حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: من عجائب الدنيا حمَّام طبرية
_________________
(١) حكاه ابن الجوزي في "التبصرة" ٢/ ١٨٩، وانظر "المنتظم" ١/ ١٦٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
ومنارة الإسكندرية.
وقال آخر: نهر الذهب وجبُّ الكلب وقلعة حلب، فأما جب الكلب فيقال: إنه في الروم، وماؤه يبرئ من الكَلَب، وأما نهر الذهب فيقال: هو نهر بُزاعة فإنه يسقي البساتين والأراضي وما يفضل منه يصير في البرية ملحًا.
ومنها: بمصر بئر البلسم التي تسقي شعجر دهن البَلَسان.
ومنها: الهَرَمان، وسُمْكُ كلِّ واحد منهما خمس مئة ذراع في ارتفاع مثلها، وكلما ارتفع البناء، دقَّ رأسها حتى يصيرَ مثل مفرش حصير، وهما من المرمر، وعليهما جميع الأقلام اليونانية والعبرانية والسُّريانية والمسندية والحميرية والرومية والفارسية.
وحكى بعض علماء مصر قال: إنهم حلوا بعض الأقلام فوجدوه: "إني بنيتها بملكي، فمن ادَّعى قوةً فليهدمها، فإن الهدْم أيسرُ من البناء".
وحكى جدي عن ابن المنادي في "المنتظم" أنه قال: فحسبوا خراجَ الدنيا مرارًا فلم يفِ بهدمها (^١).
قلت: وقد وهم ابن المنادي، فإن صلاح الدين ﵀ أمر أن تؤخذ منها حجارةٌ يبنوا بها قنطرة، فهموا منها شيئًا كثيرًا فبنوا جسرًا قريبًا منها يُمْشَى عليه في زمان زيادة النيل إلى الإسكندرية، وهو جسرٌ عظيم تولَّى عمارته قَرافوش الخادم.
وإنما في هدمها كلفةٌ لكونِ الحجارةِ ذَكَرًا في أنثى، وقد شاهدتُ الهرمين مرارًا، وأحدهما مسدودٌ والآخرُ فيه بابٌ تدخلُ الناسُ فيه، وحكى لي مَن دخله أنه وجد فيه قبرًا وأن فيه مهالك، وربما خرج منه الإنسان في سراديب إلى الفيوم، والظاهر أنها قبور الملوك الأوائلِ وعليها أساميهم وأسرارُ الفلك والسحرِ وغير ذلك.
واختلفوا في مَن بنى الأهرام، قال بعضهم: يوسف الصدِّيق، وقال آخرون: بناها نمرود، وقيل: دلوكة الملكة، وقال قوم: إنما بناها القبط قبل الطوفان، وكانوا يرون أنه كائن، فبنوها ونقلوا ذخائرهم إليها، وجاء الطوفان فما أغنى ذلك عنهم شيئًا، وقيل: إنه لا يُعْرَفُ من بناها، وهو الظاهر.
_________________
(١) "المنتظم" ١/ ١٦٦.
[ ١ / ١٣٥ ]
وحكى بعض شيوخ مصر: أنَّ بعضَ من يعرفُ لسانَ اليونان حلَّ بعضَ الأقلامِ التي عليها ونقلها إلى العربية فإذا هي: "بناء هذان الهرمان، والنسرُ الواقع في السرطان" قال: ومن ذلك الوقت إلى زمان نبيِّنا محمد ﷺ ستة وثلاثون ألف سنة، وقيل: اثنان وسبعون ألفًا.
وقيل: إن القلم الذي عليهما تاريخه قبل بناء مصر بأربعة آلاف سنة، ولا يعرفه أحد.
وحكي لي أنه قِيسَ عرضُ الهرمِ الشرقي فكان خمس مئة ذراع، وسطحه تسعة أذرع، وطوله في الهواء ستة وخمسون ذراعًا، وهو مئة وثمانون صفًّا، كلُّ حجرٍ عرضه ثلاثة أذرع، وعرض الهرم الغربي أربع مئة وستون ذراعًا، وبالقرب منهما صخرةٌ عظيمة قد صوروا منها رأس آدمي سموه: أبا الهول، وحولها أهرام صغار.
ويقال: إن ملك اليونان واسمه: سوريد بن سهلوف رأى في منامه كأنَّ الأرض انقلبت والكواكبَ تتساقط، ولها أصوات منكَرة، فهاله ذلك، فجمع حكماءه وأخبرهم، فقال واحدٌ: لا بدَّ من هولين عظيمين يحزن منهما العالم، أحدهما ناري والثاني مائي، فأمر ببناء الأهرام ونقل إليها علومهم وكنوزهم، وجعل عمقها في الأرض كارتفاعها في الهواء، فإن كانت الآفةُ مائيةً صعدوا إلى أعلاها، وإن كانت ناريةً نزلوا إلى أسفلها إلى السراديب. وصوَّر فيها الكواكبَ والبحورات والروحانيات والأقلامَ وصُوَرَ العقاقير وغيرها.
وكان كلَّما مات حكيم جعلوا كتبه عند رأسه، وكانوا يقولون بالرجعة.
وجعلوا بابَ الهرمِ الشرقيِّ من ناحية الجنوب في الأرض بأزج معقودٍ طوله مئة وخمسون ذراعًا، وبابَ الغربيِّ من الشمال كذلك.
وقيل: ابتداء بنائها والنسرُ الطائرُ في الحَمَل.
ولما تمَّ بناؤها ذبحوا لها الذبائحَ وكسوها الديباج، وكتبوا على ظاهرها: "نحن بنيناها في ست سنين فاهدموها في ستين سنة". ووجدوا فيها دنانير وزن كل دينار أوقية (^١).
_________________
(١) في (ب): "دنانير وزن أوقية".
[ ١ / ١٣٦ ]
وقيل: إن روحانيّ الهرم الشرقي في صورة امرأة عريانة لها ذوائب، فإذا أرادت أن تستهوي أحدًا ضحكتْ ودعته إلى نفسها، فيدنو منها فيهيم على وجهه فيهلك، وقد رآها جماعة تدور حول الهوم وقت القائلة.
قالوا: وروحانيّ الهرمِ الغربيِّ غلام أمرد عريان أصفر اللون، وقد رؤي وقت المغوب وهو يدور حول الهرم. وهناك هرم مُلَوَّن وروحانيّه شيخٌ نوبي عليه بُوْطُل (^١) وبيده مبخرة، وقد رُؤي ليلًا حول الهرم.
ولما ملك ابن طولون (^٢) مصرَ حفر على أبواب الأهرام فلم تعرف، فوجدوا في الحفر قطعةَ مرجان مكتوب عليها سطور باليوناني، فأحضر من يعرف ذلك القلم، وإذا هي أبيات شعر فترجمت فكان فيها:
أنا بانيُ الأهرامِ في مصرَ كلها … ومالكها قدمًا بها والمقدَّمُ
تركتُ بها آثارَ علمي وحكمتي … على الدهرِ لا تبلى ولا تتثلَّمُ
وفيها كنوزٌ جمَّة وعجائبٌ … وللدّهرِ لينٌ مرةً وتهجُّمُ
وفيها علُومي كلُّها غيرَ أنني … أرى قبلَ هذا أَن أموتَ فتعلمُ
سَتُفْتَحُ أقفالي وتبدو عجائبي … وفي ليلةٍ في آخرِ الدهرِ تنجم
ثمانٍ وتسعٌ واثنتانِ وأربعٌ … وتسعون من بعد المئين تسلم
ومن بعد هذا جزء تسعين برهة … وتلقى البرابي تستحرّ وتهدم
تدبَّرْ مقالي في صخورٍ قطعتها … بسيفي وأَفْنَى قبلها ثم تُعْدَم
فجمع ابن طولون الحكماءَ وأمرهم بحساب هذه المدة فلم يقدورا على تحقيق ذلك فيئس وزال الطمع.
ومنها: المطالب، وهي كثيرة بمصر، إلا أنَّ الغالبَ عليها أنَّ لها طِلسماتٍ تمنعُ من الوصول إليها.
وحكى الهيثم بن عدي وغيره، أنَّ رجلًا جاء إلى عبد العزيز بن مروان وهو على
_________________
(١) البُرطل: القلنسوة. "القاموس المحيط": (برطل).
(٢) كان تملك أحمد بن طولون مصر سنة (٢٥٤ هـ) كما سيذكر ذلك المصنف.
[ ١ / ١٣٧ ]
مصر من قبل أبيه مروان بن الحكم، فقال له: أيها الأمير إني قد وجدتُ كتابًا قديمًا يشير إلى بعض الأماكن، أنَّ فيه كنزًا فيه أموالٌ وجواهر لا تحصى، فخرج معه إلى ظاهر مصر على أميال، وجاء به إلى تلٍّ عظيم فقال: تحت هذا التلّ، فقال: ومن أين لك هذا؟ فقال: إذا كشفنا هذه التلَّ ظهر لنا بلاطٌ مختلفُ الألوان، ثم نحفر فيظهر لنا بابٌ من الصُّفْرِ ففيه المطلب، فأزالوا بعضَ التل فظهر البلاط والباب، فأزالوا عنه التراب وإذا عليه أقفالٌ عجيبةٌ، فعالجوها حتى فتحوها، فإذا بدرجٍ يأخذ إلى بهوٍ عظيم فيه قناطر ومجالس عليها أبواب الذهب مرصعة بالجواهر، وفيها من الأموال والياقوت والجوهر ما لا يحصى، وإذا بالدَّرج من نحاس مشبك، وفي أول درجةٍ عمودٌ من ذهب، وفي أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان خراجَ الدنيا، وجناحاه من زمرد، فضرب بعضهم رأس الديك فلمع شيء كالبرق الخاطف، وهو ما في عيني الديك من الياقوت فبانت الدرج بأسرها والبهو، فبادر واحدٌ فوضع قدمه على أول درجة، فلما استقرتْ قدماه عليها ظهر سيفان عظيمان عاديان من عن يمين الدرجة وشمالها، فالتقيا على الرجل فقدَّاه نصفين، فأهوى جسمه على الدرج، فلما استقرَّ على بعضها اهتزَّ العمود وصَفَر الديك صفرةً عظيمةً أسمعت من كان بعيدًا، وحَرَّكَ جناحيه، وظهرتْ أصواتٌ مزعجة قد عملت على الكواكب بالحركات ينزعج لها السامع، وتقدم آخر فالتقت عليه السيفان فقدَّته نصفين، ثم آخر وآخر حتى قتلت ألف رجل، فقال عبد العزيز: حسبنا، هذا أمرٌ لا يُدْرَكُ ولا يوصلُ إليه، ثم أمر بردِّ الترابِ على الموتى فكانت الحفيرةُ قبورهم.
ومنها: جبل الطير بصعيد مصر، فيه شقٌّ، فإذا كان يومٌ مُعيَّن من السنة جمع عنده زرازير الدنيا، فيأتي كلُّ زَرزور فيدخل منقاره في الشقِّ ثم يخرجه ويطير، ويأتي آخر فيفعل كذلك، طولَ النهار يأتي زَرزور ويذهب زَرزور إلى وقت الغروب، فيأتي آخر الزرازير فيدخل منقاره في الشقِّ فينضمُّ عليه ويبقى معلَّقًا طول العام إلى ذلك اليوم، فينفتح الشقّ ويسقط ذلك الزرزور ويأتي غيره.
ومنها: عمود السواري بالإسكندرية، وليس في الدنيا مثله، وقد شاهدته، ويقال: إن أخاه بأسوان.
[ ١ / ١٣٨ ]
ومن عجائب المغرب: نار في جزيرة صقلية تشتعلُ فيها حجارةٌ ولا تمكن أحدًا من الوقود منها، قالوا: وليس بصقلية نملة.
ومنها حجارة بالقيروان تقذفها النيران بالليل، وفي النهار دخان، وهي في جبل يقال له: البركان.
ومنها: بيتان بالأندلس يعرفان بالملوك، فلما فتحت الأندلس في زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان وجدوا هذين البيتين، ففتحوا أحدهما فإذا فيه أربعة وعشرون تاجًا، على كل تاج اسم صاحبه مكتوبٌ عليه ومبلغُ سنِّهِ، وما ملك من السنين، ووجدوا فيه مائدة سليمان ﵇ وهي من الذهب، وقيل من الياقوت، وعليه أطواق الجوهر الثمين، فحملت إلى الوليد، ووجدوا على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلًا، كان كلَّما ملكَ واحدٌ منهم تلك البلاد زاد قفلًا، ولا يعلمون ما في البيت، فقال لهم بعض الرهبان: إنّ آخر ملوك الأندلس يُفْتَحُ على يديه، قالوا: لا بد من فتحه، فنهاه الحكماء فخالفهم وفتحه، فإذا رجال من العرب قد صُوّروا على خيولهم، وعليهم العمائم والأسلحة، فدخلت العربُ جزيرةَ الأندلس في السنة التي فتح فيها الباب.
ومنها: ما حكاه جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في "كتاب التبصرة" قال: ومن العجائب سوداني من نحاس على قضيب من نحاس على الباب الشرقي برومية، فإذا كان أوانُ الزيتون صفَّر ذلك السوداني فلا تبقى سودانية تطير إلا جاءت بثلاث زيتونات: زيتونةً في منقارها وزيتونتان في رجليها، فألقته على ذلك السوداني، فيحمله أهلُ رومية فيعصرون منه ما يكفيهم لِسُرُجِهِمْ وإدامهم إلى العام المقبل (^١).
* * *
_________________
(١) * * *
(٢) "التبصرة" ٢/ ١٨٨ - ١٨٩.
[ ١ / ١٣٩ ]