قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: بلغنا أن لإبليسَ أولادًا كثيرين، واعتماده على خمسةٍ منهم: ثَبْر والأَعور ومِسْوَط وداسم وزَلَنْبُور.
وقال مقاتل: لإبليس ألفُ ولدٍ، ينكح نفسه ويلدُ ويبيضُ كلَّ يوم ما أراد (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد في "الزهد" ص ١٩٦.
(٢) أخرجه ابن الجوزي في "ذم الهوى" ص ١٧٦ - ١٧٧، و"تلبيس إبليس" ص ٢٧ من طريق عبد الله بن أحمد.
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" (١٢٥٣٦).
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٣٦٦)، ومسلم (٢٨١٢).
(٥) صحيح مسلم (٣٨٨).
(٦) قال ابن الجوزي في المنتظم ١/ ١٧٩: وهذا من أبعد الأقوال.
[ ١ / ١٥٤ ]
وقال كعب الأحبار: ومِن أولاده المُذْهَب وخَنْزَب وهفاف ومُرَّة والولهان والمتقاضي.
فأما ثَبْر: فصاحب المصائب، يأمر بلطم الخدود وشقِّ الجيوب ودعوى الجاهلية.
وأما الأعوَر: فصاحب الزنا يُزينه إلى الذكور والإناث.
وأما مِسْوَط: فصاحب الكذب والنميمة.
وأما داسم: فيري الرجلَ عيوبَ أهله فيبغِّضهم إليه.
وأما زَلَنْبُور: فيركز رايته في الأسواق ويأمرهم بالتطفيف والخيانة.
وأما المُذْهَب: فموكل بالعلماء يردُّهم إلى البدع.
وخَنْزَب: موكَّل بالمصلين يلقي عليهم النوم والسبات، وقد روي في خَنْزَب حديث فقال أحمد بإسناده إلى أبي العلاء بن الشخِّير، أن عثمان بن أبي العاصي الثقفي قال: يا رسولَ الله، حال الشَيطانُ بَيني وبينَ صَلاتي وبينَ قراءتي، قال: "ذاك الشَّيطانُ يقالُ له: خَنْزَب، فإذا أَحْسَسْته فتعوَّذْ بالله منه، واتفُلْ على يَساركَ ثلاثًا" قال: ففعلتُ ذلك فأذهبه الله عني. انفرد بإخراجه مسلم (^١).
وهفاف: صاحب الخمرة.
ومُرَّةُ: صاحب اللواط.
والولهان: يوسوس في الوضوء، وقد ورد فيه حديث، قال الترمذي بإسناده عن أبيِّ بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ للوُضُوءِ شَيطانًا يَقال له: الوَلْهان، فهو وَسْواسُ الماءِ" إلا أن هذا الحديث فيه مقال، قال الترمذي: هذا الحديثُ ليس بالقويّ، لا نعلم أحدَّا أَسنده غير خارجة بن مصعب، وخارجةُ ليس بالقويّ عند أصحابنا (^٢).
وذكره جدي ﵀ في "الواهية (^٣) ".
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٧٨٩٧)، ومسلم (٢٢٠٣).
(٢) الترمذي (٥٧)، وفيه: "فاتقوا وسواس الماء".
(٣) "العلل المتناهية" (٥٦٧).
[ ١ / ١٥٥ ]
وأما المتقاضي: فإن الإنسانَ إذا عمل عملًا في السرِّ تقاضاه حتى يتحدث به في العلانية.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أول دينار وجد في الأرض أخذه إبليس وقبَّله ووضعه على عينيه، وقال: أنت قرة عيني وثمرة فؤادي، لا أبالي بابن آدم، إذا أحبَّك هو عبدي حقًّا. وقد رواه عكرمة عن ابن عباس وقال فيه: فوضع الدينار في يده اليمنى والدرهمَ في اليسرى وقال: سمَّيتكما نَجيحًا ومُنْجِحًا.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد العزيز بن رفيع قال: بلغني أنه إذا عُرِجَ بروح المؤمن إلى السماء تقول الملائكة: سبحان الله مَن نجَّى هذا العبدَ من الشيطان؟ أو: يا ويحه كيف نجا (^١)؟.
حدثنا أبو اليمن الكندي بإسناده عن الحسن قال: جاء إبليس إلى حكيم فقال له: ويحك لِمَ تُضِلُّ الناس؟ فقال له: إلى ها هنا انتهتْ حكمتك؟ وهل أقدرُ على إضلال من خلقه الله سعيدًا؟ قال فبينما هو يحدثه إذ مرّت امرأة بيدها جرَّةُ عسل، فوقعت فانكسرت، فجلس الناسُ يلعقونَ العسلَ ويلعنون إبليس، فقال إبليس للحكيم: انظر إلى جهلهم يأكلون العسل ويلعنونني، فإن نسبوه إلى فعلي كفروا حيث جعلوا الحكم لي، وإن كان فعلَ الله فما ذنبي؟
وبه: قال الحسن: كان عابدٌ في بني إسرائيل جليل القدر في زمان عيسى ﵇، وكان مجتهدًا في العبادة، فاجتهد إبليس أن يفتنهُ فلم يقدر عليه، فجاءه في ليلة كثيرةِ المطر والثلج، فوقف تحت صومعته وناداهُ يا راهبُ، فقال: من أنت؟ فقال: عيسى بن مريم، افتحْ لي، ما ترى هذا البرد؟! فقال: لا حاجةَ لي بلقائك، إنك أمرتنا أن نعبدَ الله وحده ونبالغَ في العبادة وإن موعدنا يوم القيامة، فاذهبْ فلا تشغلني عن العبادة، ولم يفتح له.
وسنذكر من أخبار إبليس طرفًا في قصة آدم ﵇، إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) الزهد ص ٢١٠.
[ ١ / ١٥٦ ]