتِها ثلاث مئة وستين مَلَكًا، قد تَعَلَّق كلُّ واحدٍ منهم بعُروةٍ، وخَلَق للقَمَرِ أيضًا كذلك، وخَلَق لهما مشارقَ ومغاربَ ثمانين ومئة عينٍ في المغرب طينةً سوداءَ فذلك قوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] [وثمانين ومئة عينٍ في المشرق مثل ذلك] تفور كغَلَيان القدرِ، فكل يومٍ وليلةٍ لهما مطلعٌ جديدٌ ومغربٌ جديدٌ، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ [الرحمن: ١٧] ثم جمع فقال: ﴿الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠].
قال: وخَلَق اللهُ مجرىً دونَ السماءِ، يعني: بحرًا، مقدارَ ثلاثةِ فراسخَ، وهو موجٌ مكفُوفٌ قائمٌ في الهواءِ كأنَّه جبلٌ ممدودٌ، فتجري فيه الشَّمسُ والقَمَرُ والخُنَّس، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لو بَدَتِ الشَّمس من ذلك البحرِ لأَحرَقَتْ كلَّ شيءٍ في الأرضِ حتى الصُّخور والحِجارة، ولو بَدا القمرُ من ذلك البحرِ لافتَتَن أهلُ الأرضِ به حتى يعبدوه من دون الله".
قال ابن عباس: وكان علي بن أبي طالبٍ ﵁ حاضرًا فقال له: يا رسولَ الله ذكرتَ الخُنَّس فما هنَّ؟ فقال: "خمسة كواكبَ، البِرْجِيس وزُحل وعطارد وبهرام والزهرة، جاريات طالعاتٌ كالشَّمسِ والقَمَرِ، فأمَّا سائرُ الكواكِبِ فمعلَّقاتٌ في السَّماء كالقنادِيل في المساجِدِ" (^١).
قال: وقال النبي ﷺ: "خلق الله مدينتين: إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، جابرسا وجابلقا، لكل واحدةٍ منهما عشرةُ آلافِ باب، وعلى كلِّ بابٍ عشرةُ آلاف فارس ووراءهم أُمم يقال لهم: منسك وتاريس وتاويل، ومن ورائهم يأجوج ومأجوج. وذكر ابن جرير حديثًا طويلًا مقدار كرّاسة، وفيه: طلوعُ الشمس من مغربها
_________________
(١) "تاريخ الطبري " ١/ ٦٢، و"العظَمة" لأبي الشيخ (٦٢٧) وما بين حاصرتين منهما.
[ ١ / ١٧٣ ]
وبابُ التوبة، فقال له عمر بن الخطاب: وما باب التوبة؟ ففسَّره، وقال: "من المصراع إلى المصراع مسيرةُ أربعين سنة للراكب المجدّ" وذكر الصور، فقال له حذيفة بن اليمان: يا رسول الله، وما الصور؟ ففسَّره، وفي آخر الحديث: فبلغ كعبًا فأتى إلى ابن عباس يعتذر ويقول: إنما حدّثتُ من كتاب دارس تداولته الأيدي، وأنت حدثت عن رسول الله ﷺ، وذكر كلامًا طويلًا (^١).
قلت: أما حديث أبي أمامة فقال جدي في "الواهية": في إسناده مسلمة بن علي، قال: قال ابن مَعين والنسائي: ليس بشيء، وتركاه (^٢).
وأمّا حديث أنس ففي إسناده درست بن زياد عن يزيد الرقاشي، وهما ضعيفان، قال ابن حبّان وابن معين: لا يحلّ الاحتجاجُ بحديثِ درست (^٣).
وأما الحديث الذي رواه ابنُ جرير الطبري عن ابن عباس فالعجب من ابن جرير مع معرفته بالأحاديث كيف أورد مثل هذا عن رسول الله ﷺ؟ ولم يشغله نزوع حديثه وروايته وقصده تبسط كتابه عن ذكر مثل هذه الألفاظ التي تنفر منها العقول السليمة وتقشعرّ منها الجلود، ومَن وقفَ على الحديث من "تاريخه" فهمَ ما قلت.
ثم هذا الحديث الذي رواه يعرف بحديث حذيفة بن اليمان، وقد ذكره جدي في "الموضوعات" فقال: حدثنا محمد بن ناصر بإسناده إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وحذيفة وابن عباس: أنهم كانوا جلوسًا ذاتَ يوم، فجاء رجلٌ فقال: إني سمعت العَجَبَ، فقال له حذيفة: وما ذاك؟ قال: سمعت رجالًا يقولون: يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم، فقال عليّ وابن عباس وحذيفة: كذبوا، الله تعالى أجلّ وأكرم أن يعذب على طاعته، فقال حذيفة: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ سئل عن ذلك فقال: "إنَّ الله لما أَبرَم خَلْقه فلم يبقَ مِن خَلْقه غيرُ آدم، خَلَق شمسين من نور عرشِه، فأمَّا التي كان في سابق عِلمه أن يَطمسها ويحوِّلها قمرًا فإنَّه خلقها دون الشمس في الضوء". قال جدي وذكر حديثًا طويلًا نحوًا من جزء،
_________________
(١) "تاريخ الطبري"١/ ٦٥ - ٧٥.
(٢) "العلل المتناهية"١/ ٤٦.
(٣) "العلل المتناهية" ١/ ٤٧.
[ ١ / ١٧٤ ]
وفيه: "أنَّ اللَّيلة التي تَطْلُع الشَّمسُ من مَغْرِبها في صبيحتِها (^١) ومعها القمر ثم يعادان".
ثم قال: وهذا حديث موضوع على رسول الله، ﷺ وفي إسناده ضعفاء ومجهولون. وعمر بن صبح كان يضع الأحاديث وذكر غيره (^٢).
قلت: والمنقول مثل هذه الألفاظ عن ابن عباس فلو وقفوه عليه كان أولى، وإنَّما رفعوه إلى رسول الله ﷺ، وحوشي منصبه الكريم عن مثله، وواضعه ما قصد به إلَّا شَيْنَ الشريعة، وإلَّا فمن أين في الدنيا مدينة يقال لها: جابرسا، لها عشرةُ آلاف باب، بين كل بابين فرسخ، وفي كلّ باب عشرة آلاف حارس، وما أشبه ذلك.
* * *
وأمّا الآثار: فروى مجاهد عن ابن عباس قال: للشمس ثلاث مئة وستّون مشرقًا ومغربًا، وكذا القمر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] (^٣) فأَمَّا قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ [الرحمن: ١٧] فإنما أرادَ مشرقَ كلِّ واحدٍ منهما ومغربه.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: لا تطلع الشمس كلَّ يوم إلّا وهي كارهةٌ تقول: يا إلهي لا تُطْلعني على عباد يَعْصُونك، حتَّى إنها لتقفُ عند الطلوع فيدفعها ثلاث مئة وستّون ملكًا حتى تطلع (^٤).
وذكر الثعلبي عن ابن عبّاس قال: تطلع الشمس كلَّ سنة في ثلاث مئة وستين كوّة، لا ترجع إلى تلك الكوّة إلى ذلك اليوم من العام القابل (^٥).
قلت: وفي الشمس دلائل ومنافع، فمن الدلائل:
أنها واحدة، ونورها يضيء على جميع العالم، كذلك البارئ ﷾ واحد
_________________
(١) جاء بعدها في "الموضوعات": "تكون بقدر ثلاث ليال، ولا يعرف طولها سوى المتعبدين فيستغيث بعضهم إلى بعض، وإن الشمس تطلع من مغربها".
(٢) "الموضوعات" (٢٩٠).
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢٣/ ٢٨٣ من طريق عكرمة.
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢٣/ ٢٨٣ من طريق عكرمة أيضًا.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
وهو يُدبِّر العالم.
والثاني: أنّ ذات الشمس مِنَّا بعيدة وضوءها قريب، كذلك الله ﷾ بعيد من الخلق بالذات قريبٌ بالإجابة.
والثالث: أنَّ ضوءَها غير ممنوع عن أحد، كذلك رزق الله تعالى لا يمتنع عن أحد.
والرابع: أنَّ كسوفَها دليل على وجود القيامة، وغروبها يدلُّ على ظلمتها.
والخامس: أنَّ السَّحاب يغطِّيها، وكذا المعاصي غطاء المعرفة.
فأمَّا منافعها فكثيرة:
أحدها: أنَّها سراج العالم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦].
والثانية: أنها طَبَّاخ لأطعمتهم من غير كلفة ومنضجٌ لثمارهم.
والثالثة: تسير من المشرق إلى المغرب لمصالحهم.
والرابعة: أنها لا تقف في مكان واحد لئلَّا تضرَّ بالخلق.
والخامسة: أنَّها تكون في الشتاء في أسفل البروج وفي الصيف في أعلاها لمنافع العالم.
والسادسة: أنها لا تجتمع مع القمر في سلطانه لئلَّا يُبْطِلَ كلُّ واحدٍ منهما ضوءَ الآخر.
فإن قيل: فهي في الفلك الرابع فلِمَ لم تحجبها السماوات ويحجبها الغيم؟ قلنا: السَّماوات جواهرُ لطيفةٌ شفّافة، والغيم كثيفٌ لأنَّه يتصاعدُ من الأرض. وقد حدَّ أفلاطون الشمس فقال: هي فلكٌ محشوٌّ نارًا يخرج منه اللَّهب.