روى وهب بن منبِّه أنه قال: بلغني عن ابن عباس أنه قال: أقدمُ حائط على وجه الأرض حائط قبلةِ دمشق، وفيه قبرُ هود ﵇. وفي روايةٍ عن كعب أنه قال: أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حَرَّان ودمشق وبابِل (^٧).
_________________
(١) لم نقف على كلام الجوهري في "الصحاح".
(٢) "الصحاح": (دمشق).
(٣) "الصحاح": (جلق).
(٤) في "ديوانه" ص ٣٦٤.
(٥) انظر "معجم البلدان" ٢/ ١٥٤.
(٦) وهو إبراهيم بن أبي بكر بن عبد العزيز، أبو إسحاق الجزري الكتبي المعروف بـ"فاشوشة" وكان من المعمرين (٦٠٢ - ٧٠٠ هـ) والبيتان له. انظر "عقد الجمان"٤/ ١٥٠، و"شذرات الذهب" ٥/ ٤٥٦.
(٧) أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٤.
[ ١ / ٦٤ ]
وذكر مجاهد عن ابن عباس في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] قال: هي دمشق (^١)، وكذا في قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] إنها دمشق.
ورُوي عن ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا أنه قال: قد وكل الله بكلِّ بلد مَلَكًا يحرسه، إلَّا دمشق فإنه يتولاها بنفسه. والموقوف أصح (^٢).
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الرحمن بن جبيرِ بن نفير عن أبيه، قال: حدثنا أصحابُ محمد ﷺ أنه قال: "سَتُفتح عليكم الشَّام، فإذا تَخيَّرتُم المنازلَ فيها، فعليكم بمدينةٍ يُقال لها: دِمشقُ، فإنَّها مَعقِلُ المُسلمين مِنَ الملاحِم، وفُسْطاطُهم بأرضٍ يقال لها: الغوطة" (^٣)، إلا أنَّ جَدي ﵀ ضعَّف هذا الحديث وذكره في "الأحاديث الواهية" وقال: قال يحيى بن معين: في إسناده أبو بكر بن أبي مريم ليس بشيء (^٤).
قلت: وقد أخرج مسلم عن النَّوَّاس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ: "ينزِل عيسى بنُ مريمَ عندَ المَنارةِ البيضاءِ، شرقيَّ دِمشقَ بين مَهْرودَتَين، واضعًا كَفَّيه على أجنحَةِ مَلَكَين" (^٥). وهو حديث طويل. والمَهْرودَة: المصبوغة.
وروى وَهب بن منبِّه قال: كان الخضِر ﵇ يطرقها، فأتاها مرة فوجدها بحيرةً، فغاب عنها خمس مئة سنة، ثم أتاها فإذا هي عامرة، فغاب عنها خمس مئة سنة أخرى وأتاها، فإذا هي مقصبة، ثم عاد إليها فوجدها عامرة، فعل ذلك مرارًا، وهذا يدل على أنها قديمة.
وحكى الحافظُ أبو القاسم في "تاريخه": أنه كان بدمشق رجلٌ صالح، وكان يقصده الخضِر ﵇، وذلك في زمان معاوية بن أبي سفيان، فبلغ معاوية، فجاء إلى الرجل وقال له: اجمع بيني وبين الخَضِر عندك، قال: نعم، فجاء الخضر على
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٩١، من حديث عكرمة عن ابن عباس.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) أحمد في "مسنده" (١٧٤٧٠).
(٤) "العلل المتناهية" ١/ ٣٠٧.
(٥) صحيح مسلم (٢٩٣٧). والمهرودتان: ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران. انظر: شرح النووي ١٨/ ٦٧.
[ ١ / ٦٥ ]
عادته، فأخبره بما قال معاوية، فقال: ليس لي إلى ذلك سبيل، فقال: فأخبر معاوية بما قال، فقال له معاوية: قل له: قد قعدنا مع من هو خير منك، وحدثناه وخاطبناه، وهو محمد ﷺ، ولكن اسأله عن ابتداء بناء دمشق، كيف كان، فقال: نعم، وذكر بمعناه (^١).
وذكر الحافظ أيضًا عن أبي الحسين الرازي والد تَمَّام، ذكر في "تاريخه": أن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس لما حاصر دمشق وهدم سورها، وقع منه حجر عليه منقوش باليوناني، فترجم بالعربية وكان: ويكِ إرم (^٢) الجبابرة، من رامك بسوء قصمه الله، ويلك من خمسة أعين، ينقض سورك على يديه بعد أربعة آلاف سنة، فنظر فإذا هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ففعل بها ما فعل (^٣).
وقد ورد في فضائل دمشق أخبار، للمحدثين فيها نظر، فلذلك عَدَّينا عنها. وقد ذكرها أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" وليس فيها ما يثبت إلا النادر.
وذكر الحافظ أبو القاسم أيضًا في أخبار دمشق: أن أبا الفتح المسلّم بن هبة الله، أَلَّفَ (^٤) رسالة في تفضيلِ دمشق على الدنيا، وكان فاضلًا، وهو القائل: [من الطويل]
وما ذقتُ طَعْمَ الماء إلا وَجدتُهُ … كأن ليس بالماءِ الذي كنتُ أعرفُ
وما سرَّ صَدْري مذ تناءَتْ بيَ النوى … أنيسٌ ولا مالٌ ولا مُتَصَرَّفُ
وما أحضرُ اللَّذَّاتِ إلَّا تكلُّفًا … وأيُّ سُرورٍ يَقتضيهِ التَّكلُّفُ
وروي عن كعب الأحبار: أنه رأى رجلًا من أهل الشام، فقال: من أين أنت؟ فقال: من دمشق، فقال: أنت من الذين يُعرَفونَ في الجنَّةِ بالثيابِ الخضر (^٥).
وحكى جماعة عن مشايخ دمشق: أنَّ بالغوطة مئة ألف ونيفًا وثلاثين ألف بستان،
_________________
(١) "تاريخ دمشق" ١/ ٥ - ٦.
(٢) في (ل): "أم" والمثبت من "تاريخ دمشق".
(٣) "تاريخ دمشق" ١/ ٧، والخمسة أعين، هي أول حرف من اسم هذا الرجل واسم آبائه، و"بن عبد المطلب" مستدرك من "تاريخ دمشق".
(٤) في النسخ: "صنف ألف"، والمثبت من تاريخ دمشق ٦٧/ ٢٠٥.
(٥) أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" ١/ ١٢٣ - ١٢٤.
[ ١ / ٦٦ ]
وسنذكر أنهارها فيما بعد.
وقد أكثرت الشعراء في وصف دمشق، فمنهم أحمد بن منير الطرابلسي.
أنبأنا أبو البركات الدمشقي عن جماعة من أشياخه، قالوا: أنبأنا ابن منير، قال: [من البسيط]
حَيِّ الدِّيارَ على عَلْياءِ جَيْرون … مَهْوى الهوى ومغاني الخُرَّدِ العِينِ
مُرادَ لَهْويَ إذْ كَفِّي مُصَرِّفةٌ … أَعِنَّةَ العيس في فِيحِ الميادينِ
فالنَّيربَين فَمَقْرى فالرياض فَجَمْـ … رايا فَجَوِّ حواشي جسر جِسْرِينِ
فالقَصْر فالْمَرْج فالمَيدان فالشَّرَف الـ … أعلى فسَطْرا فَجَرْمانا فقُلْبِينِ
تلك المنازل لا وادي الأَراكِ ولا … رمْلُ المصلَّى ولا أَثْلاتُ يَبْرِينِ
واهًا لطيبِ غُديَّاتِ الرَّبيعِ بها … وبردِ أنفاس آصالِ التشارينِ
وَطابَ تَغْرِيدُ قَيناتِ الغُصون وأَغْـ … ـنَتْها الحَنَاجِر عن شَدِّ الدَّساتِينِ (^١)
وقد وازنها أبو عبد الله محمد بن محمد، الملقب بالعماد الكاتِب الأصبهاني، ولي منه إجازة، قال (^٢): [من البسيط]
أهدَى النَّسيمُ لنا ريَّا الرَّياحينِ … أم طيبَ أخلاقِ جيراني بِجَيرونِ
هَبَّت لنا نفحةٌ في جِلَّقٍ سَحَرًا … باحتْ بِسرٍّ من الفردوسِ مكنونِ
ومنها: [من البسيط]
دمشقُ عنديَ لا تُحْصَى فضائلُها … عَدًّا وحَصْرًا ويُحْصَى رملُ يَبْرينِ
وما أرى بلدةً أخرى تُماثِلُها … في الحُسنِ من مِصرَ حتى مُنتهى الصِّينِ
وإنَّ من باع كلَّ العُمر مُقتنعًا … بساعةٍ في ذُراها غيرُ مَغْبونِ
لما عَلَتْ هِمَّتي صَيَّرْتُها وطني … وليس يَقنعُ غيرُ الدُّونِ بالدُّونِ
ترى جواسِقَها (^٣) في الجوِّ شاهقةً … كأنَّهنَّ قصورٌ للسلاطينِ
_________________
(١) هذا البيت زيادة من (ل)، والدساتين: هي الرِّباطات التي توضع الأصابع عليها في آلة العود. مفاتيح العلوم ١/ ٤٥.
(٢) الأبيات في "الخريدة" "قسم شعراء دمشق" ص ٣٠ - ٣٤.
(٣) الجواسق: القصور.
[ ١ / ٦٧ ]
دارُ النَّعيم ومِنْ أدنى محاسِنِها … ثمارُ تمُّوزَ في أيامِ كانونِ
نَعيمُها غيرُ مَمنوعٍ لساكِنها … كالخُلْدِ والمنُّ فيها غيرُ ممنونِ
أزهارُها أبدًا في الرَّوض مونِقَةٌ … فَحُسنُ نَيسانَ مَوصولٌ بتِشرينِ
وللحمائمِ في الأسحارِ أدعيةٌ … مرفوعةٌ شُفِعَتْ منَّا بتأمينِ
خافتْ على الرَّوضِ من عينِ مُطَوَّقة … أضحتْ تُعَوِّذُهُ منها بياسينِ
مِن كلِّ مُطْرِبِ صوتٍ غيرِ مُضطَربٍ … وكلِّ مُعْربِ لفظٍ غيرِ ملحونِ
وللبساتينِ أنهارٌ جَداولُها … تَسْتَنُّ في الجَرْي أمثال الثَّعابينِ
وقد تراءَتْ بها الأشجارُ تحسِبُها … صفوفَ خَيلٍ صفونٍ (^١) في الميادينِ
يا صاحبيَّ أفيقا فالزَّمانُ صحا … ولانَ من بعد تشديدٍ وتخشينِ
دارُ المقامةِ قد أضحت مَحَلَّكما … ونِلتُما العزَّ في أمنٍ من الهُونِ
وقال ابن منير أيضًا (^٢): [من البسيط]
سَقى دمشقَ ومغنًى للهوى فيها … حَيًا تهزُّ له أعطافَها تِيها
لا زال للدَّوحِ عطَّارًا يُراوحُها … وللسَّحائب خمَّارًا يُغاديها
دارٌ هي الجنَّة المحبورُ ساكِنُها … فإن تَكُنْها وإلَّا فَهْيَ تَحْكيها
تَباركَ الله كم مِن مَنظَرٍ بَهِجٍ … يَستوقِفُ الطَّرْفَ في بطحاءِ واديها
من أبيات.
وقال محمد بن القَيسَراني: [من البسيط]:
أرضٌ تحلُّ الأماني من محاسنها … بحيث تَجتمعُ الدُّنيا وتَفترقُ
إذا شدا الطَّيرُ في أغصانِها وقَفَتْ … على حدائقها الأَسماعُ والحَدَقُ
وقال فيها أيضًا أشعارًا كثيرة.
وقال القاضي أحمد بن كامل: لما قدِمها البُحتري مع المتوكِّل، وشاهد أنهارها وأشجارها وأطيارها وقصورها وولدانها وحورها، قال: ارتفعت دمشق عن الوصف فهي كما قيل:
_________________
(١) في (ل): "صفوف" والمثبت من "الخريدة"، وصفن الفرس: قام على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة.
(٢) الأبيات في "ديوانه" ص ٢٠٦.
[ ١ / ٦٨ ]
في كلِّ ناحيةٍ من وجهها قمر (^١)
ثم قال (^٢): [من البسيط]
العيشُ في ليلِ داريَّا إذا بَرَدا … والرَّاحُ نَمزُجُها بالماء من بَرَدى
أمَّا دمشقُ فقد أبْدَتْ محالسِنها … وقد وَفَى لك مُطريها بما وَعَدا
من أبيات.
وللعماد الكاتب في مدحها قصائد عديدة ذكرها في "الخريدة" (^٣).
وقال ابن الكلبي: دمشق كورة من كُوَرِ الشام، ومن أعمالها:
البَلْقاء، منسوبة إلى بالق.
وعَمَّان -بالتشديد- سميت بذلك لأن عَمَّان بن لوط عمرها وأقام بها.
وزُغَر ومَآب باسم ابنتي لوطٍ ﵇، وقيل: مآب بن لوط والرية بنت لوط ﵇.
وقيل: وسميت صَيْدا بصَيدون بن كنعان بن نوح ﵇.
وأَريحا: بأرِيحا بن مالك بن أَرْفَخشذ بن سام بن نوح.
وسميت: الكُسْوة، لأنَّ رسل ملك الروم باتوا بها، فسرقت ثيابهم، فأصبحوا عُراة، وقيل: لأن غسان قتلتهم واقتسمت ثيابهم وكسوتهم.
والجابيَة: الحوض.
قال: وصُور وعَكَّة من أعمال دمشق، وقال الجوهري: عَكَّه -بالهاء- قال: وهي اسم بلد بالثُّغور (^٤). ويقال: عكَّا بالمَدّ، بدليل أنك إذا نسبت إليها قلتَ: رجل عَكَّاوي، وصُور من صار إذا مال، وهي مائلة في البحر.
_________________
(١) هذا عجز بيت لبشار بن برد وصدره: "كأنما أفرغت في جوف لؤلؤة" وعزاه إليه أسامة بن منقذ في "البديع في البديع"، ولم نقف عليه في ديوانه.
(٢) البيتان في ديوانه ٢/ ٧٠٩ - ٧١٠.
(٣) "الخريدة" "شعراء دمشق" ص ١٩ - ٣٤.
(٤) "الصحاح": (عكك).
[ ١ / ٦٩ ]
ومنها: الرَّبْوَة، كان عيسى ﵇ وأمه يأويان إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
ومنها: قاسِيُون، وسنذكره في الجبال.
وبظاهر دمشق أماكن مباركة، منها: مقبرة باب الفَرادِيس، كان كعب الأحبار يقول: يبعث الله منها سبعين ألف شهيد، يشفعون في سبعين ألف إنسان (^١).
وقال كعب: بِطَرَسُوس عشرة من قبور الأنبياء، وبالمَصِّميصَة خمسة، وبأَنْطاكِيَة قبر حبيب النجار، وبِحِمْصَ ثلاثون نبيًّا، وبدمشق خمس مئة، وبالسواحل ألف نبي، وببيت المقدس ألف نبي، وبالعَرِيش عَشرة.
وروى مكحول عن ابن عباس قال: من أراد أن ينظرَ إلى قبور الأنبياء فعليه بالشام (^٢).
قلت: وقد ذكر أبو القاسم ابن عساكر آثارًا في أماكن بظاهر دمشق، منها:
قرية بَرْزَة، فروى بإسناده إلى ابن عباس: قال: ولد إبراهيم في غوطة دمشق، بقرية يقال لها: بَرْزَة، في جبل يقال له: قاسِيون (^٣). ثم ذكر بعده: أن إبراهيم قدم إلى الشام، وجاهدَ ملك النَّبَط، وجاءَ فصلَّى في المقام (^٤).
قلت: لا خلاف بين علماء السير أن إبراهيم ولد بالعراق، ما اختلف فيه اثنان (^٥).
ثم روى بعد هذا: أن جبل بَرْزَة هو الذي رأى منه إبراهيم الكواكب، وقال: هذا ربي وهذا تناقض، ثم قال: والشقُّ الذي في المسجد هو الذي اختبأ فيه إبراهيم من نُمرود (^٦)، ثم روى بعد هذا حديثًا عن النبي ﷺ، أنه قال: "وبالغوطة جبلٌ يقال له:
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٣٦٦.
(٢) أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٣٦٦.
(٣) "تاريخ دمشق" ١/ ٣٣١.
(٤) "تاريخ دمشق" ١/ ٣٣٢.
(٥) وسيذكر المصنف الاختلاف فيه عند مولده ﷺ، وقد نص ابن عساكر في "تاريخه" ٢/ ٣١٣ على ما اعتمده المصنف أنه ولد بالعراق.
(٦) "تاريخ دمشق" ١/ ٣٣٢.
[ ١ / ٧٠ ]
قاسِيون، فيه قتل ابنُ آدَم أخاه" (^١). وهذا الحديثُ لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ، ولا قتل قابيل أخاه بالشام، بل في الهند، وسنذكره فيما بعد. وذكر أيضًا أن الدم الذي على قاسِيون دمُ هابيل، وأن الملائكة نزلت عَزَّتْ آدمَ في الكهف الذي بقاسِيون، وحكاه عن كعب الأحبار وغيره (^٢).
قلت: ما ورد عن كعب الأحبار في هذا الباب، فقد توقَّفَ الناسُ في رواية كعب، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يضربه بالدِرَّة ويقول: دعنا من يهوديتك، ومع هذا أجاز روايته بعضُهم إذا لم يرو عن النبي ﷺ؛ لأنه أسلم على يدِ عمر، فالرواية عن رسول الله ﷺ في هذا الباب فيها وهنٌ عظيم إذا لم توافق السننَ والأصول.
فروى أبو القاسم في فضل دمشق والغوطة حديثًا عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "خلق الله ﷿ جمجمة جبريل على قدر الغوطة" (^٣). وهذا مما لا توافقه عليه قضايا العقول، لأنه قد ثبتَ في الصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خلق الله تعالى الملائكة من نور" (^٤). والنور روحاني فكيف يكون جسمًا، وفي رواية: "من نور العرش" (^٥) ولما سأله رسول الله ﷺ أن يظهر له في صورته، ظهر فسدَّ أحدُ جناحيه ما بين المشرق والمغرب (^٦)، وسنذكره في ليلة المعراج.
عدنا إلى قول ابن المنادي:
والشام الرابعة: الأُردُنُّ ومدينةُ طبريَّة على ساحل البحيرة، ويقال: إنها من بناء سليمان ﵇، وأن قبره على شاطئ البحيرة.
_________________
(١) "تاريخ دمشق" ١/ ٣٣٣.
(٢) "تاريخ دمشق" ١/ ٣٣٤، دون قصة تعزية الملائكة لآدم.
(٣) "تاريخ دمشق" ١/ ٣٣٩.
(٤) أخرجه مسلم (٢٩٩٦) من حديث عائشة ﵂.
(٥) أورده ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ٣٩٢، وعزاه إلى ابن مردويه.
(٦) أخرجه ابن عدي في "الكامل" ١/ ٣٥٨، والخطيب في "موضح أوهام الجمع" ١/ ٤٧١ من حديث ابن عباس ﵁ وفيه إدريس بن سنان قال ابن عدي: أرجو أنه من الضعفاء الذين يكتب حديثهم. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص ٧٤ من حديث ابن شهاب عن النبي ﷺ مرسلًا، ورؤيته ﷺ لجبريل في الصحيحين البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧) من حديث عائشة ﵂.
[ ١ / ٧١ ]
قال: والشام الخامسة: الرَّمْلَة، ومدينتها فلسطين والبيت المقدس وعَسْقَلان وغَزَّة والبلاد الساحلية.
قلت: وقد أشار الجوهري إلى ما ذكر ابن المنادي، فإنه قال: الشام خمسة أجناد: دمشق، وحِمْص، وقِنسْرين، والأُردن، وفلسطين، يقال: لكل مدينة جند (^١).
وقال ابن الجَواليقي: وشَيْزَر اسم موضع لا أحسبه عربيًّا صحيحًا (^٢). وقال في "الصحاح": وشيزر بلدٌ (^٣).
وقد ذكر امرؤ القيس حماة في شعره، فدلَّ على أنها قديمة، والشعر الذي ذكر حماة فيه (^٤): [من البسيط]
تَقَطَّعُ أَسبابُ اللُّبانةِ والهوى … عَشيَّةَ جاوزنا حماةَ وشَيْزَرا
وقال أبو عبيد: ومن الناس من يبتدئ بالرملة فيجعلها للشام الأعلى وبعدها فلسطين، ثم دمشق، ثم حمص، ثم حلب.