اختلفوا في اشتقاقه، قال علماء التفسير: اشتقاقه من الإبلاس وهو الإياس، وإبليس قد يئس من رحمة الله، قال الجوهري: يقال أَبْلَس فلان إذا سكت غمًّا.
واختلفوا في اسمه، فقال الجوهري: كان اسمه عزازيل (^٢). وهو قول ابن عباس، وروي عن ابن عباس أن اسمه: الحارث.
واختلفوا في كنيته على قولين: أحدهما: أبو مرة، والثاني: أبو الغمر.
واختلفوا هل كان من الملائكة أو من الجنِّ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه كان من الملائكة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثاني: أنه كان من الشياطين، قاله الحسن البصري، قال: ولم يكن من الملائكة قط، واحتج بقوله تعالى: ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
الثالث: أنه لا من الملائكة ولا من الجن، بل هو خلق مفردٌ خلقه الله تعالى من النارِ كما خلق آدمَ من الطين، قاله مقاتل (^٣).
وقد رجَّحَ علماءُ التفسير قول ابنِ عباس أنه كان من الملائكة، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤، الكهف: ٥٠] وهذا استثناء متصلٌ، فدلَّ على أنه منهم.
وأما قول الحسن: إنه كان من الجن، وما احتجَّ به من الآية فقد فسَّره ابن عباس وقال: أشرافُ الملائكةِ وأكرمهم يقال لهم: الجنُّ، لأنهم استتروا عن أعين الملائكة لشرفهم، وكان إبليس منهم، قال: وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا وسلطانُ الأرض، وكان يسمَّى: طاووسَ الملائكةِ، وليس في سماء الدنيا مكانٌ إلا وقد سجد عليه، ولما عصتِ الجنُّ في الأرض بعثه الله في طائفةٍ من الملائكة فطردوهم إلى الجزائر وأطرافِ
_________________
(١) انظر "كنز الدرر"١/ ٢٤٤.
(٢) "الصحاح": (بلس).
(٣) أخرجه أحمد في "الزهد" ص ٩٦. وانظر "تلبيس إبليس" ص ٢٧.
[ ١ / ١٥١ ]
الجبال فاغترَّ في نفسه، وقال: مَنْ مِثلي. ولم يسجد لآدم، فمسخه الله تعالى شيطانًا.
قلت: وظاهر الآيات يقتضي التعارض فينبغي التوقف، وقد قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وإذا كان مخلوقًا في الأصل من النار، فكيف يُخْلَقُ من النور، لأن الملائكة خُلِقوا من النور لما نذكر.
وذكر أبو جعفر الطبري (^١): أن إبليس بُعِثَ حاكمًا في الأرضِ، فقضى بين الجنِّ ألفَ سنة، ثم عرَج إلى السماء فأقام يتعبّد حتى خُلِقَ آدم.
وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين يعملون في الأرض بالفساد، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.
وقال قتادة: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] خرج عن طاعته، والفسقُ الخروج، من قولهم: فسقتِ الرُّطَبة إذا خرجتْ من قشرها.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن ثابت البناني قال: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى ﵇، فرأى عليه معاليقَ من كل شيء، فقال له: ويحكَ ما هذه المعاليق؟ فقال: الشهواتُ التي أُصيبُ بها بني آدم، قال: فهل لي فيها من شيء؟ قال: ربما شبعتَ فتثقلُ عن الصلاة وتُغْلَبُ على الذكر، فقال يحيى: فللَّه عليَّ أن لا أملأَ بطني من طعام أبدًا. فقال إبليس: ولله عليَّ أن لا أنصحَ مسلمًا أبدًا (^٢).
وبه، قال ابن عباس: قال: كان إبليس يأتي يحيى بن زكريا طمعًا أن يفتنه، وعرف ذلك يحيى منه، وكان يأتيه في صور شتَّى، فقال له: أحبُّ أن تأتيني في صورتك التي أنت عليها، فأتاه عليها فإذا هو مشوَّه الخلق كريهُ المنظر، جسدُهُ جسدُ خنزير، ووجههُ وجهُ قرد، وعيناه مشقوقتان طولًا، وأسنانُه كلُّها عظمٌ واحد، وليس له لحية، ويداه في منكبيه، وله يدان أخريان في جانبيه، وأصابعه حلقة (^٣) واحدة، وعليه لباس المجوسِ واليهود والنصارى، وفي وسطه مِنْطَقةٌ من جلودِ السباع فيها كيزان معلَّقة، وعليه جلاجل، وفي يده (^٤) جرسٌ عظيم، وعلى رأسه بيضةٌ من حديد معوجة كالخُطَّاف،
_________________
(١) في تاريخه ١/ ٨٨، وانظر ١/ ٧٩ - ٨٨، والمنتظم ١/ ١٧٦ - ١٧٩، وكنز الدرر ١/ ٢٤٤ فما بعدها.
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وانظر تلبيس إبليس ٢٧.
(٣) في (ل) و(ب): يدان أخراواتان خلقه، والمثبت من (ط).
(٤) في (ب): "وسطه".
[ ١ / ١٥٢ ]
فقال يحيى: ويحك ما الذي شوَّه خلقتك؟ فقال: كنتُ طاووس الملائكة فعصيتُ الله فمسخني في أخسِّ صورة، وهي ما ترى، قال: فما هذه الكيزان؟ فقال: شهوات بني آدم، قال: فما هذا الجرس؟ قال: صوت المعازف والنوح، قال: فما هذه الخطاطيف؟ قال: أخطف (^١) بها عقولهم، قال: فأين تسكن؟ قال: في صدورهم وأجري في عروقهم (^٢)، قال: فما الذي يعصمهم منك؟ قال: بغضُ الدنيا وحب الآخرة (^٣).
وقال جدي ﵀ بإسناده إلى عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فجاءَ رجلٌ أقبحُ الناسِ وجهًا وثيابًا وأنتنهم ريحًا، حافيًا يتخطَّى رقابَ الناس، فجلس بين يدي النبي ﷺ فقال: مَنْ خلقك؟ قال: "اللهُ"، قال: فمن خلق السماء والأرض؟ قال: "اللهُ"، قال: فمن خلق الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "هذا إبْليسُ جَاء يُشكككم في دينكم" (^٤)، قال جدّي: هذا حديث لا أصلَ له، وفي إسناده عبد الله بن جعفر، ضعيفٌ يتهم في الأحاديث.
وروي عن أبي الحسين ابن المنادي قال: يجيء الشيطان الذي يقال له: القَرْقَفَنَّة (^٥) في صورة طائر، وفي رواية: يجيء الشيطان في صورة طائر يقال له: القَرْقَفَنَّة، فيخفق بجناحيه على عينِ الرجل الذي يقرّ أهله على الفاحشة فلا يُنكرها بعد ذلك.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن جابرِ بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "يَضعُ إبليسُ عَرشَهُ على الماءِ، ثم يبعثُ سراياه، فأَدناهُم عنده مَنزلةً أعظَمُهم فِتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعْتَ شيئًا، ويجيء أحدُهم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبينَ أهلِه، فيُدْنيه منه ويلتزمُه ويقول: نعمْ، أنْتَ أنْتَ" انفرد بإخراجه مسلم (^٦).
وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن ابن مسعود: إن الشيطان إذا طاف بأهل
_________________
(١) في (ب): وأختطف.
(٢) في (ب): "عقولهم".
(٣) انظر "عمدة القاري" ١٥/ ١٦٨.
(٤) "العلل المتناهية" (١).
(٥) في (ل) و(ب): "القرقية"، والمثبت من "النهاية في غريب الحديث" ٢/ ٤٦٥ ومصادر اللغة.
(٦) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٣٧٧)، ومسلم (٢٨١٣) (٦٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
مجلسِ ذِكرٍ ليفتِنَهم فلم يقدرْ على التفرقةِ بينهم، فأغرى بين مجلس آخر فاقتتلوا، فقام أهل الذكر فحجزوا بينهم حتى تفرقوا (^١).
وذكر عبد الله أيضًا عن قتادة قال: إن لإبليس شيطانًا يقال له: قبقب، يجمّه أربعين سنة، فإذا دخل الغلامُ في هذه الطرق قال له: دونك وإيّاه، فإنما أجممتك لمثل هذا، أَجْلبْ عليه وافتنه (^٢).
وقال أحمد بإسناده عن أنس بن مالك: إن رسول الله ﷺ قال: أوّلُ من يُكْسَى حلةً من النَّار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويَسحبُها من خلفِه، وذريتُه من بَعدِه، وهو يُنادي يا ثُبُوراه، وينادون: يا ثُبُورَهم، حتى يقفُوا على النّارِ فيقول: يا ثبُورَه، ويقولون: يا ثبورَهم، فيقالُ لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤﴾ [الفرقان: ١٤] أخرجه أحمد في "المسند" (^٣)، والثبُور: الهلاك والخسران.
وقال أحمد بإسناده عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الشَّيطانَ قد يَئِسَ أنْ يَعْبُدَه المُصَلُّونَ، ولكنْ في التَّحريشِ بَينَهم" انفرد بإخراجه مسلم (^٤). ولمسلم، عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أَذَّنَ المؤذنُ هَرَبَ الشَّيطانُ حتى يكونَ بالرَّوْحاءِ" من المدينةِ ثلاثونَ ميلًا (^٥).