الفصل الأول في معرفة التاريخ
قرأت على شيخنا العلامة أبي اليُمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي اللغوي رحمه الله تعالى بدمشق في شهور سنة أربع وستمائة كتابَ "المعرَّب من الكلام الأعجمي" تأليف شيخه أبي منصور موهوب بن أحمد بن محمَّد بن الخضر المعروف بابن الجواليقي، وقرأت عليه الكتاب جميعه، وقرأه على مصنفه، قال: يقال: إن التاريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربيٍّ محض، وإنَّ المسلمين أخذوه عن أهل الكتاب، وتاريخ المسلمين أُرِّخَ من سنة الهجرة، كُتب في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فصار تأريخًا إلى اليوم (^١).
وقال أبو نصر الجوهري في "الصحاح": التأريخ تعريف الوقت، والتوريخ (^٢) مثله، وأرَّختُ الكتاب بيوم كذا، وورَّخته بمعنًى، قال: والإِراخُ بقر الوحش (^٣). رواه بالكسر.
قلت: وقد فرَّق الأصمعي بيّن اللغتين، فقال: بنو تميم يقولون: وَرَّختُ الكتابَ توريخًا، وقيس تقول. أرخته تأريخًا (^٤).
وقال أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب في كتاب "الخراج" له: إنَّ تاريخَ كُل شيء آخره، فيؤرخون بالوقت الذي فيه حوادث مشهورة (^٥).
_________________
(١) "المعرب": ص ١٣٧. وقد اقتبس هذا الفصل الدواداري في "كنز الدرر": ١/ ٩٢ - ٩٣.
(٢) في (ب) و(ل): والتعريف، والمثبت من مطبوعة الدكتور إحسان عباس وأشرنا إليها بـ (ط).
(٣) "الصحاح": (أرخ).
(٤) انظر "الإعلان بالتوبيخ" ص ١٧، و"أدب الكتاب" للصولي ص ١٧٨.
(٥) هذا النص مما خرم من كتاب "الخراج". وقد نقله عن قدامة ابن عساكر في "تاريخ دمشق": ١/ ١٠ (مصورة دار البشير).
[ ١ / ٩ ]
وقال ابن عباس: قد ذكر الله التاريخ في كتابه فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. حدثنا عبد الوهاب المقرئ بإسناده عن ابن عباس قال: سأل مُعاذُ بن جَبَلٍ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويساوي ويستدير، ثم لا يزال ينقصُ ويدقّ حتى يَعودَ كما كان على حال واحد؟ فنزل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ أي: في دينهم وصومهم وفطرهم، وعِدَّة نسائهم، والشروط التي تنتهي إلى أجلٍ معلوم (^١).
وقال قتادة في تفسير الآية: جعلها الله تعالى مواقيتَ لصوم المسلمين وإفطارهم وحجِّهم ومناسكهم وعِدَدِ نسائهم وغير ذلك، والله أعلم بما يصلح خلقه (^٢).
وقال أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: ذُكِرَ الهلالُ عند رسول الله ﷺ فقال: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَةَ شعبانَ ثلاثين يومًا ثم صوموا"، أخرجاه في "الصحيحين" (^٣).
واختلفوا في مبدأ التاريخ على أقوال:
أحدها: حدثنا جدِّي، حدثنا أبو غالب محمَّد بن الحسن الماوردي بإسناده إلى عبد العزيز بن عمران قال، قال عامر الشعبي: لما أكثر بنو آدم ﵇ في الأرض وانتشروا أَرَّخوا من هبوط آدم، فكان التاريخ إلى الطوفان، ثم إلى نار الخليل ﵇، ثم إلى زمان يوسف ﵇، ثم إلى خروج موسى ﵇ من مصر ببني إسرائيل، ثم إلى زمان داود ﵇، ثم إلى زمان سليمان ﵇، ثم إلى زمان عيسى (^٤). وقد رواه محمَّد بن إسحاق عن ابن عباس.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ١٠، وانظر "كتر الدرر": ١/ ٩٣.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره": ٢/ ١٨٥.
(٣) أحمد في "مسنده" (٤٤٨٨)، والبخاري (١٩٠٦)، ومسلم (١٠٨٠)، ولفظه عندهم بغير هذا السياق.
(٤) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ١٥، وانظر "عمدة القاري" ١٧/ ٦٦، و"الإعلان بالتوبيخ" ص ١٣٦.
[ ١ / ١٠ ]
والثاني: أن التاريخ كان من آدم إلى الطوفان، ثم إلى نار الخليل ﵇، ثم أرَّخ بنو إسماعيل من بناء البيت، ثم إلى مَعَدِّ بن عدنان، ثم إلى كعب بن لؤي، ثم من كعب إلى عام الفيل، قاله الواقدي.
والقول الثالث: أن حِمْيَر تؤرخ بالتَّبابِعة، وغسانَ بالسُّد، وأهلَ صنعاء بظهور الحبشة على اليمن، ثم بغلبة الفرس؛ ثم أرَّخت العرب بالأيام المشهورة، كحرب البسوس وداحس والغبراء، وبيوم ذي قار، والفجارين (^١) ونحوه، وبين حرب البسوس ومبعث نبيّنا ﷺ ستون سنة. حكاه محمَّد بن سعد عن ابن الكلبي.
والرابع (^٢): أن الفرس أرَّخت بأربعِ طبقات من ملوكها، فالأول: بكيومرت وقيل: طَهْمُورُث بالطاء، ويقال له: "كِل شاه" ومعناه ملك الطين، ويعتقدون أنه آدم، والثاني: بيَزْدَجِرْد، والثالث: أَرْدَشير بن بَابَك، والرابع: بأَنُو شِروان العادل. حكاه هشام بن الكلبي عن أبيه.
قال: وأما الروم فأرَّخت بقتل دار ابن دارا إلى ظهور الفرس عليهم.
وأما القبلط فأرَّخَتْ ببُخْتَنَصَّر إلى قلابطرة صاحبة مصر، وأما اليهود فأرَّخَت بخراب بيت المقدس.
وأما النصارى فبرفع المسيح ﵇.
وقال أبو معشر (^٣): التواريخُ أكثرُها مَدْخول، والفسادُ يعتريها من أجل أنه يأتي
_________________
(١) في (ب) و(ط): "الفجار".
(٢) انظر "الإعلان بالتوبيخ": ص ١٣٧.
(٣) هو جعفر بن محمَّد بن عمر البلخي، المنجم المشهور، كان إمام وقته، وكان من أصحاب الحديث، ثم تحول إلى علوم الحساب والهندسة، ثم عدل إلى علم أحكام النجوم، وكان عمره (٤٧) سنة، وتوفي وقد جاوز المئة، وكان فاضلًا حسن الإصابة، ضربه المستعين أسواطًا لأنه أصاب في شيء، فكان يقول: أصبت فعوقبت (ت ٢٧٢ هـ)، من تصانيفه: "الزيج" و"مواليد الرجال والنساء". انظر ترجمته في "الفهرست" ص ٣٣٥، و"وفيات الأعيان" ١/ ٣٥٨.
[ ١ / ١١ ]
على سني أمَّة من الأمم زمان من الأزمنة، وتطول أيامه، فإذا نقلوه من كتاب إلى كتاب أو من لسان إلى لسان يقع فيه الغلط، إما بالزيادة فيه أو النقصان منه، كالغلط الذي وقع بين آدم ونوح والأنبياء في السنين، فإن اليهود قد اختلفوا في ذلك اختلافًا متفاوتًا، وكذا ما وقع في تواريخ الفرس مع اتصال ملكهم إلى أن زال، في تخليط كثير.
والدَّليل على صحة ما ذَكَر أبو معشر قوله ﷺ: "لا تجاوزوا عدنان، كذب النَّسّابنون" (^١). وسنذكر الحديث في سيرته ﷺ (^٢).
قلت: وهذا الذي أشرنا إليه يتعلق بالجاهلية، فأما في الإِسلام فقد اختلفت الروايات، فروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر (^٣) رحمه الله تعالى في "تاريخ دمشق" عن أنس بن مالك أنَّه قال: كان التاريخ من مَقْدَمِ رسول الله ﷺ المدينة، وكذا قال الزهرِي: قَدِم رسول الله ﷺ المدينة في ربيع الأول، فأرَّخوا.
قال الحافظ: المحفوظ أن الأمر بالتاريخ من زمان عمر بن الخطاب ﵁ (^٤).
قال ابن عباس: قدم النبي ﷺ المدينة وليس لهم تاريخ، فكانوا يؤرخون بالشَّهر والشَّهرين من مَقْدمه، فأقاموا على ذلك إلى أن توفي رسول الله ﷺ وانقطع التاريخ، ومضت أيام أبي بكر ﵁ على هذا وأربع سنين من خلافة عمر، ثم وضع التاريخ (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ١/ ٥٦، وابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٣٩٥ عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معدَّ بن عدنان بن أدد، ثم يمسك ويقول: (كذب النسابون، قال الله: ﴿وَقُرُونًا بَينَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ". وأخرجه ابن سعد ١/ ٥٦، والطبري في "تفسيره" ١٣/ ١٨٧ عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ﴾ ثم يقول: كذب النسابون. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" ٢/ ١٩٤: والأصح عن ابن مسعود.
(٢) لم يرد الحديث في سيرته، ولعل المختصر قطب الدين اليونيني قد اختصره، أو سها عنه المؤلف.
(٣) "تاريخ دمشق"١/ ١٥، ١٦.
(٤) "تاريخ دمشق": ١/ ١٦.
(٥) انظر "عمدة القاري" ١٧/ ٦٦، و"الإعلان بالتوبيخ" ص ١٣٤.
[ ١ / ١٢ ]
واختلفوا (^١) في سببه: فروى ابن السمرقندي (^٢) أنَّ أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر: إنَّه يأتينا منك كتبٌ ليس لها تاريخ، فأرِّخ لتستقيمَ الأحوالُ، فأرَّخ (^٣).
وقال أبو اليقظان (^٤): رفع إلى عمر صكٌّ محلّه في شعبان فقال: أيما شعبان؟ هذا الذي نحن فيه أم الماضي أم الذي يأتي (^٥)؟
وقال الهيثم بن عدي (^٦): أول من أرَّخ يعلى بن أمية، كتب إلى عمر من اليمن كتابًا مؤرخًا، فاستحسنه، وشرع في التاريخ (^٧).
وقال ابن عباس (^٨): لما عزم عمر على التاريخ جمع الصحابة واستشارهم، فقال سعد بن أبي وقاص: أَرِّخْ لوفاة رسول الله ﷺ، وقال طلحة: أرّخ لمبعثه، وقال عليّ بن أبي طالب: أرِّخ لهجرته، فإنها فرَّقت بين الحقّ والباطل، وقال آخرون: لمولده، وقال قوم: لنبوته. كان هذا في سنة سبع عشرة من الهجرة، وقيل: في سنة ست عشرة، فاتفقوا على هذا.
ثم اختلفوا في المشهور: فقال عبد الرحمن بن عوف: أرّخْ لرجب، فإنه أول الأشهر الحرم، وقال طلحة: من رمضان لأنه شهر الأمَّة، وقال عليّ: من المحرّم لأنه أول السنة، وهو من الأشهر الحرم، وقيل: إنما أشار بالمحرم عثمان، والأولُ أصح.
_________________
(١) من هنا بدأ السقط في (ب) إلى قبيل فصل في الفرات ص ١٢٠ من هذا الجزء
(٢) هو إسماعيل بن أحمد بن عمر، أبو القاسم، شيخ ابن عساكر وستأتي ترجمته في وفيات سنة (٥٣٦ هـ).
(٣) انظر "عمدة القاري" ١٧/ ٦٦، و"الإعلان بالتوبيخ" ص ١٣١.
(٤) هو عامر بن حفص، ويلقب بسحيم، وكان عالمًا بالإنساب والمآثر والمثالب، ثقة فيما يرويه (ت ١٧٠ هـ) له تصانيف منها: "أخبار تميم" و"النسب الكبير" انظر ترجمته في "الفهرست" ص ١٠٦.
(٥) انظر "عمدة القاري" ١٧/ ٦٦.
(٦) أبو عبد الرحمن الثُّعَلي المؤرخ، عالم بالشعر والأخبار والمثالب والمآثر والأنساب، توفي في "فم الصلح" قرب واسط سنة (٢٠٧ هـ) من كتبه: "المعمرين" و"كتاب المثالب" انظر ترجمته في "الفهرست" ص ١١٢، و"سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٠٣.
(٧) انظر "عمدة القاري" ١٧/ ٦٦، و"الإعلان بالتوبيخ" ص ١٣٢.
(٨) الخبر بنحوه في "الإعلان بالتوبيخ" ص ١٣٤. وانظر "تاريخ دمشق": ١/ ١٧ - ١٨.
[ ١ / ١٣ ]
قال ابن سيرين وابن المسيب: ثبت التاريخ بمشورة علي؛ وقال الأصمعيّ: إنما أرَّخوا من ربيع الأول شهر الهجرة، وهو وهم، والأول أصح: من المحرم.
وقال سفيان الثوري: بالتاريح يتبين كذب الرواة من صدقهم؛ وقال حفص بن غياث: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين، احسبوا سنَّه وسنَّ من كتب عنه؛ وقال حماد بن زيد: لم يُسْتَعَنْ على الكذابين بمثل التاريخ.
* * *
[ ١ / ١٤ ]