أما الفُسْطَاط فسنذكره عند فتوح مصر وكذا القاهرة عند بنائها.
وذكر ابن حَوْقل في "كتاب الأقاليم" فقال: وأما مصر فلها حدٌّ يأخذ من بحر الروم
_________________
(١) القِلْع: الشراع.
(٢) "المسالك والممالك" ص ١١٣ - ١١٥.
(٣) بعدها في "كنز الدرر" ١/ ١٢٣: "كلها برها وبحرها، ومنزلته".
[ ١ / ٧٤ ]
من الإسكندرية، إلى بَرْقَة في البرية، ثم إلى ظهر الواحات، ويمتد إلى بلاد النُّوبَة، ثم يعطف على حدِّ أسوان إلى أرض البجاة وينتهي إلى بحر القُلْزُم إلى طور سَيناء، ثم يعطف على تيه بني إسرائيل مارًّا في الجِفار إلى بحر الروم خلف العَريش إلى رَفَح، ثم يعود على ساحِل البحر الروميِّ إلى الإسكندرية (^١).
ومن مدائنها القديمة: مدينة فرعون، واسمها مَنْفُ، وقيل: عين شمس، وكان قد بالغ في بنائها وجعل لها سبعين بابًا، وبنى حيطانها بالصُّفر والنحاس، وزخرفها بالذهب والفضة، وأجرى الأنهار تحت قصورها، وأجرى الماء تحت سريره ونصبه على الماء، وافتخر وقال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزحْرف: ٥١] وبالغ فيما فعل (^٢). وسنذكره في قصته مع موسى ﵇.
ومنها: الإسكندريَّة، واختلفوا في بانيها على أقوال:
أحدها: شدَّاد بن عاد. قاله وهب.
والثاني: الإِسكندر الأول ذو القرنين، وهو المقَدُوني. قال الهيثم بن عدي: ومَقَدُونية هي أرض مصر، وإنما سميت مصر بمصر بن حام بن نوح ﵇، وكان مصر بن حام لما انفصل عن بابل نزلها، فنسبت إليه، وقسمها بين أولاده الأربعة، وهم قفط وأشمون وأقرن وصا، وكان قفط هو الأكبر، وسمى كل مكان باسم ولد.
وقال الهيثم: مرَّ بها ذو القرنين فأعجبه مكانها وصحةُ هوائها، فأمر بعمارتها، فلما شرع وجد أثر البنيان، ومرمرأ ورخامًا وعمودًا عليه بالقلم المسند من أقلام حِمير، فحلَّه فإذا هو: أنا الملك شدَّادُ بن عاد، شددت بساعدي البلاد، وقطعت الأطواد، وبنيت إرم ذات العماد، التي لم يكن مثلها في البلاد، وأردت أن أبني هنا مثل إرم، وأنقل إليها كل ذي قدم، من جميع الأمم، لا خوف ولا هرم، ولا غم ولا سقم، فرماني الدهر بسهمه، فأصاب مقتلي، وأخرجني من داري ووطني، فمن رآني فلا يغترَّ بالدنيا بعدي.
_________________
(١) "صورة الأرض" ص ١٢٦.
(٢) انظر "المسالك والممالك" ص ١٦١.
[ ١ / ٧٥ ]
فلما قرأ الإسكندر ما على اللوح، قوي عزمه على بنائها، فجمع الحكماء والمهندسين وأربابَ الرصد، وهيَّأ الأخشاب والحجارة، وقال للمنجمين: خذوا طالع الوقت، وهيَّأ على الأخشاب أجراسًا عند الأساس، وقال للمنجمين: إذا أخذتم الطالع، فحرِّكوا الأجراس لتضعوا الأساس، وذلك برأي مني، واتفق أن الإسكندر نام في تلك الساعة والمنجمون يرصدون، فغفلوا فجاء غراب فقعد على الجرس الأكبر وحركه، فتحركت الأجراس دفعة واحدة، فوضع الصناع الأساس، وصاحوا صيحةً انتبه لها الإسكندر، فلما رأى الغراب قاعدًا على الجرس فهم القصةَ، فقال: أردنا أمرًا وأراد الله غيره، وأمر بإتمام البناء، فلما تمَّ السور خرجت في الليل من البحر دوابٌّ على صورة الشياطين فأخربته فأعاد البناء مرارًا وهي تهدم السور، فجمع الحكماء والمهندسين حتى تُحَقِّقَ صورهم وإذا بهم شياطين، فعملوا طِلَّسماتٍ من نحاس على صورهم، وجعلوها على أعمدة من نحاس، فلما خرجت الجن ورأت صورها على الأعمدة ولَّت منهزمة ولم تعد. وبنى عليها سبعةَ أسوارٍ بين كلِّ سورين خندقٌ، فتم بناؤها في مئة سنة.
والثالث: أنَّ الذي بناها الملكة دلوكة لتجعلها مرقبًا من ناحية الروم، لأنَّ الروم إنما ملكت مصرَ منها. قاله النُّوبَختي.
والرابع: أن الذي بنى الأهرام بناها، وإنما أُضيفتْ إلى الإسكندر لأنه سكنها. قال النُّوبَختي: مكث أهلها سبعين سنةً لا يمشون بالنهار إلا وعلى وجوههم خرقٌ سودٌ على عيونهم لشدة بياض حيطانها وصقالها.
ذكر منارتها: ذكر صاحب "المسالك والممالك": أن المنارة على سرطان من زجاج في البحر صنعه الإسكندر (^١). قلت: وليس كما ذكر، وإنما هي على جبل في البحر قد أكل الماءُ معظمَهُ وقد شاهدته في سنة أربعين وست مئة وصعدتُ على رأسها، والمنارة على خطر.
وقيل: إن الإسكندر لما مات كسروا آنيةَ طعامِهِ وشرابه وجمعوا جواهره وذخائره
_________________
(١) "المسالك والممالك" ص ١٦٠.
[ ١ / ٧٦ ]
وجعلوا الجميع في سرطان من زجاج ودفنوه في أساس المنارة، وهذا أصح.
وذكر جدي ﵀ في "المنتظم": أنه كان على رأس المنارة مرآة إذا نظر الناظر فيها قبل طلوع الشمس رأى مَنْ يَكونُ بالقسطنطينية وبينهما عرض البحر (^١).
قلت: وهذا إنما نقله من كتاب "المسالك والممالك" (^٢) وليس كما ذكر صاحب المسالك، فإن مسافة ما بين القسطنطينية والإسكندرية نيفًا وأربعين يومًا إذا طابت الريح، على ما حكاه لي مشايخ الإسكندرية، وإن ما بين الإسكندرية وقبرس إذا طاب الهواء مسيرة ثلاثة أيام، فكأن الناظر قبل طلوع الشمس ينظر فيها إلى المراكب وقد أقلعت من قبرس فيخبر أهل البلد فيستعدُّون للحرب، فتحَيَّلَ ملوكُ الفرنج حتى قلعوا المرآة من المنارة.
واختلفوا في أي زمانٍ قُلِعَتْ المرآة على قولين: أحدهما في زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان الإسكندر صنع هذه المرآة حفظًا للبلد من العدوِّ، فكان في عزم ملوك الروم، قصد مصحر فلم يتأتَّ لهم ذلك، وكان لهم ملكٌ داهية فأظهر الغضب على خادم له وكان خصيصًا به وكان الخادم باقعة (^٣) ذا مكرٍ وخديعة، فأعطاه أموالًا عظيمة وجواهر، وأسرَّ إليه ما يصنع، فخرج إلى بلاد الإسلام ودفن تلكَ الأموال والجواهر في أماكنَ متفرقة، وجاء إلى الوليد فأسلم على يده، وقال: أنا خادم الملك الفلاني، وقد رغبت في الإسلام، وقد وقع لي كتابٌ فيه أسماء المطالب التي بالشام ومصر فساعدني بالمال والرجالِ لترى ما أصنع، وكان الوليد شَرِهًا فأمدَّه بما طلب، فصار يحفر تلك الأماكن التي أودع فيها الأموال والجواهر ويحملها إلى الوليد، فسرَّ به واستولى عليه وملك قلبه وأخذ منه من الأموال أضعاف ما كان يحمل إليه، وكان يبعث بها إلى ملك الروم أولًا فأولًا سرًّا، فقال الخادم للوليد: إن تحت منارة الإسكندرية دفائنَ الإسكندر وذخائره وذخائر شداد بن عاد وملوك مصر لا يعلمها إلا الله، فابعثْ معي رجلًا لنهدمَ المنارة، وكان طولها ألف ذراع، والمرآة على رأسها،
_________________
(١) "المنتظم" ١/ ١٦٤.
(٢) "المسالك والممالك" ص ١١٥.
(٣) الباقعة: الرجل الداهية، والذكي العارف لا يفوته شيء ولا يدهى.
[ ١ / ٧٧ ]
فبعث معه الرجال فهدم جانبًا منها فثار المسلمون وأرادوا قتلَ الخادم وقالوا: تهدم هذه المنارة بقول علج؟! فأمهل الخادم إلى الليل وقد أعدَّ مركبًا للهرب، وصعد إلى المرآة نصف الليل وحده فقلعها ورمى بها في البحر، وركبَ المركبَ الذي أعَدَّهُ وتمَّتِ الحيلة، ذكره المسعودي (^١).
والثاني: أن الواقعة كانت في زمان الحاكم، بعث بعض ملوك الروم راهبًا فأظهر الإسلام وأقام يتعبد في المنارة حتى وجد فرصة فقلعها في الليل ورمى بها في البحر وهرب، ذكره أبو سعيد بن يونس (^٢) في "تاريخ مصر".
وذكر جدي ﵀ في "المنتظم" وقال: كان بالإسكندرية ست مئة ألف يهودي ونصراني خَوَلًا لأهلها (^٣). قلت: وهذا يحتمل أنه كان في قديم الزمان، أما اليوم فلا يبلغ أهلها هذا العدد المذكور.
وحكى ابن عساكر في "تاريخه" في حرف الهمزة في من اسمه أسامة بن زيد بن عدي أبو عيسى الكاتب التنوخي قال: كان بالإسكندرية صنم يقال له: شراحيل، على حَشَفَة من حَشَف البحر وهي في الجزيرة، وكان مستقبلًا بإصبعه القسطنطينية، لا يُدرى أكان مما عمله سليمان أو الإسكندر، فكانت الحيتان تجتمع عنده وتدور حوله فتصاد، فكتب أسامة إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان يخبره بخبر الصنم ويقول: الفلوس عندنا قليلة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقلعَ الصنمَ ويضربَهُ فلوسًا، فأرسل إليه الوليد رجالًا أمناء، فأنزلوا الصنم من الحشفة، فوجدوا عينيه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة، فذهبت الحيتان فلم تعد إلى ذلك المكان، وضربه فلوسًا (^٤).