فمنها: حَلَب، وقد ذكرها الجوهري فقال: وحَلبُ مدينة بالشأم (^٣).
وقال أبو الحسين ابن المنادي: الشامات خمس كُوَر:
الأولى: قِنَّسْرِين، ومدينتها العظمى حَلَب، وقِنَّسْرِين أقدم منها، وبينهما أربعة فراسخ، وفيها آثار الخليل ﵇ ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك، كبني حمدان وغيرهم، قال: ومن رُسْداقِها مَنْبج وهي مدينة قديمة (^٤). وذكرها الجوهري فقال: وَمنْبجُ اسم موضع (^٥).
وفي ساحل حلب مدن منها: أنْطاكِيَة، ذكرها ابن الجَواليقي في "المعرب"، وقد تكلمت بها العرب قديمًا، وكانوا إذا أعجبهم شيء نسبوه إليها (^٦). واختلفوا في بانيها فقال قوم: بناها أَنْطُخُس أولُ ملوكِ اليونان، وصيَّرها دارَ ملكه، وحشد إليها الحكماءَ وأصحابَ الرَّصْدِ وأخذَ الطوالعَ بها، ومسافةُ سورها اثنا عشر ميلًا، وعدد أبراجها مئة وستة وثلاثون برجًا، وعدد شُرُفاته أربع وعشرون ألفًا، وهذا السور في السهل والجبل، وقال أبو معشر: بنيت بعد الإسكندر الثاني بمئة سنة، والنصارى تسميها دارَ الله؛ لأن النصرانية ظهرت منها بعدما دثرت.
_________________
(١) "الصحاح": (حرن).
(٢) في (ل): "بهاران ابن أخي ازرع"، والمثبت من "المعرب" ص ١٧١.
(٣) "الصحاح": (حلب).
(٤) انظر "بغية الطلب" ١/ ٧٢.
(٥) "الصحاح": (نبج).
(٦) "المعرب" ص ٧٣.
[ ١ / ٦١ ]
وقال ابن المنادي: والشَّأم الثانية: حِمْصُ وأعمالها، وكانت مركز ملوك الروم، وكان زيتونها وقنواتها متصلة بتَدمُر وبَعْلَبك، ومن سواحلها طَرابُلُسُ وما والاها، وقد نزلها خَلْقٌ من الصحابة.
قال: والشَّأم الثالثة: وهي الغوطة، ومدينتها: دمشق، واختلفوا في الذي بناها على أقوال:
القول الأول: نوح ﵇، لما خرج من السفينة، أقام بثَمانِين (^١) مدة، ثم جاء إلى الشام، فأشرف من جبال الغوطة على الغوطة فأعجبته، فشرع في بنائها واتخذها دارًا، وهي أولُ مدينةٍ خُطَّت بعد الطوفان. قاله النضر بن شميل.
والقول الثاني: بيوراسب، وبنى بعدها صُورَ بالساحل. قاله مجاهد.
والقول الثالث: عاد بن عوص، وأنها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧]. قاله كعب الأحبار.
والرابع: ذو القرنين الإسكندر الأول، لما عاد من المشرق صعد على عَقبة دُمَّر، ومعه غلام اسمه: دمشق، فرأى المياه ضائعة، لنقال له: يا دمشق، ابن هاهنا مدينة، ورسمها له فبناها. حكاه أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخ دمشق" وقال: كان الغلام يقال له: دمشقش بزيادة شين، قال: وكان وادي دمشق كله شجر الأرز، قال أبو القاسم: والأرزة التي وقعت في سنة ثلاث مئة وثلاث عشرة من ذلك الأرز، وبنى مكان الجامع معبدًا يَعبد الله فيه (^٢).
والقول الخامس: غلام للخليل ﵇، يقال له: العازَر، وهبه له نمرود لما خرج من النار سالمًا. حكاهُ وهب بن منبه (^٣).
والقول السادس: سليمان ﵇.
وبَرِيد وجَيْرون اللذان ينسب إليهما باب البَرِيد وباب جَيرون، هما شيطانان في قول
_________________
(١) ثمانين: بليدة عند جبل الجودي، فوق الموصل. "معجم البلدان" ٢/ ٨٤.
(٢) "تاريخ ابن عساكر" ١/ ٦ - ٧.
(٣) أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٥.
[ ١ / ٦٢ ]
أبي الحسن المدائني، كانا على عهد سليمان، وفي قول كعب الأحبار: هما أخوان، وأبوهما سعد بن لقمان بن عاد لما نذكر بعد هذا. وقيل: كان موضع جَيْرون وباب البَرِيد مدينة صغيرة، وهما من بعض أبوابها.
وإنما سُمي: البابَ الصَّغير، لأنَّه كان أصغَرَ أبوابها لما بنيت.
وباب كيسان: منسوب إلى كيسان مولى معاوية.
وباب تُوما: ينسب إلى عظيم من الروم يقال له: تُوما.
وباب الفَرادِيس: منسوب إلى محلة كانت في ظاهره يقال لها: الفَرادِيس.
وباب الفَرَج: فتحه نور الدين محمود بن زَنْكي ﵀؛ تفاؤلًا باسمه وما فتح عليه من الفتوح ببلاد الفرنج.
وباب الجابيَة: منسوب إلى قرية الجابيَة، وكانت مدينة عظيمة في الجاهلية (^١).
وفي السور أبوابٌ صغار تفتح عند الحاجة إليها (^٢).
وذكر أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خُرْداذْبه: أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانوا باليمن، فأرسل الله تعالى إليهم حنظلةَ بن صفوان نبيًّا فقتلوه، فسار عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح بولده من الرَّسِّ، فنزل الأحقاف، وأهلك الله أصحابَ الرَّسِّ، وانتشر ولد عاد في بلاد اليمن، ثم خرجوا إلى الشام، فنزل جَيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح دمشق، وبنى مدينتها وسماها: جَيرون، وهي إرَم ذاتُ العماد، فبعث الله هود بن عبد الله بن رياح بن خالد بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح نبيًّا إلى قوم عاد بالأحقاف، فكذبوه فأهلكهم الله. وسنذكر قصتهم في موضعها إن شاء الله تعالى.
وقال بعضُ الأوائل: إنها بنيت على الكواكبِ السبعة، وكان لها سبعة أبواب، على كُلِّ باب صورة (^٣)، فالباب الشرقي للشمس، وباب توما للزُّهَرَةِ، وباب السَّلامة
_________________
(١) جاء بعدها في "كنز الدرر" ١/ ١١٢: وباب السلامة: سمته العرب، لأنه لم يكن من جهته قتال في وقت فتوحها في خلافة أبي بكر وعمر ﵄.
(٢) انظر "تاريخ ابن عساكر" ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٣) جاء بعدها في "كنز الدرر" ١/ ١١٣: "الكوكب المختص به".
[ ١ / ٦٣ ]
للقمر، وباب الفَراديس لعُطاردِ، وباب الجابية للمِرِّيخ، والباب الصغير للمُشتَري، وباب كَيسان لزُحَل.
وقال الجوهري: ويقال: إن صورة زُحَل باقية عليه إلى الآن (^١).
ودمشق قَصَبَةُ الشَّام، قال: ودمشق من صفات النُّوق (^٢).
واختلفوا في لفظة جِلِّق، فقال الجوهري: جِلِّقُ موضع بقرب دمشق (^٣). وقد جاء في الشعر الفصيح، قال حسان (^٤) [من الكامل]:
للهِ دَرُّ عِصابةٍ نادمتُها … يومًا بِجِلِّقَ في الزَّمانِ الأولِ
قال: وقيل إنه صورة امرأة، كان الماء يجري من فيها في قرية من قرى دمشق (^٥).
وقال الهيثم: بنيت دمشق في خمس مئة سنة، وأصل مياهها من عين في مرج الزَّبَدانيِّ عند قرية يقال لها: بَرَدى، ثم يجتمع من عين الفِيجة وينقسم سبعةَ أنهار، وفي بَرَدى يقول بعض القدماء (^٦) [من البسيط]:
وما ذَكرتكمُ إلا وَضَعتُ يَدِي … على حَرارةِ قَلبٍ قلَّ ما بَردا
وما تَذكَّرْتكم والدمعُ يَشرَقُ بي … إلّا تحدَّر من عينيَّ ما بَرَدى