ذكر العلماء بأخبار العالم أن بالهند عجائب:
منها: هيكل عظيم من أعظم الهياكل، يقال له: بلاذري، مستدير الشكل، له سبعة أبواب وفيه قبة شاهقة في الهواء على سبعة أعمدة، وفي رأسها جوهرة بمقدار رأس الفحل، تضيء منها جميع أقطار ذلك الهيكل، وأن جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فهلكوا، وكلُّ مَن دنا منها خرَّ ميتًا. وفي القبة صنم من ذهب وزنه مئة ألف مثقال تزعم الهند أنه نزل من السماء، يقصدونه من الآفاق، وكلُّ مَن تَعرَّضَ لهذا الهيكل مات. وأساسه من حجارة المغناطيس، وبني على سير الكواكب السبعة بالحركات السماوية. وفيه بئر عليها طوقٌ من الحديد الصيني، مكتوب عليه بالقلم المسند: "هذه البئر فيها علوم السماوات والأرض وما مضى وما يأتي، وفيها خزائن لا يصل إليها من العالم إلا من وازت قدرته قدرتنا واتصل علمه بعلمنا وساوت حكمته حكمتنا"، وكل من نظر في البئر وقع على أُمِّ رأسه ميتًا، وكلُّ من نظر إلى هذا الهيكل خاف وارتعد وضعف قلبه في أول وهلة، وعلى هذا الهيكل أوقاف كثيرة منها مدينةٌ برسداقها، وحول هذا الهيكل ألف مقصورةٍ فيها جواري لمن يقدم زائرًا لهذا الهيكل يتمتع بهن.
ومنها: غدير عظيم في مملكة المهراج، عليه قصرٌ شاهقٌ في الهواء، ويتصل بخليج إلى البحر من خلجان الزَّابج، والغدير مملوءٌ لَبِنًا من ذهب، وكلُّ ملكٍ يلي أمر المهراج يضرب كل يوم لبنًا ويلقيه فيه، وهذا الخليج يمد ويجزر كلَّ يوم، فإذا جزر ظهر اللَّبِنُ يقابله شعاعُ الشمس يلمعُ الغدير لمعانًا تبرق منه الأبصار، فإذا مات الملك وقام بعده آخر جمع ما في الغدير من اللَّبِن وفرَّقه في أهل المملكة، في الخواص أولًا ثم في العوام، فإن فضل شيء فرَّقه في المساكين، ثم يكتب عددَ اللبن ووزنه في اللوح، وأن
_________________
(١) انظر "كنز الدرر" ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ١٣٠ ]
فلانًا عاش في الملك كذا وكذا سنة، وخلف في غدير الذهب كذا وكذا لبنة. وكانوا يتوارثون ذلك ويفتخرون بمن تطولُ أيامه ويكثر لبنه.
ومنها: أَطَمة (^١) بساحل الهند بين مملكة شروان والمهراج، يخرج منها نفط أبيض وليس في العالم نفط أبيض لممواه، وعندها نار لا تخمد ليلًا ولا نهارًا، وليس في آطام الأرضِ أعظم منها، وتضيء في الليل منها نارٌ تُرى في البحر الشرقي من مئة فرسخ، وتقذف بجمرٍ كالجبال وقطعٍ من الصخور في الهواء، ثم تنعكس سفلًا فتهوي في قعرها وهي سود وحمر لما نالها من الحوارة. وقال الجوهري: والأُطُم (^٢) مثل الأُجُم -جمع أَجَمة.
ومنها: بطة من نحاس على عمود من نحاس بين الهند والصين في أرضٍ يقال لها: كثار. حكى جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إذا كان يوم عاشوراء مدَّت عنقها إلى نهر تحتها فتشرب منه ثم تعود إلى مكانها وتفتح منقارها فيفيض منه من الماء ما يكفي ساكني تلك البلاد وزروعهم ومواشيهم إلى مثل عاشوراء مثل ذلك اليوم في السنة القابلة (^٣).
ومنها: قنطرة بين السوس وجندي سابور، ذكرها في "المسالك" وقال: هي على وادي منه أنهار جندي سابور والسوس، وطول القنطرة أربع مئة ذراع بناها سابور، وأساسها في الأرض ثلاثون ذراعًا، وارتفاعها في الهواء مئة ذراع، وبين صخورها الرصاص مصبوب، وفيها نيف وعشرون طاقًا، كلّ طاقٍ عشرة أذرع، يخرج من تحت القنطرة نيف وثلاثون نهرًا تسقي رستاق السوس وجندي سابور ولا ينقص الماء (^٤).
ومنها: ما ذكره ابن حوقل في "صفة الدنيا" فإنه قال: الخزر اسم إقليم، وقصبته تسمى: إتل، وإتل أيضًا اسم النهر الذي يجري إليها من الروس وبلغار ويصبّ في بحر الخزر، وقد ذكرناه، واسم ملكهم أيضًا إتل، وقصره مبني بالجصّ والآجر، ولا يسمح
_________________
(١) الأطمة مثل الأجمة: الحصن. "تاج العروس" (أطم).
(٢) في (ب) و(ل): والأطمة، والمثبت من (ط) و"الصحاح": (أطم).
(٣) "المنتظم" ١/ ١٦٤ - ١٦٥، و"التبصرة" ٢/ ١٨٩.
(٤) "المسالك والممالك" ص ٤٣.
[ ١ / ١٣١ ]
لأحدٍ من رعيته في البناء بهما، وهو يهودي وعسكره اثنا عشر ألفًا كلهم يهود، وحاشيته أربعة آلاف، وفي بلاده مسلمون ويهود ونصارى ومجوس وعبدة الأوثان، وللملك سبعة من الحكام من هذه الأصناف التي ذكرنا يقضون بين الناس ولا يصل أحدٌ إلى الملك إلّا في النادر.
وذكر ابن حوقل حكايةً طويلة اختصرتها، حاصلها: أن رجلًا وُلدَ له ولد، وكان له غلامٌ يتّجر بماله، فمات الرجل وتنازع الولد والغلام في المال، فالولد يقول: هو مال أبي، والغلام يقولُ: بل المال لي والرجلُ أبي، وأقاما يتحاكمان عند الحكام سنة، وأقام كلُّ واحدٍ منهما البينة، ومن عادتهم إذا امتدت الحكومةُ سنةً ولم تنفصل حالٌ تولَّى الملكُ الأمر بنفسه، فأحضرهما الملك وأعيدت عليه الدعاوى، فلم يجدْ ما يقتضي الترجيحَ بين البيِّنتين فأفكر ساعة وقال للابن: أتعرف قبر أبيك؟ فقال: كنت غائبًا لما مات، ولما قدمتُ قالوا: هذا قبر أبيك، فقال للغلام المدَّعي البنوَّة: أتعرف قبر أبيك؟ قال نعم: أنا توليتُ دفنه، فقال عليَّ برِمَّةٍ منه -رمة بكسر الراء: عظم بالٍ- فأحضرَت، فقال: افصدوا الغلامَ على هذه الرمة ففصدوه فكان الدم يحيد عنها يمينًا وشمالًا لا يعلَق بها منه شيء، ثم قال: افصدوا الابنَ عليها، ففصدوه فعلق الدم بالرَّمة وشربته جميعه، فسلَّم المال إلى الابن وأَدَّبَ الغلامَ ونكَّلَ به (^١).