قد أشار جماعة من المهندسين العلماء إلى مثل ذلك:
المأمون في "كتاب الجغرافيا" وهو كتابٌ ألفه بطليموس، وابن خُرْداذبه في كتاب "المسالك والممالك"، وابن حَوقل، وأبو معشر، وقد أشار أبو الحسين بن المنادي إلى طَرَفٍ من ذلك.
واختلفوا في مساحة الطول والعرض على أقوال:
أحدها: أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا عشر ألفًا للسودان، وثمانية آلاف للروم، وثلاثة آلاف لفارس، وألف للعرب، حكاه جدّي ﵀ في مصنفاته كالمنتخب وغيرِهِ عن قتادة (^١).
والثاني: أنها مسيرة خمس مئة سنة منها ثلاث مئة عمران، ومئتان خراب، لا ساكنَ بها. قاله ابن مضرّب (^٢).
والقول الثالث: أن طولها أربع مئة سنة وعرضها مئتان. قاله مجاهد.
والرابع: أن طولها وعرضها مسيرة ثلاث مئة سنة، العمران مئة سنة، والخراب مئة سنة، والبحار مئة سنة. قاله حسَّان بن عطية (^٣).
والخامس: أنها ستة وثلاثون ألف فرسخ في مثلها، فالهند والسند اثنا عشر ألف فرسخ، وهم ولد حام بن نوح، والصين ثمانية آلاف فرسخ، وللروم عشرة آلاف، وللعرب أربعة آلاف، وفيما بين ذلك ألفان. قاله السدّي عن أشياخه.
والسادس: أنَّ مقدار الدنيا ألف فرسخ، ثلث هواء، وثلث بحار، وثلث للناس والدواب. قاله مغيث بن سُمَيٍّ (^٤).
_________________
(١) انظر "المنتظم" ١/ ١٢٩.
(٢) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ٣/ ١٧٣.
(٣) أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٩٣٦).
(٤) أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٩٤٧) وفيه: الأرض ثلاثة أنواع: ثلث … وجاء في "كنز الدرر" ١/ ٩٦: =
[ ١ / ٤٥ ]
وقال في "جغرافيا": الهند والصين والمشرق خمسون ألف فرسخ، ومن حدود الهند إلى العراق أربع مئة فرسخ، وعمل رُومِيَة الروم ثلاثة آلاف فرسخ. وقد ذكره الفزاري.
وقال مقاتل: ما العمارة في الخراب إلَّا مثل الفسطاطِ في الصحراء (^١).
وقال أبو الحسين ابن المنادي: لا خلافَ أن الأرض على هيئة الكرة، وهي موضوعة في جوف الفلك كالمُحَّة في البيضة، والنسيمُ محيط بها كالبياض من المُحَّة، وهو جاذبٌ لها من جميع جوانبها، والأرضُ جاذبةٌ لما في الأبدان من الثقل، بمنزلة المغناطيس الذي يجذب الحديد، والفَلَك محيط بالنسيم كإحاطة القشرِ بالبياض، وهي مقسومة بنصفين، وبينهما خطُّ الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب، وهو طول الأرض، وأما عرضها: فمن القطب الشمالي الذي يدور حوله بنات نعش، إلى القطب الجنوبي، وذلك ثلاث مئة وستون درجة، والدرجةُ خمسة وعشرون فرسخًا، والفرسخُ اثنا عشر ألف ذراع، وهو أربعة آلاف خطوة بخطوة البعير، وهو ثلاثةُ أَميال، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا، والإِصبع ستُ شَعِيرات، كلُّ شَعيرةٍ ستُّ شَعرات من شَعر البِرذَون، وهذا الذراع قدَّره المأمون بمحضر من المهندسين والحُسَّاب، وهو بين الطويل والقصير، دون ذراع البحار والذراع الهاشميّ، فعلى هذا التقدير يكون ما بين القطبين تسعة آلاف فرسخ.
وقد أشار إلى هذا ابن خرداذبه في كتاب "المسالك والممالك" (^٢). وأشار في "جعرافيا" إلى هذا.
وقال ابن حوقل: "كتاب جغرافيا" ذَكَر فيه بطليموس طولَ الأرضِ وعرضها، وجبالها وبحارها وأنهارها، ومدنها، وجميع ما فيها، فنقله المأمون إلى العربية.
قال كعب الأحبار: وجدت في التوراة أن الدنيا مثلُ نسر، فالشامُ رأسه، والروم صدره، والمشرق والمغرب جناحاه، واليمن ذنبه، ولا يزال الناس بخير ما لم يفرغ
_________________
(١) = "ثلاثون" وفي "الدر المنثور" ٤/ ٤٣: ثلاثة أثلاث: ثلث …
(٢) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٧٥ من حديث وهب بن منبه.
(٣) "انظر المسالك والممالك" ص ٤.
[ ١ / ٤٦ ]
الرأس، فإذا فرغ الرأس هلك الناس.
وقال ابن حوقل: ما بين يأجوج ومأجوج إلى ناحية البحر المحيط في الشمال براري وقفار، ليس فيها عمارة ولا نبات لشدة البرد بها، وسببه انحراف الشمس عن القطب الشمالي، وكذا ما بين المحيط والسودان براري لا شيء فيها لشدَّة الحرّ، وسببه ميل الشمس إلى ناحية الجنوب (^١).
* * *
_________________
(١) "صورة الأرض" ص ٢٢.
[ ١ / ٤٧ ]