بناها نُمْرود بن كنعان، ومكانها معروف، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]. وقال الجوهري: بابِلُ اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، ولا ينصرف لتأنيثه (^٣).
وقد أكثرت فيها الشعراء. وحكى لي جماعةٌ من مشايخنا: عن البلخي الواعظ أنه كان يعظُ بالنظامِيَّة، وبدت منه حركات أوجبت إخراجَهُ من بغداد، فجاءَ إليه بعضُ غلمان الديوان، وهو على المنبر فقال له: قد رُسِمَ بأن تخرجَ من البلد، فأنشد (^٤): [من الطويل]
أبابلُ لا واديكِ بالجودِ مُفْعَمٌ … لديّ ولا ناديكِ بالرفدِ آهلُ
لئن ضِقتِ عني فالبلادُ فسيحةٌ … وحَسْبك عارًا أنَّني عنكِ راحلُ
_________________
(١) "المعرب" ص ١٦٩ - ١٧٠. وفيه: "حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة". وانظر "جمهرة أنساب العرب" ص ٤٥٠.
(٢) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" ١/ ٢٤ - ٢٥، وابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٦٢.
(٣) "الصحاح": (ببل).
(٤) الأبيات لمحمد بن أحمد الأبْيَوَردي في "ديوانه" ١/ ٣٧٧، وفيه: أبابل لا واديك بالرفد منعم … لدينا ولا ناديك بالوفد آهل
[ ١ / ٥٨ ]
وإن كنتِ بالسِّحرِ الحرامِ مُدِلَّةً … فعندي مِنَ السحرِ الحلالِ دلائلُ
قَوافٍ تُعيرُ الأَعينَ النُّجْلَ حُسنَها … فأيُّ مكان خَيَّمَتْ فهو بابلُ
وكان ببابلَ عجائب نذكرها في عجائب الدنيا.
فصل
ومنها الأَنبار، وهي مدينة قديمة ذكرها الجوهري، وقال: وأَنْبار اسم بلدٍ (^١).
وسنذكرها فيما بعدُ.
ومن مدائن اليمن صَنْعاء، قال الجوهري: وصَنْعاء -ممدود- قَصَبةُ اليمن، والنسبة إليها صَنْعانيٌّ على غير قياس، كما قالوا في النسبة إلى حَرَّان: حَرْنانيٌّ (^٢).
قال: وحَضْرَمَوْتُ: اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، والنسبة إليه: حَضْرَمِيٌّ، وتصغيره حُضَيرُمَوْتٍ، والجمعُ الحَضَارِمة (^٣).
قال: وظَفارِ مثل قَطامِ مدينةٌ باليمن، وجَزْعٌ ظَفاريٌّ منسوب إليها، وكذا عودٌ ظَفاريٌّ، للذي يُتبخَّر به، وفي المثل: من دخلَ ظَفارِ حَمَّر (^٤). أي: تكلم بلغة حمير. وسنذكره في الأمثال إن شاء الله تعالى، ونذكر أيضًا عَدَن، ونذكر أيضًا مكة في قصةِ الخليل ﵇.
فصل
فأما مدينة النبي ﷺ، فقال الجوهري: وَيَثْرِبُ مدينة النبي ﷺ (^٥).
وقال عكرمة: وقد سماها النبي ﷺ يَثْرب، ففي حديث الهجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رَأيتُ في مَنامي أنِّي أُهاجِر إلى أرضٍ بها نخلٌ فذهَبَ وَهَلي إلى أنَّها اليَمامةُ
_________________
(١) "الصحاح": (نبر).
(٢) في (ل): حراني، والمثبت من "الصحاح": (صنع).
(٣) "الصحاح": (حضر).
(٤) "الصحاح": (ظفر)، وانظر "مجمع الأمثال" ٢/ ٣٠٦.
(٥) "الصحاح": (ثرب).
[ ١ / ٥٩ ]
أو هَجَر، فإذا هيَ المدينةُ يثربُ". متفق عليه (^١). وسنذكره في الهجرة.
وسماها: طابَةَ وطَيبَةَ، من الطِّيب، فأخرج مسلم عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله تعالى سمَّى المدينةَ طابَةَ" (^٢).
وسنذكر قصَّتَها، ومن بناها في باب التَّبابِعة من ملوك اليمن، وفضلَها في سيرة النبي ﷺ.
وقال هشام بن الكلبي: لما أهلك الله قومَ عاد تفرقت القبائل، فنزل قوم بمكة، وقوم بالطائف، وسار يثربُ بن مَهْذيل بن إِرم بن عَبيل وقومُه فنزلوا موضع المدينة (^٣)، فاستخرجوا العيون، وغرسوا النخيل، وأقاموا زمانًا، فأفسدوا، فأهلكهم الله ويبست النخيل، وغارت العيون، حتى مرَّ بها تُبَّع، فبناها لِما نذكر.