التي أنشأها الأمير عز الدين أيبك بالشَّرف الأعلى شمالي ميدان القصر، وبالمدرسة العِزِّية الجوّانية، وبالمدرسة العِزيَّة الحنفيَّة بالجامع الأموي جوار مشهد علي، والتي أوقفها أيضًا عزُّ الدين أيبك ﵀ (^١). وفي سنة (٦٤٥ هـ) فوَّضَ إليه الأمير عز الدين أيبك النظر في أوقافه ومدارسه وأبواب البر، وكذلك فوَّضَ إليه الملك الأشرف موسى جميعَ الخَوانِك التي ببلاده شرقًا وغربًا وبعدًا وقربًا.
ولم يتقصر دور أبي المظفر على الوعظ والتدريس والتصنيف، بل تعدى ذلك إلى الجهاد والغزو بنفسه، وتحريض الناس على ذلك، فهاهو يحدثنا بنفسه عن غزوةٍ كانت مع الفِرنج في عكا سنة (٦٠٧ هـ) فيقول: "وفيها جلستُ بجامع دمشق يوم السبت، وكان الناس من باب مشهدِ زين العابدين إلى باب الناطِفانيِّين وإلى باب الساعات، وكان القيامُ في الصحن أكثر، بحيث امتلأ الجامع، وحُزِروا بثلاثين ألفًا، وكان يومًا لم يُرَ بدمشق مثله … وخرجنا من باب الفَرَج إلى المصلَّى، وجميع من كان بالجامع بين يديَّ، وسرنا إلى الكُسوة من الغد، ومعنا خلق مثل التراب … والكلُّ خرجوا احتسابًا … فسِرنا على الجادة إلى نابلُس، ووصلت أخبارنا إلى عكا، وخرج المعظَّمُ فالتقانا وسُرَّ بنا … وخرجنا نحو بلاد الفرنج فأخربنا وهَدَمنا، وقطَّعنا أشجارهم، وأسرنا جماعةً، وقُتِلَ جماعةٌ، ولم يَتجاسَروا أن يخرجوا من عكا، فأقمنا أيامًا ثم عدنا سالمين غانمين" (^٢).
وعَظُه: ليس في تخصيصنا الحديث عن وعظِ أبي المظفَّر انتقاصٌ لبقية فنونه العلمية، والتي ستأتي في سياق الحديث عن مصنَّفاته، ولكنَّ شهرتَه في مجال الوعظ تفرض علينا أن نُسلِّط الضوءَ على هذا الجانب.
وليس بِدْعًا أن يكون للسِّبطِ مثلُ هذه الشهرة في مجال الوعظ، فهو حَفيدُ الفارسِ الذي لا يُشقُّ له غُبار، والفرسِ الذي لا يُجارَى ولا يُبارَى في هذا المضمار، العلامةِ أبي الفرج
_________________
(١) الدارس للنعيمي ١/ ٢٠٣ و٢٢٨ و٢٣٦ و٢٤٠.
(٢) مرآة الزمان ٢٢/ ١٧٢ - ١٧٣.
[ مقدمة / ١٨ ]
ابن الجوزي، العالمِ والخطيبِ والواعظِ الذي طَبَّقتْ شُهرتُه الآفاق، فلم يكن السِّبطُ ليفَوِّتَ درسًا من دروسِ جدِّه، أو مجلسًا من مجالسِ وَعظهِ، بل كان يحضرها جميعها، ويراقب جَدَّه في كلامه وعباراتِه وحركاته وإشاراته، يظهرُ ذلك في قوله في ترجمة جده: "سمعتُه يقول على المنبر في آخر عمره: كتبتُ بأصبعيَّ هاتين ألفَي مجلَّدة" (^١).
ولم يَكدِ السِّبطُ يبلغُ السادسةَ عشرة من العمر حتى شجعه جدُّه على عقدِ أول مجلسٍ له، ربما ليطمئنَّ على مدى قُدرته وتَمكُّنهِ، وليرى بعينه مدى قبول الناس له، وتحدثَ السبطُ عن هذه التجربة الناجحة عند ذكره لحوادث سنة (٥٩٦ هـ)، فقال: "وفيها كان ابتداءُ جلوسي عند قبر الإمام أحمد ابن حنبل في يوم الأربعاء، ويجتمع خلقٌ عظيم، ويهبُّ على تلك المجالس من القبول نسيم، ويعرف فيها نضرة النعيم، ويَصحبها كل باردٍ من الطِّيب وكلُّ تكريم، وسلامٌ قولًا من ربٍّ رحيم" (^٢). ولم يكن هذا المجلس الناجحُ إلا الخطوة الأولى حيث توالت بعدَه الخطوات، فعندما توفي جده في السنة التالية وهي سنة (٥٩٧ هـ)، قال: "وأصبحنا يومَ السبتِ، وعملنا عزاءَه، وتكلمتُ فيه، وحضر خلقٌ عظيم" (^٣).
وعندما غادر بغداد متوجهًا نحو دمشق مرَّ في طريقه بحلب والموصل والرُّها وخِلاط وحَرَّان، وعقد في جميعها مجالس وعظٍ لاقت من أهلها القبول والاستحسان، ولم يكد يصلُ دمشق ويعقدُ مجلسَه في الجامع الأموي بُكرَة كلِّ سبتٍ وفي جامع الجبل، حتى صار مجلسُه حديثَ أهلها وشُغلَهم الشاغل، يُمضون سَحابةَ أسبوعهم ما بينَ حديثٍ عن مجلسه السابق -وما كان فيه من عِبَرٍ وعِظات ونوادر وحكايات، وكم مِن عاصٍ تاب، وكم من ذِميٍّ أسلمَ وأناب- وبين انتظارٍ وتَشوُّقٍ لمجلسه القادم، ولقد وصفَ لنا العلامةُ أبو شامةَ المقدسي مجالسه وتَعلُّقَ أهلِ دمشقَ بها خيرَ وصفٍ، فهو كان ملازمًا لها، فقال: "كانت مجالسُ الوعظِ التي للمذكور من
_________________
(١) مرآة الزمان ٢٢/ ٩٤.
(٢) مرآة الزمان ٢٢/ ٨٠.
(٣) مرآة الزمان ٢٢/ ١١٥.
[ مقدمة / ١٩ ]
محاسنِ الدُّنيا ولذّاتها، فكأنَّ اللهَ قد جَمع له حُسنَ الصورةِ وطيبَ الصَّوتِ، وظَرافةَ الشمائل في الإيراد والجوابات واللِّباسِ وسائرِ الحَركات، فكان يَزدحمُ في مجلسه ما لا يُحصى من الخلق رجالًا ونساء -والنِّساء بمعزلي عن الرجال- في جامع دمشق وجامع الجبل، حضرتُ مجالسَه في صِغَري وكِبَري في الموضعين مرارًا، وكان لا يُفارقُ أحدٌ مجلسَه إذا انفضَّ إلا وشَوقُه مستمرٌّ إلى عودته في الأسبوع الآخر، فإنه كان يجلس كل سبتٍ، وتُبسَطُ السَّجادات والحُصر والبُسُط في كل المواضع القريبةِ من المنبر ما بينه وبين القُبَّةِ في يوم الجمعة، ويَبيتُ الناسُ ليلةَ كل سبتٍ حِلَقًا يقرؤون القرآنَ بالشموع، كل ذاك فرحًا بالمجلس، ومسابقة إلى الأماكن، وعادةُ الدِّمشقيّين التَّفَرُّجُ في أيام السبت، ويُبَطّلون عن أشغالهم بالمدينة، وينقطعون في بساتينهم، وكانوا لا يُفوِّتونَ حضورَ المجلس، ثم ينصرفون منه إلى فُرَجِهم، فلا ينقضي يومهم إلا بالتَّذاكُرِ لما وقع فيه من المحاسن وإنشادِ الأشعارِ، والتَّحدُّثِ بمن أسلم فيه أو تاب، وإيرادِ ما كان فيه من سؤالٍ وجواب، ولم يزل على ذلك مُدَّة سنين" (^١).
ولم يقتصر الحرصُ على حضور مجالسِه وسماع وعظه على العامّةِ فحسب، بل ربما كان حرصُ الملوكِ على ذلك أكثر، فلقد كان الملأ المعظَّم عيسى يُبكِّر إلى الجامع الأموي ويقعد عند المنبر الذي عند باب المشهد، ويجلس بين العامة (^٢)، وكذلك أخوه الملكُ الأشرفُ موسى حضر مجلسًا عقده السِّبطُ ليلة عرفةَ في جامع التوبة -وذلك بعد عودته من رحلةٍ إلى القدس ونابلس- فتأثَّر الملك الأشرف كثيرًا وبكى، وأعتق مماليكه وجواريه، وقال للسِّبط: "واللهِ إنَّ دمشق تَغارُ عليكَ أن تكونَ في غيرها" (^٣).
وكذلك كان شأن العلماء في الحرص على مجالسه ولزومها، فقد كان العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي (٦١٤ هـ) يحضر مجالسه في جامع دمشق وقاسيون
_________________
(١) المذيل على الروضتين ١/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) مرآة الزمان ٢٢/ ٢٩٠.
(٣) مرآة الزمان ٢٢/ ٣٥٤.
[ مقدمة / ٢٠ ]
ولا ينقطع إلا من عذر، ويقول له بعد مجلسه: "صلاحُ الدين يوسفُ فتحَ الساحل وأظهرَ الإسلامَ، وأنتَ يوسف أحييت السنَّةَ بالشام" (^١).
وكان شيخه موفق الدين عبد الله بن أحمد ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) يحضر مجالسه دائمًا، ويفرح به، ويقول له: "قد أحيا اللهُ بك السُّنَّة، وقَمعَ البدعة، وهذه البلاد فتوحُكَ كما فتحَ القدسَ يوسفُ سَمِيُّك" (^٢).
وكذلك شيخُه تاج الدين الكندي (٦١٣ هـ)، كان يداوم على حضور مجالسه ويقول له متفكهًا: "أنا قد أصبحتُ من زبون المجلس" (^٣).
لقد أُنزلَ أبو المظفَّر -نتيجةَ وَعظهِ المتميز- منزلةً عاليةً عند الخاصة والعامة، مما جعل الكثيرَ من علماء عصره يبتعد عن هذا المجال ولا يقترب منه وحتى من فكَّر في التصدي للوعظ كان يجدُ من يثني عزمه ويُثَبِّطُ همته، يحدثنا الإمامُ الذهبيُّ في تاريخ الإسلام فيقول: "وحدَّثونا أن ابنَ الصلاح ﵀ أراد أن يَعِظ، فقال له الملكُ الأشرفُ: لا تَفعل، فإنك لا تقدرُ أن تكون مثل شمسِ الدين ابن الجوزي، ودونَهُ فما يُرضى لك، فترك الوعظَ بعد أن كان تهيَّأَ له" (^٤).
ولم يقتصر إعجابُ الناس بوعظ أبي المظفَّر على أهل بغداد ودمشق فحسب، بل ما زار مدينةً وعقد فيها مجلس وعظٍ إلا نال محبةَ أهلها وثِقَتَهم وتعلُّقَهم به، فقد وعظ في حلب، والموصل، والرُّها، وخِلاط، وحَرّان، والكَرك، والقُدس، ونابلس، والقاهرة والإسكندرية، ولقد حصل له بالإسكندرية قبولٌ عظيم، ذكره ضمن حوادث سنة (٦٤١ هـ)، فقال: "وكنتُ حينئذٍ بديار مصر، فقدمتُ الإسكندرية في هذه السنة، فوجدتها كما قال الله تعالى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ معمورةً بالعلماء، مغمورةً بالأولياء،
_________________
(١) مرآة الزمان ٢٢/ ٢٢١.
(٢) مرآة الزمان ٢٢/ ٢٦٦.
(٣) مرآة الزمان ٢٢/ ٢٠٨.
(٤) تاريخ الإسلام، وفيات سنة (٦٥٤ هـ).
[ مقدمة / ٢١ ]