أظهر الله سبحانه في السماء دلائل على ربوبيته ووسائل إلى قدرته:
منها: أنه جعلها سقفًا مرفوعًا لتكونَ ظلًّا.
ومنها: أنها بغير عمد تحتها ولا علاقة فوقها.
ومنها: سعتها والنفع بزيادة التصرف فيها وكونها زينةً للناظرين.
ومنها: استواؤها ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ﴾ [الملك: ٣، ٤] بالنظر والاستدلال، وقيل: بالنزهة والاعتبار.
ومنها: لونُها الذي لم يتغير على مرورِ الزمان وتقلُّبِ الحَدَثان، ثم هو أحسنُ الألوان، وأقوى للبصر، وأحدُّ للنظر، والأطباءُ إنما يأمرون بإدمان النظر إلى الخضرة ليقوى البصر. وقيل: هي بيضاء ولكنْ مِن بُعدِها تُرى خضراء.
ومنها: إمساكها بيد القدرة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١].
ومنها: أنها ظلٌّ لبني آدم لقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ [الطور: ٥].
ومنها: أن الخلقَ يضعونَ الأساسَ أوَّلًا ثم السقفَ بعد ذلك، والله تعالى أفعاله خلاف أفعالِ العباد.
ومنها: أن بناءَ أهلِ الدنيا تحته أوسعُ من الفوق، وبناءُ الله على ضدِّه.
ومنها: أن بناءَ الخلقِ ينهدمُ على طول الأيام، وبناءُ الله تعالى لا ينهدم ولا يتغير ولا يسقط منه شيء.
إذا عرفنا هذا قلنا: قال الجوهري: كل ما علاك فأَظلَّكَ فهو سماء، ومنه قيل: لسقف البيت سماء، ويقال للسحاب: سماء، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ويسمَّى المطرُ: سماء، قال الشاعر:
_________________
(١) انظر "كنز الدرر" ١/ ٣٠.
[ ١ / ١٥٧ ]
إذا نزلَ السماءُ بأرضِ قوم … رَعَيناهُ وإنْ كانُوا غِضَابا
هذا كلام الجوهري (^١).
وقال الفراء والزجَّاج: لفظُ السماواتِ واحدٌ ومعناه الجمع، بدليل قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (^٢) [البقرة: ٢٩].
وقال أبو حنيفة أحمد بن داود الدِّينوري في "كتاب الأنواء" في السماوات: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال في موضع آخر: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قلت: وما ذكروه من معنى السموّ والارتفاع والمطر وغيره فإنما هو مجاز، أما الحقيقة، فيرادُ به السماءُ المعروفة.
وقد ورد في السماء أخبارٌ وآثار:
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنِّي أرى ما لا تَرَوْن، وأَسمعُ ما لا تَسْمَعون: أَطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أنْ تَئِطَّ، ما فيها مَوضعُ أربعِ أصابعَ إلا وعليه مَلَكٌ ساجدٌ" (^٣).
قال الجوهري: الأطيط: صوتُ الرَّحْلِ والإبل من ثِقَل أحمالها (^٤).
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله خَلْقَ المخلوقات خلق الماء فثار منه دخان، فارتفع فخَلَقَ منه السماء وجعلها سماءٌ واحدة، ثم فتقها فجعلها سبعًا ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] أي ما قَدَّرَ أنْ يكونَ فيها من الملائكة والنجوم وغير ذلك.
وروى عنه عكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] قال: الفروج: الشقوق وكذا الفطور، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (^٥):
_________________
(١) "الصحاح": (سما)، والبيت لمعاوية بن مالك، وانظر "المفضليات" ص ٣٥٩.
(٢) انظر "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٠٧.
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢١٥١٦).
(٤) "الصحاح": (أطط).
(٥) البيت في "الأغاني" ٩/ ١٥١.
[ ١ / ١٥٨ ]
شَقَقْتِ القلبَ ثم ذَرَرْتِ فيه … هواكِ فَلِيمَ فالْتَام الفطورُ
وقال الربيع بن أنس: السماءُ الأولى من مَوج مكفوف، والثانية من صخرة، والثالثة من حديد، والرابعةُ من صُفْر أو نحاس، والخامسةُ من ذهب، والسادسة من فضة، والسابعة من الياقوت الأحمر (^١).
وروى الوالبيُّ عن ابن عباس قال: الأولى من زمردة خضراء، والثانية من فضة، والثالثة من ذهب، والرابعة من لؤلؤ، والخامسة من الياقوت، والسادسة من المرجان، والسابعة من النور. قال: وأما سماءُ الدنيا فهي الرقيع، وقال أبو حنيفة الدِّينَوري: الرقيعُ اسمُ علمِ للسماء، وفي الحديث: "من سبعة أرقعة" (^٢).
وقال مقاتل: والثانية ركماء، والثالثة جوفاء، والرابعة طرفة، والخامسة أدماء، والسادسة عروبين، والسابعة عروبًا.