قد ذكرنا مذهبَ الأوائل في صور الأفلاك وما يتعلق بها، وأما على مذهب المتشرعين فهي السماوات عندهم، وقد ورد في الجهة أخبار [عن العباس وأبي ذر وأبي هريرة رضوان الله عنهم فأما حديث] العباس (^٣): فقال أحمد بن حنبل: بإسناده عن العباس بن عبد المطلب قال: كنّا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ بالبَطْحاء، فمرت سحابة فقال: "أَتدرُون ما هذه؟ " قلنا: السحاب، قال: "والمُزْن"، قلنا: والمُزْن، قال: "والعَنَان" قلنا: والعَنَان، قال وسكتنا، فقال: "هل تَدْرُون كم بينَ السَّماءِ والأرضِ؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "بَينَهما مَسيرةُ خَمسِ مئةِ سنةٍ، وبين كلِّ سَماء وسَماء مَسيرةُ خمسِ مئةِ سنةٍ، وكِثَفُ كلِّ سَماء خَمْسُ مئة سنةٍ، وفوقَ السَّماء السَّابعةِ بحرٌ بينَ أعلاهُ وأسفلِه كما بينَ السَّموات والأرضِ، ثم فوق ذلك ثمانية أَوْعال بين رُكَبهن وأَظْلافهن كما بين السَّماء والأرضِ (^٤)، واللهُ تعالى فوقَ ذلك، وليسَ يَخفَى عليه شيءٌ مِن أعمَالِ بَنِي آدمَ" (^٥).
وأما حديث أبي ذر: فأنبأنا جدي، قال: أنبأنا زاهر بن طاهر النيسابوري بإسناده عن أبي نَضْرة، عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بينَ الأرضِ إلى السماءِ مَسيرةُ خمسِ مئةِ عامٍ، وغِلَظ كلِّ سماءٍ خمسُ مئة عامٍ، والأَرَضُون مثل ذلك؛ وما بين السماء السابعةِ إلى العَرْشِ مثلُ جميع ذلك، ولو حَفرتم لصاحِبِكم ثم دَلَّيتُمُوه لوجدتم اللهَ ثمةَ" (^٦).
_________________
(١) "الصحاح": (جنب).
(٢) "الصحاح": (دبر).
(٣) ما بين معكوفين من كنز الدرر ١/ ٤٣.
(٤) بعدها في "المسند": "ثم فوق العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض".
(٥) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٧٧٠) وإسناده ضعيف جدًّا.
(٦) "العلل المتناهية" (٧) وهو منكر، وسيأتي الكلام عليه عند المصنف.
[ ١ / ١٦٨ ]
وأما حديثُ أبي هريرة: فقال أحمد بن حنبل: حدثنا سُريج بن يونس بإسناده عن أبي هريرة قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ مرت سحابة فقال: "أتَدْرون ما هذه؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم (^١)، قال: "الرَّقيع موج مَكفوفٌ وسَقفٌ مَحفُوظٌ، أَتدرونَ كم بينها وبينكم"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. ثم ذكر السماوات والأرض وعدَّ ما بين كلِّ واحدة خمس مئة عام، بمعنى حديث أبي ذرٍّ، وقال في آخره: "ولو حَفَرتُم لصَاحِبِكم ودَلَّيتُمُوه بحبلٍ إلى الأرض السابعةِ لَهَبطَ على اللهِ، ثم قرأ رسولُ الله ﷺ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] (^٢).
قلت: ليس في هذه الأخبار حديث سالم من الطعن، أما الحديثُ الأول وهو حديث العباس، فإن في طريقه يحيى بن العلاء كذّاب، كذَّبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وفيه لفظ الفوقية، وقد فسَّرها أبو سليمان الخطّابي فقال: معنى الفوقية القهر والغلبة.
وأما حديث أبي ذر فقال جدي في "الواهية" أيضًا: هذا حديث منكر، وكان الأعمش يروي عن الضعفاء ويدلِّسُ.
قال: وأما حديث أبي هريرة فلا يصحُّ عن رسول ﷺ، والحَسَنُ لم يسمعْ من أبي هريرة، وقيل للحسن: من أين تروي هذه الأحاديث؟ فقال: من كتاب عندنا سمعناه من رجل، وكان الحسن يروي عن الضعفاء. وقال أحمد بن حنبل: قد رواه أبو جعفر الرازي عن قتادة، وأبو جعفر الرازي مضطرب.
قال: ومقتضى حديث العباس أن الأرض تكون كذلك في الكثافة والبعد، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فيكون مسافة الجميع أربعةَ عشر ألف سنة سوى ما في السماوات من الحجب والكرسي والعرش.
قال الخطابي: وهذا على مقدار سير بني آدم، أما المَلك فإنه يخرقُ الجميعَ في
_________________
(١) بعدها في "المسند": "قال: العَنان، وروايا الأرض، يسوقه الله إلى من لا يشكره من عباده ولا يدعونه، أتدرون ما هذه فوقكم؟ " قلنا الله ورسوله أعلم".
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٨٨٢٨)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٨).
[ ١ / ١٦٩ ]
ساعة (^١) وفي لحظة واحدة، وكذا الشيطان في الأرض.
وروى مجاهد عن ابن عباس، أنه سئل فقيل له: كم بين كل سماء وسماء؟ فقال: الله أعلم.
وروى أبو راكة عن عليّ ﵇: أنه سئل كم بين السماء والأرض؟ فقال: دعوة مستجابة، قيل له: كم بين المشرقِ والمغرب؟ فقال: مسيرة يوم (^٢).
* * *
_________________
(١) لفظ "ساعة" ليس في (ب).
(٢) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٢/ ٣٩٣ ضمن خبر طويل فيه سؤال ابن الكواء لسيدنا علي ﵁.
[ ١ / ١٧٠ ]