أصل النيل: الفيض، قال الجوهري: والنيل فيض مصر (^٣).
واتفقوا على أن مبدأه من جبل القمر، فذكره في "جغرافيا" وصوَّره أنه ينبع من اثنتي عشرة عينًا، وأن العيون تصبُّ في بحيرة مثل البَطائح (^٤) خلفَ خطِّ الاستواء يجتمع فيها
_________________
(١) أحمد في "مسنده" (١٧٨٣٣)، والبخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
(٢) أحمد في "مسنده" (٧٨٨٦)، ومسلم (٢٨٣٩).
(٣) "الصحاح": (نيل).
(٤) البطائح: جمع أبطح، وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصى. "القاموس المحيط": (بطح).
[ ١ / ١١٧ ]
الماء ويجري على رمال هناك وبين جبال، ثم يخرق أرضَ السودان ثم يصبُّ في بحر الزَّنْج، وفي هذا البحر قنبلو وهي عامرة، وفيها قوم مسلمون لغتهم زَنْجية غلبوا على أهل الجزيرة عند انقراض مُلْك بني أمية وابتداء الدولةِ العباسية، ومن ذلك البحر الذي فيه قنبلو يصبُّ في بحرِ عُمان. ومن جبل القمر إلى هذه الجزيرة مسيرة خمس مئة فرسخ ويقوى جريانُ مصبِّه في هذا البحر أيامَ زيادةِ النيل، فيجري جريانًا عظيمًا ويتكدَّر موضع العيون، حتى قيل: إن الماء يؤثِّر لونه في لون البحر ويكون ماؤه أحلى من العسل.
وقال كعب الأحبار: وجدت في التوراة أنَّ النيل نهر العسل من الجنَّة، وأنه يجري على بلاد الحبشة في قِفار ومَفاوز ومهامه (^١) ليس فيها مسلك.
وذكر أحمد بن بختيار وقال: العين التي هي أصلُ النيل هي أولُ العيون من جبل القمر، ثم ينبعث منها عشرةُ أنهار، نيل مصر أحدها، قال: والنيل يقطع الإقليمَ الأول ثم يجاوزه إلى الثاني، ومن ابتدائه من جبل القمر إلى انتهائه إلى البحر الرومي ثلاثة آلاف فرسخ يجري في عامر وغامر، فإذا تعدَّى الفسطاط انقسم قسمين: قسم يمر إلى دمياط وقسم يمر إلى رشيد، فيصبان في بحر الروم، وقيل: إنه لا يعلم مسافة جريانه إلا الله ﷿.
ويبتدئ بالزيادة في نصف حَزيران وينتهي في أيلول، واختلفوا في سبب زيادته ونقصانه: فقال قوم: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، وقال آخرون: سببه زيادةُ عيونِهِ ونقصانها، وقال آخرون: الظاهر أن سبب زيادته كثرةُ المطر والسيولِ، تمطر بلاد الحبشة والنوبة فيزيد، وإنما يتأخر وصوله إلى الصيف لبعد المسافة، وقد ردَّ قوم هذا وقالوا بأنَّ عيونه التي تحت جبل القمر تتكدر في أيام زيادته، فدلَّ على أنه فعل الله تعالى من غير زيادة بالمطر.
وجميع المياه تجري إلى القبلة إلَّا هو؛ لأنه خارج عن خطِّ الاستواء، فيجري إلى ناحية الشمال، وكذا العاصي بالشام يجري إلى غير القبلة، قالوا: وفي الهند أنهار
_________________
(١) المهمهة: المفازة البعيدة والبلد المقفر. "القاموس المحيط": (مهه).
[ ١ / ١١٨ ]
كثيرة تجري إلى غير القبلة، لما نذكر.
ومتى بلغ ستة عشر ذراعًا استحق السلطانُ الخراجَ، وإذا بلغ ثمانيةَ عشر ذراعًا قالوا: يحدث بمصر وباء عظيم، وإذا بلغ عشرين ذراعًا مات ملك مصر، والله أعلم.
وبمصر تُرَع كثيرة منها ترعة سُنْباط، وترعة ذنب التمساح، وتُرَع في الصعيد، وخليج سردوس، وخليج ابن منجا، وخليج القاهرة، وخليج الفيوم، حفره يوسف ﵇ زمان القحط، وإنما سمي الفيوم لأنَّ أصله ألف يوم، كانت كل قرية منه تقوم بأهل مصر يومًا، وذكر الجوهري الفيوم فقال: والفيوم من أرض مصر، قُتل بها مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية (^١). قلت: والصحيح أن مروان قتل ببُوصِير -لما نذكر (^٢). وفيه خليج الإسكندرية وغيره.
وفي النيل عجائب، منها التمساح، قالوا: ولا يوجد إلا فيه وله أسامي، في مصر التمساح، وفي بلاد النُّوبة الوَرَل، ووراء النُّوبة الشوشمار.
وقال الجوهري: والتمساح دابة من دوابّ الماء معروف (^٣).
وقال الجاحظ في كتاب "عجائب البلدان": إن مهران السند من نيل مصر، قال: لأن التمساح فيه.
قلت: وقد وهم الجاحظ، لأنَّ مهران السند يخرج من جبال المُوْلْتان، وهي في المشرق داخلة تحت خط الاستواء والاعتدال، والنيل يخرج من جبل القمر من ناحية الجنوب وهو خارج عن خط الاستواء، وبين مهران وبين الحبشة والنُّوبة البحر الشرقي، فكيف يكون منه؟! فإن وجد التمساح في مهران فقد وجد فيه كما يوجد في النيل.
قالوا: والتمساح لا دُبر له وما يأكله يتكوَّن في بطنه دودًا، فإذا آذاه ذلك خرج إلى البرية وفتح فاه فينقضُّ عليه طائر الماء كالطَّيطَوي ونحوها من أنواع الطيور ممن اعتاد
_________________
(١) "الصحاح": (فوم).
(٢) سيذكر الخبر المصنف في سنة (١٣٢ هـ).
(٣) "الصحاح": (مسح).
[ ١ / ١١٩ ]
ذلك، فيأكل ما بين أسنانه وما يظهر من الدود، فإذا أكل أطبق عليه التمساح في بعض الأوقات فمه فيبلعه، فضربت العرب المثلَ به فقالت: مكافأة التمساح.
وآفة التمساح دُويبة تكون في سواحل النيل وجزائره تكمن له في الرمل، فإذا فتح فاه وثَبَت فدخلت فمه ونزلتْ إلى جوفه فيضرب الأرض بنفسه ويغوصُ في الماء فتخرق الدويبة بطنه فيموت، وربما قتل نفسه قبل أن تخرج منه فتخرج بعد موته، وهذه الدويبة نحو من ذراع على صورة ابن عِرْس ولها قوائم شتى ومخاليب، فهي آفة التمساح، كالسمكة الصغيرة التي تقتل (^١) الكبيرة في البحر الشرقي، وقد ذكرناها.
وذكر ابن حوقل: أنَّ في نيل مصر أماكنَ لا يضرُّ التمساحُ فيها، كعدوة بوصير والفسطاط، قال: وفي نيل مصر السَّقَنْقُور يصلح للجماع، ويكون عند أسوان وفي حدودها.
وفي النيل السمك الرعَّاد إذا وقعتِ السمكةُ في شبكة الصياد لا تزال ترتعد يداه ورجلاه حتى يلقيها أو تموت، وهي نحو الذراع (^٢).
وقال جالينوس: إذا وضع منها على رأس مَنْ به الصداع زال، وقيل: إنما الخاصية أنْ توضع على الرأس وهي في حالة الحياة (^٣).
وفيه سمك على صورة الفرس، والمكان الذي تكون فيه لا يقربه التمساح، وتخرجُ من الماء ليلًا فترعى الزرعَ فتفسده، فيطرحون لها التُّرمُس فتأكله ثم تشرب الماء فيرِمُ جوفُها فتموت، وهي على صورة الفرس إلا أنه ليس لها حافرٌ ولا ذنب.
وفيه شيخ البحر، سمكة على صورة آدمي وله لحية طويلة، والغالب أنه يكون بنواحي دِمياط، وهو مشؤوم فإذا رُئي في مكان دلَّ على القحط والموت والفتن، ويقال: إنَّ دمياط ما تنكب حتى يظهر عندها.
وفيه المقياس يعرف به زيادة النيل ونقصانه، وأول من بناه يوسف ﵇
_________________
(١) هنا ينتهي السقط في (ب)، وانظر مروج الذهب ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) "صورة الأرض" ص ١٣٩ - ١٤١.
(٣) انظر "عجائب الخلوقات" ص ١٨٧.
[ ١ / ١٢٠ ]
بمَنْف، وبنت دلوكة الملكة مقياسًا بإخْمِيم، وفي أيامها عُملت الطِّلَّسْمات بمصر.
فأما المقاييس التي بنيت بمصر في الإسلام فأولُ من بنى مقياسًا عبد العزيز بن مروان بن الحكم لما ولي مصر، بناه بحُلوان فوق الفسطاط، وهذا المقياس الظاهر بناه المأمون، وقيل: إنما بناه أسامة بن زيد التَّنوخي ودثر، فجدده المأمون، وأسامة بناه في أيام سليمان بن عبد الملك بن مروان، وبنى أحمد بن طولون مقياسين أحدهما بقُوص وهو قائم اليوم، والآخر بالجيزة وقد انهدم.