قال علماء اللغة كالزّجاج والفراء والأصمعي وغيرهم: إنما سمي القمر: قمرًا لبياضه، والأَقْمَر الأبيض، وليلة قَمْراء أي: مُضيئة، قال ابن قتيبة (^١): يقال له في الليلة
_________________
(١) جاء بعدها في كنز الدرر" ١/ ٥٠: "والهلال أول ليلة، والثانية والثالثة، ثم هو قمر بعد ذلك إلى آخر الشهر، وتصغيره قمير، وجمعه أقمار".
[ ١ / ١٧٦ ]
الرابعة عشرة: بدر، لتمامه، ومنه البَدْرَة، وكل شيء تمَّ فهو بدرٌ مجازًا، وفي القمر حقيقة (^١).
وقال الجوهري: إنما سمي بدرًا لمبادرته الشمس بالطلوع، كأنه يُعْجِلها المغيب (^٢).
وقال الفرّاء: هو في أول ليلة هلال ثم قمير ثم قمر ثم بدر.
حديث ضُرب المثل به: قال البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال الناس: يا رسول الله، هل نَرَى ربَّنا يومَ القيامة؟ فقال: "هَلْ تُمارُون في القَمَر ليلةَ البَدْر ليسَ دونَه سَحَاب؟ " قالوا: لا، قال: "فَهَل تُمارُون في الشَّمسِ ليس دونَها سَحَاب؟ " قالوا: لا، قال: "فإنَّكم ترَونَه كذلك". أخرجاه في "الصحيحين (^٣) ". وهو حديث طويل. وقد رواه جماعة من الصحابة بأَلفاظٍ مختلفة (^٤).
فإن قيل: فهلا ضُرب المثل بالشمس وهي أضوأ وأتمُّ نورًا فإنَّ نور القمر منها، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن نور الشمس يغلبُ على الأبصار فلا تتمكَّن من النظر، فيفوت المقصود، بخلاف القمر فإنَّ العيون تتمكن من النظر إليه.
والثاني: لأنَّ من انكسر لأجل الحقِّ سبحانه فعليه جبره، ولما طَمَس جبريل ضوءَ القمر بجناحيه انكسر قلبه لأنه كان يضاهي ضوءَ الشمس، فجبره الله تعالى بشيئين: أحدهما: أنه جَعَل العيون تنظر إليه في الدنيا في أوّل كلّ شهر، والثاني: أنه أمر نبيَّه ﷺ بأن يضرب به المثل في أَعظم الأشياء وأعلاها.
فإنْ قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قلنا: إننا لا ندَّعي أنَّ الأبصار تدركه بمعنى تحيط به، وإنما المدرَك
_________________
(١) "أدب الكاتب" ص ٨٨ - ٨٩.
(٢) "الصحاح": (بدر).
(٣) البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢).
(٤) منها ما أخرجه البخاري (٤٥٨١) ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وانظر للتوسع كتاب "الرؤية" للدارقطني.
[ ١ / ١٧٧ ]
نفسُ النظر، لأنّ الباري سبحانه يستحيل عليه الحدود.
وفي القمر فوائد منها: أنَّه سراج للخلق بالليل ومعجزةُ نبيِّنا ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقدَّرهُ منازل ليُعْرَفَ بها المواقيت، ومحا من نوره تسعة وتسعين جزءًا لقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ولولا ذلك لانبسط الناس في معاشهم ليلًا ونهارًا فآذى الحريصَ كدُّه.
وقد ذكر الطبري معنى هذا عن علي ﵁ فقال: حدثنا ابن حميد بإسناده عن أبي الطفيل قال: قال ابن الكوَّاء لعلي: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾ فهذه مَحْوُهُ (^١).
وفيه عيوب: منها أن النَّوم فيه منكشفًا يورث البرص، ومنها: أنه يبلي الكتَّان، إلى غير ذلك.
وقيل: إنَّ نوره من الشمس، وهو الظاهر.