قال علماء اللغة: أصل الجن من الاستتار، ومنه: الجنين، لأنه مستتر في بطن أمه.
وقال الجوهري: إنما سموا بذلك لأنهم لا يُرون (^١). قال الجوهري (^٢) أيضًا: الشيطان كلُّ عاتٍ متجبر من الجنّ والإنس والدواب، ومَن بَعُدَ غَورُهُ في الشرِّ.
واختلفوا في اشتقاقه على قولين، أحدهما: مِنْ شَطَنَ، أي: بَعُدَ عن الخير. والقول الثاني: أنه من شاط يشيط إذا احترق، ومنه شاطت القِدر.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "خُلِق الجانُّ من مارجٍ من نار" (^٣).
وقد فسَّره ابن عباس فقال: المارجُ هو لسانُ النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت (^٤).
وقال الجوهري: المارجُ نارٌ لا دخانَ لها خُلِقَ منها الشيطان (^٥).
واختلفت الرواية عن ابن عباس: هل الجانُّ إبليس أم غيره؟
فروى عنه عكرمة أنه قال: إبليس أصل الجانِّ والشياطين، وهو أبو لكلِّ.
وروى مجاهد عنه أنه قال: الجانُّ اسمه سُومان، وهو أبو لجنّ كلّهم كما أن آدم أبو لبشر.
وروى سعيد بن جبير عنه أنه قال: هذا الفن خمسة أنواع: جانٌّ، وجنٌّ وشيطان، وعفريت، ومارد، وأضعفها الجانُّ وهو مسيخ الجنِّ، كما أن القردة والخنازير مسيخ الإنس، وأقواها المارد (^٦).
_________________
(١) "الصحاح": (جنن).
(٢) في (ل): وأما الشيطان فقال الجوهري. وانظر "الصحاح": (شطن).
(٣) أحمد في "مسنده" (٢٥١٩٤).
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢٧/ ١٢٦.
(٥) "الصحاح": (مرج).
(٦) جاء بعدها في (ب): "وأضعفها الجن".
[ ١ / ١٤٧ ]
وقال الحسن البصريّ: الشياطين أولاد إبليس، لا يموتون إلا معه، والجنّ يموتون قبله.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خلق الله الجانَّ قبل آدم بألفي سنة. وقد روي مرفوعًا والموقوف أصح.
وحكى السدي عن أشياخه قالوا: في الجنِّ: المؤمن والكافرُ والقدريةُ والمعتزلة والجهمية والشيعة وجميع الفرق.
وحكى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: هم على أصناف، على صور الحياتِ والعقارب والأُسد والذئاب والثعالب ونحوها.
وقال الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة: الحيةَ والعقرب". ورواه أبو داود، وفيه: أمر رسول الله ﷺ بقتلهما (^١).
قلت: وعامة العلماء على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة، وكرهه إبراهيم النخعي لأنه عمل كثير، وقد روي أن النبي ﷺ أمر بأن يُؤْذَنوا قبل قتلهم، فقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه بإسناده عن جرير بن عبد الله قال: أمر رسول الله ﷺ أصحابه إذا ظهروا في مكان أن يُؤذَنوا بالانصراف قبل قتلهم (^٢). يقال: خلِّ الطريق ومرَّ بإذن الله، يعني إذا تصور الجنُّ في صورة الحيّات والعقارب.
وقال ابن أبي ليلى: الحية البيضاء التي تمشي مستويةً هي الجانُّ، فتلك التي تُنذر قبل قتلها، أما غيرها فلا تنذر بل تقتل.
قال أبو جعفر الطحاوي: والمختار عند أصحابنا: قتل الجميع بغير إنذار، لحديث أبي هريرة الذي روينا، فإنه مطلق في حقِّ الكلّ، قال: لأنه بلغنا أنَّ النبي ﷺ عهد ليلةَ
_________________
(١) الترمذي (٣٩٠)، وأبو داود (٩٢١)، وهو عند أحمد في "مسنده" (٧١٧٨).
(٢) حديث إيذان حيات البيوت قبل قتلهن ليس هو من حديث جرير بن عبد الله، ولم نقف عليه في "مسند أحمد"، والحديث مروي عن أبي سعيد الخدري عند مسلم (٢٢٣٦) مطولًا وفيه قصة، ثم قال رسول الله ﷺ: "إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان". وأخرجه أيضًا أحمد في "مسنده" (١١٣٦٩).
[ ١ / ١٤٨ ]
الجنّ وأكد عليهم العهودَ والمواثيقَ أنهم لا يدخلون بيوتَ أمَّته ولا يظهرون، فإن ظهروا قُتلوا، فإذا ظهروا فقد نقضوا العهدَ فيجب قتلهم. ولكن الأولى هو الإنذار عملًا بالروايات كلها، فإن لم يرجع قتله.
وروى عروة أن عائشة ﵁ قتلت حيّةً فأُتيتْ في منامها فقيل لها: أقتلتِ مسلمًا؟ فقالت: لو كان مسلمًا لما دخل بيوتَ أزواج رسول الله ﷺ، فقيل لها: هل كان يدخلُ عليكِ إلّا وعليكِ ثيابك؟ فأصبحتْ فزعة، فتصدقت باثني عشر ألفًا (^١).
وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الكلابَ من ضعفاء الجن، وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "الكلب الأسود شيطان"، انفرد بإخراجه مسلم (^٢)، وفيه: الكلب الأسود البهيم.
وبهذا الحديث يحتجُّ أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه: أنّ الكلبَ الأسود البهيم يقطعُ الصلاة، وهو قول أهل الظاهر.
وروي عن أحمد أنه قال: الذي لا أشك فيه أن الكلب البهيم يقطعُ الصلاة، ويروى عن معاذ وطاووس ومجاهد، قال أحمد: وفي نفسي من المرأة والحمار شيء.
وعند أهل الظاهر يقطع الصلاةَ مرورُ الكل.
قلت: ومذهب أصحابنا ومالك والشافعي وعامة الفقهاء أنه لا يقطع الصلاةَ مرورُ شيء من ذلك، لقوله ﵇: "لا يقطعُ الصلاةَ مرورُ شيء" (^٣)، وحديث أبي ذرّ لا حجَّة فيه وقد بيَّنا هذا في "شرح البداية".
وقال الحسن البصري: الجن ثلاثة أصناف: صنف في البرّ، وصنف في البحر، وصنف في الهواء.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: هم أربعون جيلًا، كلُّ جيل ست مئة ألف، وهم مأمورون ومنهيون.
_________________
(١) أورده ابن عبد البر في "الاستذكار" ٨/ ٥٢٦، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٦٦).
(٢) أحمد "مسنده" (٢١٣٢٣)، ومسلم (٥١٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٧١٩) من حديث أبي سعيد ﵁.
[ ١ / ١٤٩ ]
واختلفوا هل بعث فيهم نبيٌّ أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه بعث إليهم نبي اسمه يوسف، لقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] فعلى هذا هم يُحشرون ويحاسبون.
والقول الثاني: أنه لم يبعثْ فيهم نبي وإنما كان فيهم النذر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، قاله مجاهد. وقال الضحاك والكلبي: كانت الرسل قبل محمد ﷺ يبعثون إلى الإنس والجنِّ جميعًا.
* * *
[ ١ / ١٥٠ ]