فصل في جزائر البحر الشرقي: وهي أبلغ من أن تحصى، فنذكر الجزائر المشهورة فنقول:
ذكر العلماء بأخبار الأوائل أن جزائر الوقواق ستة آلاف، فيها جزيرة يستوي فيها الليل والنهار.
وجزيرة يقال لها: جزيرة الراهب يخصى بها الخدم، وملكتها امرأة تجلس على سرير من الذهب، وعلى رأسها تاج من ذهب مرصع بالجواهر، وهي عريانة، وعلى رأسها أربعة آلاف وصيفة كلهن عراة، وقد شاهدهنَّ التجارُ الذين يسلكون تلك البلاد.
ومنها: جزيرة قنبلو (^٢)، يركب الناس منها إلى صُحار، وصُحار قصبة عمان، قال الجوهري: وصُحار -بالضم- قصبة عمان مما يلي الجبل، وتُؤَام قصبتها مما يلي الساحل (^٣).
ومنها: جزيرة سَرَنْدِيب، وهي ثمانون فرسخًا في ثمانين، إذا مات لهم أحد أحرقوه بالنار، وإن كان ملكًا تهافت خواصُّهُ وأهله حتى يحرقوا نفوسهم معه، وفيها الياقوت والبِلَّور وسائر أنواع الطيب.
ومنها: جزيرة أهلها سود عراة حفاة، مأواهم رؤوس الشجر، لا يُفهم كلامهم، يهربون من الناس.
ومنها: جزيرة فيها أشجار يسيل منها الكافور مثل الصمغ، تُظل الشجرةُ منها مئةَ فارس.
ومنها: جزيرة لهم أليات كليَّات (^٤) الغنم، وهم سود يأكلون الوجال دون النساء،
_________________
(١) انظر "كنز الدرر" ١/ ١٧٢.
(٢) ويقال: قنبلة، وهي جزيرة للزنج في البحر الشرقي "صبح الأعشى" ٣/ ٢٤٤.
(٣) " الصحاح": (صحر).
(٤) الألية: جمعها أليات وألايا، ولا تقل إلية ولا لية "القاموس المحيط": (ألي).
[ ١ / ١٠٧ ]
وجزيرة يأكلون النساء دون الرجال.
ومنها: جزيرة الرَّامي (^١)، وبها البَقَّم (^٢) وعرقه ينفع من سمّ ساعة.
ومنها: جزيرة فيها الرصاص القَلْعي، وجزيرة فيها قرود مثل الجواميس، وسنانير لها أجنحة، وفي هذه الجزائر الكَرْكَدنّ، وهو دابة دون الفيل وفوق الجاموس، يأكل الحشيشَ، وله قرن واحد طوله ذراع وغلظه قبضتان، وفيه صورة من أول القرن إلى آخره، فإذا انشقَّ القرنُ ظهرت الصورة بيضاء في سواد كالشبح: صورة إنسان أو دابة أو طاووس أو طائر أو سمكة ونحو ذلك (^٣). يتخذ أهل الصين من ذلك القرن مناطق تبلغ المنطقة أربع مئة دينار، وملوك جزائر الكَرَكَدَّن مخرمو الآذان.
وقال في "جغرافيا": وحصى هذه الجزائر الياقوت والمَرْجان وأصناف الجواهر، وبين الجزيرة والجزيرة ميل وأقل وأكثر، يعني: جزائر الوقواق، وعندهم النارَجيل، لا يفقد من النخل غير الثمر، وقيل: هو المقل، قالوا: والنارَجيل فيه خاصية، وذلك لأنَّ بيوت أموال ملكة جزائر الوقواق الوَدَع، فإذا قلَّ قطعوا من سعف النارَجيل بخُوصه فيطرحونه على وجه الماء فيخرج منه حيوان فيتراكب فيتولَّد منه الوَدَع، فيطرحونه على ساحل البحر ويلقون عليه الرمل فتحرق الشمسُ ما فيه من الحيوان، ويبقى الوَدَع وحده فيملؤون منه بيوتَ الأموال.
وقال النُّوبختي: وآخر هذه الجزائر جزيرة سَرَنْديب، وبين هذه الجزائر خليج فيه حيات تبلع المراكب، قال: وبعد سَرَنْديب مما يلي المشرق ألف جزيرة في ألف فرسخ فيها ممالك ومعادن، ثم يليها جزائر فَنْصورة، وهي مملكة المهراج، ولا تضبط جنوده لسعة مملكته، وفي مملكته خمسون ألف فيل يقاتل عليها، ومعنى المهراج: ملك الملوك، وعنده الكافور الفنصوري، وقيل: هو عيون في الجزيرة.
_________________
(١) وهي التي تسمى: "سَيَلان". انظر "معجم البلدان" ٣/ ٢٩٨، و"الروض العطار" ص ٢٦٤.
(٢) هو خشب شجر عظام، تنبت بأرض الهند والزنج، وورقه مثل ورق اللوز الأخضر، وساقه وأفنانه حمر. "المعتمد في الأدوية المفردة" ص ٣١، وفيه أنه إذا شرب من أصله مسحوقًا قدرٌ ما، قتل صاحبه. وما في "الروض العطار" ص ٢٦٤ موافق لما عند المصنف.
(٣) انظر "الحيوان" للجاحظ ٧/ ١٢٩.
[ ١ / ١٠٨ ]
ومنها: جزيرة يسمع منها صوت الطبول والملاهي والرقص دائمًا والتصفيق، واسم هذه الجزيرة: برطاييل، يقال: إنَّ الدَّجَّال فيها. وفي مملكة المهراج جزيرة دورها أربع مئة فرسخ، عمائر متصلة، وفيها البُزاة والصقور والشواهين.
قال: وفيها جزيرة فيها عين يقال لمائها: ماء العقل، من شرب منه ازداد عقله وفهمه.
وفيها: جزيرة يقال لها: سُقُطْرَى، لا يوجد الصَّبِر الأُسقطوي إلّا فيها.
وذكر في "المسالك": أنه ليس وراء الصين مسلك إلا رمال تجري فيها السفن، وبعدها مدينة قوم موسى الذين يقضون بالحقِّ وبه يعدلون.
وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي عن السُّدي قال: هم قوم بينك وبينهم نهر من شهد، وحكى أيضًا عن ابن جريج قال: لما قَتل بنو إسرائيل أنبياءهم وكفروا كانوا اثني عشر سِبطًا، تبرأ منهم سِبط مما صنعوا واعتذروا إلى الله تعالى وسألوه أن يفرق بينهم، ففتح لهم نفقًا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفًا حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا (^١).
وحكى أيضًا عن الربيع والضحاك وعطاء فيما رواه عنهم الكلبي قال: هم قوم خلف الصين على نهر يجري الرمل فيه يسمى نهر: أوداف، وليس لأحدٍ منهم مال دون صاحبه، يُمْطَرون بالليل ويصحون بالنهار ويزرعون، لايصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحق.
قال الكلبي: وذكر أنَّ جبريل ﵇ مرَّ بالنَّبي ﷺ عليهم ليلة الإسراء فسلَّم عليهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا محمد ﷺ النبيّ الأمي، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا وقال: من أدرك منكم أحمد فليقره مني السلام، ثم أمرهم بالصلاة والزكاة، وكانوا يسبتون فأمرهم بترك السبت وإقامة الجمعة، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجهما الطبري في تفسيره ١٣/ ١٧٣ - ١٧٤، وقال ابن كثير: خبر عجيب. ورد الألوسي هذين الخبرين وما بعدهما.
[ ١ / ١٠٩ ]
فصل
وفي بحر باب الأبواب جزائر كثيرة فيها بُزاة بيض وهي أفخر البُزاة، وهذه الجزيرة قريبة من جُرجان، والبُزاة الشهب هناك كثيرة لكثرة الثلج بها.
وأول من لعب بالبُزاة والشواهين والصقور من العرب، الحارث بن معاوية الكندي، ومن ملوك الروم قُسْطنطين الذي بنى القسطنطينية، ومن الفرس يَزْدَجِرد.