قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: كنَّا جلوسًا عند النبي ﷺ فسمعنا وَجْبَة، فقال رسول الله ﷺ: ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا حَجَرٌ أُرسِل في جهنَّم سبعينَ خريفًا والآن انتهى إلى قَعْرِها". انفرد بإخراجه مسلم (^٢).
الوَجْبَة: السقطة مع هَدَّةٍ. وهذا الحديث يدل على أنَّ النارَ في الأرض، وقد نص عليه ابن سلام، وقال: كذا هو في التوراة، فإن قيل: ففي حديثِ المعراج أن النبي ﷺ رآها تلك الليلة في السماء (^٣)، فالجواب أنه ﷺ قال: ورأيت الجنةَ والنار، ولم يقل: رأيتُ النار في السماء.
وأنبأنا جدي بإسناده عن قتادة -وفي رواية ابن أبي الدنيا: عن شعبة- قال: أخبرني من رأى عبادةَ بن الصامت على حائط بيت المقدس الشرقيِّ يبكي ويقول: من ها هنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّه رأى جهنَّم ليلةَ المعراج، قال: ولذلك سمي وادي جهنم (^٤).
ويحتمل أن الله تعالى أراه إياها في تلك الليلة كما جلَّى له بيتَ المقدس، وذلك أبلغُ في إظهار القدرة، ولأنَّ النارَ حبس، والحبسُ يكون في جهة السفل، بخلافِ الجنة لأنها بستان، والبستان يكون في جهة العلوِّ.
روى مجاهد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قال: هي دركات بعضها فوق بعض، فأولها جهنم، ثم لظى، ثم الحُطَمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية (^٥).
_________________
(١) انظر "كنز الدرر"١/ ٢٦٥.
(٢) أحمد في "مسنده" (٨٨٣٩)، ومسلم (٢٨٤٤).
(٣) الحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٣٢٨٥) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، وانظر تفصيل الكلام على مكان جهنم في كتاب "التخويف من النار" لابن رجب، باب في ذكر مكان جهنم ص ٦٢ - ٦٨، وانظر المنتظم ١/ ١٨١.
(٤) "فضائل بيت المقدس"ص ١٢٠ - ١٢١.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ١٤/ ٣٥ من حديث ابن جريج.
[ ١ / ١٤٤ ]
قلت. قرأت على شيخنا أبي اليُمن زيد بن الحسن الكندي رحمه الله تعالى: قال قرأت على شيخنا أبي منصور بن الجواليقي قال: اشتقاق جهنم من قول العرب: ركيَّةٌ جِهنَّام -بكسر الجيم- إذا كانت بعيدةَ القعر (^١). وكذا قال في "الصحاح": جهنم اسمٌ من أسماء النار التي يعذب الله تعالى بها عباده.
وأما لظى، فقال الجوهري: هي اسم من أسماء النار، وأصلها من التلهب.
وأما الحُطَمَة، فمن الحَطْم، وهو الكسر، لأنها تحطِمُ ما يُلْقَى فيها.
وأما السعير، فمن التسعُّر، وهو التوقد.
وأما سقر، فمن البعد، ومُصْمَقِرّ (^٢): شديد الحر.
وأما الجحيم، فقال الجوهري: كلُّ نارٍ عظيمة في مهواة فهي جحيم، من قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ [الصافات: ٩٧]، والجاحم: المكانُ الشديدُ الحرِّ.
قال الجوهري: وأما الهاوية، فإنما يقال: هاوية بغير ألف ولام، قال الله تعالى:
﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٩] أي مستقرَّة في النار، قال: والنار تجمع الكل (^٣).
وقد جاءت في ذكر النار أحاديث:
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "نارُكُم هذه ما يُوقِدُ بَنو آدَمَ جُزءُ واحد من سبعينَ جُزءًا مِن حر جَهَنَم" قالوا: يا رسول الله، والله إنَّها لكافية، فقال: "إنَّها فُضِّلَتْ عليها بتسعةٍ وسِتينَ جُزءًا كُلُهنَّ مِثلُ حرِّها". أخرجاه في الصحيحين أيضًا بهذا الإسناد (^٤).
_________________
(١) "المعرب" ص ١٥٥.
(٢) في (ل): ومصقر، وجاء في (ب) مكانها بياض، والمثبت من الصحاح (سقر).
(٣) "الصحاح": (جهنم، لظى، حطم، جحم، هوي).
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده" (٨١٢٦)، ومسلم (٢٨٤٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣)، وأحمد (٧٣٢٧) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ولفظ أحمد: "إن ناركم هي جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد".
[ ١ / ١٤٥ ]
[وفي الصحيحين أيضًا] عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: "اشتَكَت النَّارُ إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ، أكلَ بعضي بَعْضًا فَنَفِّسني، فأَذِنَ لها أن تَتَنفَّس نَفَسين: نَفَسًا في الشِّتاءِ ونَفَسًا في الصَّيفِ، فأشدُّ ما تَجدُون من الحرِّ فمن حرِّ جَهَنَّم، وأشدُّ ما تجدونَ من البَرْد فمن زَمْهَريرِها (^١) ". في أخبار كثيرة.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو اليمان بإسناده عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال لجبريل: "مَا لي لم أَرَ مِيكَائيلَ ضَاحِكًا قطُّ، فقال: مُنذ خَلَق الله النَّارَ لم يَضْحكْ"، أخرجه أحمد في "المسند" (^٢).
وقال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ عند ذكر النار: "أهلُ النَارِ كل جَعْظَريٍّ جَوَّاظٍ مُستَكبِرٍ جَمَّاع مَنَّاع (^٣) ".
الجَعْظَري: الفظُّ الغليظ، ذكره الجوهري، وقال: قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا كان قصيرًا غليظًا: جِعْظارة، بكسر الجيم (^٤). والجوَّاظ: الجَمُوع المَنُوع، وقال الجوهري: الجظ: الرجل الضخم، قال: وفي الحديث: "أهل النارِ كلّ جظٍّ مستكبر" قال: وكذا الجعظ (^٥).
فصل
ومذهب أهل الحقّ أن النار مخلوقة، وقالت المعتزلة والجهمية: لم تُخلق بعدُ، لأنها دارُ تعذيب وجزاء، وليس هذا وقته. ولنا قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] والمُعَدُّ ما يكونُ موجودًا، وما ذكره فنقول: جهنم حبسُ العصاةِ، فوجودها أبلغُ في الزجر من عدمها، وعلى هذا الخلاف الجنة، لما نذكر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧). وما بين معقوفين زيادة من "كنز الدرر" ١/ ٢٦٧.
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٣٣٤٣).
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (٦٥٨٠).
(٤) "الصحاح": (جعظر).
(٥) "الصحاح": (جظظ) و(جعظ).
[ ١ / ١٤٦ ]