قال علماء اللغة: إنما سميت الأرض أرضًا؛ لأنَّ الأقدام تدقّها وترضّها. وقال الجوهري: الأرض مؤنثة، وهي اسم جنس، وجمعها أَرَضون، وقد تجمع على أُرُوض، وأما قول ابن عباس: أَزُلْزِلَتِ الأرضُ أَم بيَ أَرْضٌ؟ فإنَّما أراد الرِّعْد والنَّفْضَة (^٢).
وروى أبو إسحاق الثعلبي عن ابن عباس قال: أولُ ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السموات، ثم خلق النون وهو الحوت الذي يحمل الأرضَ، فبسطَ الأرض على ظهره، فتحرك النون فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرضِ، ثم قرأ ابن عباس ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] (^٣).
واختلفوا في اسمم هذا الحوت؛ فقال الكلبي ومقاتل: بهموت (^٤). وقال أبو اليقظان والواقدي: ليوثا، وروي عن علي ﵁ أنه بلهوت؛ قال الراجز:
ما لي أراكمْ كلَّكُم سُكوتا … واللهُ ربِّي خلَق البلهوتا (^٥)
وقال الثعلبي أيضًا: قالت الرواة: لما خلق الله تعالى الأرض وفَتَقها بعث من تحت العرش ملكًا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب، باسطتين قابضتين على الأرضين السبع حتى ضبطها، فلم يكن لقدمه موضع قرار، فاهبط الله تعالى من الفردوس ثورًا وجعل قرارَ قدَمَي المَلَك على سنامه فلم تستقرَّا، فأَحدَرَ الله ياقوتةً حمراء من الفردوس غلظها مسيرة خمس مئة عام، فوضعها على سنام الثور فاستقرَّت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور هي أربعون ألف قرن خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس
_________________
(١) انظر "كنز الدرر" ١/ ٨١.
(٢) "الصحاح" (أرض).
(٣) أخرجه الطبري في "تاريخه" ١/ ٥١.
(٤) ضبطه الألوسي في "روح المعاني" ٢٩/ ٢٣: بفتح الياء المثناة التحتية ولكون الهاء.
(٥) أورده القرطبي في "تفسيره" ١٨/ ٢٢٤، وفيه: "البهموتا".
[ ١ / ٣٩ ]
كلَّ يوم نفسًا، فإذا تنفس مدَّ البحر، وإذا ردَّ نفَسَه جزر، فلم يكن لقوائمه موضع قرار، فخلق الله صخرةً خضراء كغلظ السموات والأرض، فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ الآية [لقمان: ١٦] فلم يكن للصخرة مُستَقرٌّ، فخلقَ الله نونًا -وهو الحوت العظيم-، فوضع الصخرة على ظهرِهِ وسائرُ جسدِهِ خال، والحوتُ على البحر، والبحرُ على متنِ الريح، والربح على القدرة تقلُّ الدنيا كلها بما عليها، قال لها الجبار سبحانه: كوني، فكانت (^١).
وقد روى أبو بكر الخطيب بمعناه عن ابن عباس، فقال بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس، وفيه: وكانت الأرضُ تمورُ مورًا تتكفَّأ، كما تتكفأ السفينة، فبعث الله تعالى جبريل، فلم يقدر أن يسكِّنها، فقال: يا إلهي، قد علمتَ أنك لم تقدِّر ذلك على يدي، ولو بعثتَ بعوضةً لسكنتها، قال: فأرسل الله ﷿ ملكًا من تحت العرش، فدخل تحت الأرض وذكره.
وفيه: وقرونُ ذلك الثورِ خارجةٌ من أقطار الأرض قد اشتبكت بأقطار السموات إلى العرش، ومنخرا الثور في ثقبين من تلك الصخرة، فهو يتنفس كل يوم نفسين، فإذا تنفس مدَّ البحر وإذا ردَّ نَفَسه جزرت البحار.
وفيه: واسم الحوت بلهوت، فانتهى إبليس إلى الحوت فقال: ما خلق الله خلقًا أعظم منك، فَلِمَ تحملُ هذه الأَثقال؟ فهم أن يلقي ما عليه، فبعث الله تعالى بَقَّةً فدخلت في عينه فشغلته عن ذلك، ثم أنبت الله جبل قاف من تلك الياقوتة الخضراء فأحاط بالدنيا، ثم أنبتَ منه الجبال وشبك بعضها ببعض بعروقه كالشجر في الأوتاد، فإذا أراد الله أن يزلزل أرضًا أوحى إلى قاف فحرَّكَ ذلك العرق، وهو حديث طويل اختصرته. وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في كتابه المعروف بـ "كتاب الزلازل".
وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار: أنَّ إبليسَ تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها فوسوس إليه: أتدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والدوابّ والشجر والجبال وغيرها؟ ولو نفضتهم لاسترحت، فهمَّ لوثيا أن يفعل ذلك فبعث الله إليه دابةً
_________________
(١) انظر "عرائس المجالس" ص ٥ - ٦.
[ ١ / ٤٠ ]
فدخلت في منخره ووصلت إلى دماغه، فضج الحوت منها إلى الله تعالى، فأَذِنَ لها فخرجت؛ قال كعب: فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن همَّ بشيء من ذلك عادت إليه كما كانت، فلا يزالُ كذلك إلى يوم القيامة (^١).
وروى الحافظ أبو القاسم أيضًا في "كتاب الزلازل" عن أنس عن النبي ﷺ قال: "أُسِّست السمواتُ السبع والأرضون السبع على ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^٢).
قلت: ولا يصحُّ هذا عن رسول الله ﷺ إنما هو موقوف على أنس (^٣).
وذكر ابن قتيبة في "المعارف" عن الثوراة، وقال في السِفر الأول منها: خلق الله السمواتِ وآدمَ وحواء. وذكر ألفاظًا شنيعةً منها: أن الله تعالى يخلق بشرًا على صورته وما أشبه هذا (^٤)، والله تعالى منزَّه عن الصورة لأنَّه ليس بجسم، وإن صحَّ في الأخبار حديثُ الصور (^٥) فَيُحْمَلُ على الصفة، وهو اللائق بالله ﷾.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون بإسناده عن النبي ﷺ: "لما خلَق الله الأرضَ جَعَلَت تميلُ، فخلَق الجبال وألقاها عليها فاستقرَّت، فتعجبت الملائكةُ من خلْقِ الجبال، فقالت: يا رب، هل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الجبالِ؟ قال: نعم، الحديدُ، قالت: يا رب، هل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الحديدِ؟ قال: نعم، النارُ، قالت: يا رب، فهل من خلقك شيءٌ أشدُّ من النار؟ قال: نعم، الريحُ، قالت: يا رب،
_________________
(١) "عرائس المجالس" ص ٦.
(٢) أورده السيوطي في "الجامع الصغير" (١٠٢٠) وعزاه لتمام في "فوائده" وفيه موسى بن محمَّد بن عطاء، وهو متهم بالكذب. انظر "الميزان" ٤/ ٢١٩.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢٤/ ٧٣٨، وأبو الشيخ في "العظمة" (٨٩٦)، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٣٨٣ من حديث كعب الأحبار قولَه. قال الألوسي في تفسيره ٢٩/ ٢٤: وللقصاص في هذا الفصل روايات لا يعول عليها، ولا ينبغي الإصغاء إليها.
(٤) "المعارف" ص ٩ - ١١.
(٥) أخرجه الحارث كما في (بغية الباحث ٨٧٢)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٥١٨)، والطبراني في "الكبير" (١٣٥٨٠) من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن". وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ١٠٦ وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن إسماعيل الطلقاني، وهو ثقة وفيه ضعف. وانظر الكلام عليه في "فتح الباري" ٥/ ١٨٣.
[ ١ / ٤١ ]
فهل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الريحِ؟ قال: نعم، ابنُ آدم، يتصدَّقَ صدقة بيمينه، ثم يخفيها عن شماله". وقد أخرجه الترمذي (^١) في "جامعه" وذكره، وهذا الحديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
* * *
_________________
(١) أحمد في "مسنده" (١٢٢٥٣)، والترمذي (٣٣٦٩) من حديث أنس بن مالك ﵁، وهو حديث ضعيف.
[ ١ / ٤٢ ]