أولًا: أن كتابَ (مرآةِ الزمان) يُعدُّ -وبحق- موسوعةً تاريخيةً كبيرةً لاشتماله على أحداثِ فترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ تمتد من ذكر بدْءِ الخَلق إلى أحداث ووفيات سنة (٦٥٤) هـ، وهي سنة وفاةِ مصنِّفه ﵀، فهو بهذا من المراجع المهمة التي لا غِنى عنها لكل باحث لما يتضمنه من أحداثٍ موثقةٍ وأخبارٍ موسعةٍ لا توجد في غيره من المصادر.
ثانيًا: أن الاعتقادَ السائد بأن السِّبطَ ضَمَّنَ كتابَه كتابَ جَدِّه (المنتظم) وبنى عليه بعد انتهائه، اعتقادٌ غير صحيح، ويتلاشى بمقارنةٍ سريعةٍ لأي سنةٍ من السنوات المشتركة بينهما، ليظهر الفرقُ الشاسعُ والبَونُ الواسع بين الكتابين من حيثُ الأحداثُ الواردةُ والتراجمُ المذكورة، صحيحٌ أن السِّبط أفادَ من كتاب جَدِّه، ولكنه لم يقتصر على ما فيه، بل جمع إليه من المصادر الكثيرة التي بين يديه الشيء الكثير.
[ مقدمة / ٩ ]
ثالثًا: لم يقتصر أبو المظفَّر على النَّقل فحسب، ولكنه كان يدلي بآرائِه ووجهةِ نظره، وتَجلّى ذلك من خلالِ تَنقيداتٍ لطيفةٍ انتقدَ بها سابِقيه، أو تعليقاتٍ طريفةٍ علَّق بها على بعض الأخبار، أو إضافاتٍ سديدةٍ كان يضيفها إذا ما رأى حاجةً تدعو إلى ذلك، فعلى سبيل المثال؛ عندما ذكرَ قصة سُليمان ﵇ (٢/ ٢٢٢) ووردَ فيها أن بلقيس أرسلت إليه بخمس مئة غلام، وخمس مئةٍ جارية، وألبست الغلمان ثيابَ الجواري، والجواري ثيابَ الغِلمان لكي تختبره، مَيَّزَ سليمان ﵇ بينهم من طريقتهم في الوضوء، فعلَّقَ أبو المظفَّر قائلًا: "والعجبُ من حكاية مثلِ هذا، وقد اتفقوا أن القوم كانوا يعبدونَ الشمس، وأخبرهم اللهُ على لسان الهُدهدِ بذلك، فمن أينَ كانوا يعرفونَ الوضوء؟ وإنما ميَّز بينهم بالوحي جبريل".
وكذلك في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن (١٢/ ١٤٢) ذُكرَ أنه خرَجَ هو وأخوه محمد على أبي جعفرٍ المنصور، فطلبهما أشدَّ الطلب، ثم أُتِيَ بمرآةٍ كانت لآدم ﵇ ينظر فيها فيرى عدوَّه، فنظر فيها أبو جعفر فعرف مكانهما، فأرسل في طلبهما، عندها قال أبو المظفَّر: "وليس العجبُ من الطبري، فإن من عادته أن يأتي بالعجائب والغرائب، وإنما العجبُ من جَدّي أن يحكيَ مثلَ هذا في المنتظم، وهذا شيءٌ تأباه العقولُ السليمةُ والأذهانُ الصحيحةُ.
وفي ترجمةِ المهتدي بالله (١٥/ ٣٤٥) أورد قولَ الخطيب والصولي فيه أنه كان كثيرَ العبادةِ والورع، ثم علَّق قائلًا: "مِن أينَ وصفُ الخطيب والصوليِّ وغيرِهما له بالورع، وقد واطأَ على قتل ابن عمه المعتزِّ من غير سببٍ إلا حبُّ الدنيا، وقد كان قادرًا على منع الأتراكِ من قَتله، وهل يَفي دمُ مسلمٍ بعبادة الثَّقَلين؟ ".
وفي ترجمةِ أبي داود السِّجستاني صاحب "السُّنَن" ١٦/ ١٢٤) ذكر أنه ضَمَّنَ كتابه "السُّنَن" أربعةَ آلاف وثمان مئة حديث، ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعةُ أحاديث؛ أحدها: قوله ﷺ: "الأعمالُ بالنِّيات"، والثاني: قوله ﷺ: "مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ
[ مقدمة / ١٠ ]
تركه ما لا يَعنيه"، والثالث: قوله ﷺ: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه"، والرابع: قوله ﷺ: "الحلالُ بَيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور متشابهات" فأضاف أبو المظفر قائلًا: ولو أخرج الخامسَ كان أبلغ، وهو قولُه ﵊: "المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانه ويده".
وابعًا: استطرد المصنفُ استطراداتٍ كثيرة، أَضْفَتْ غالبيتُها العظمى على الكتابِ رونقًا وبَهاءً، وأخرجته من عباءَتهِ التاريخية، وألبَستْهُ حُلَّة أدبيةً رائعةَ الجمال، والمصنف باستطراداته هذه خالف شرطَه الذي ذكره في مقدمته حينما قال: "ولو مَددتُ فيه أطنابَ الإطناب، وأسبابَ الإسهاب، لانقطعَ سَيرُ السُّرَى وكَلَّ كلُّ الرِّكاب، وخيرُ الكلام ما قلَّ ودَلَّ، ولم يطل فيُمَلّ".
غيرَ أنَّ النَّزْرَ اليَسيرَ من هذه الاستطرادات لم يكن في محله، فمثلًا حينما ذَكرَ حِكَمَ أرسطاطاليس (٢/ ٣٩٧) سَردَ مُعظَمها، وذكرَ أخذَ المتنبي لها وصياغَتها في شعره واحدةً واحدة، وكذلك في ترجمة الخرائطي (١٧/ ١٥٢) قال: "روينا كتابه (اعتلال القلوب) وفي آخره لأبي بكر الصنوبري … " وذكر له بيتين من الشعر، ثم نبذةً عنه، وأتبعها بأشعارٍ كثيرةٍ، وفي ترجمة الحاكم النَّيسابوري المحدِّث (١٨/ ٢٣٦) ذكر مصنَّفاته ومنها كتاب (المدخل)، ونقل منه أقسامَ الحديث الصحيح، وأقسام الحديث المختلف في صحتها بالتفصيل، حتى ليُخيَّل للقارئ أنه يقرأ كتابًا في مصطلح الحديث، لا كتابًا في التاريخ والتراجم.
خامسًا: إن كثرةَ النُّقول التي أوردها أبو المظفَّر في كتابه هذا، واتساعَها وتَنوعَها يَدلُّ أولًا على سَعَةِ اطّلاعه وتبَحُّرِهِ وتَفنُّنهِ في كثير من العلوم، ويَدلُّ ثانيًا على ضَخامةِ المكتبةِ التي استند إليها في تصنيفه، وتنوُّعِ أبوابها، واشتمالها على فنونٍ كثيرةٍ من العلم، كالتفسيرِ، والحديثِ، والفقهِ، والسيرةِ، والتاريخِ، والجغرافيا، والفلكِ، والطِّبِّ، والأدبِ، واللُّغةِ، والشِّعر، ولا أدلَّ على كثرة مصادره من بعض أخبارٍ
[ مقدمة / ١١ ]
أوردها لم نقف لها على مصدر واحدٍ على كثرة ما بين أيدينا من مصادر، ونقولاتٍ من كُتبٍ مفقودة لم تصل إلينا، كما في ٢١/ ٣٠٩، و٢٢/ ٢٧٩ حيث نقل عن كتاب ذيل المنتظم لمحمد بن أحمد بن محمد القادسي المتوفى سنة (٦٣٢ هـ)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا حتى الآن.
ولا غَرْوَ إذن أمامَ هذا التنوعِ في المصادر، والاستقصاءِ في إيراد الأخبار أن يكون كتابُ (مرآة الزمان) مَعينًا ثَرًّا، ومنهلًا عذبًا، نَهل منه عددٌ غيرُ قليلٍ من العلماء والمؤرخين من مُعاصِري سبطِ ابن الجوزي أو ممن جاء بعده، فقد أفاد منه العلامةُ أبو شامة المقدسي (٦٦٥ هـ) في المُذَيَّل على الروضتين، وابنُ خَلِّكان (٦٨١ هـ) في وفيات الأعيان، والإمامُ الذهبي (٧٤٨ هـ) في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام، وصلاحُ الدين الصفدي (٧٦٤ هـ) في الوافي بالوفيات، وابن شاكر الكتبي (٧٦٤ هـ) في فوات الوفيات، واليافعي (٧٦٨ هـ) في مرآة الجَنان، والتاجُ السبكي (٧٧١ هـ) في طبقات الشافعية، وابنُ كثير (٧٧٤ هـ) في البدايةِ والنهاية، وابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) في ذيل طبقات الحنابلة، وبدرُ الدين العيني (٨٥٥ هـ) في عقد الجمان، وابنُ تَغري بَردي (٨٧٤ هـ) في النجوم الزاهرة، وفي المنهل الصافي، والسيوطي (٩١١ هـ) في تاريخ الخلفاء، والنعيمي (٩٢٧ هـ) في الدارس في تاريخ المدارس، والعِصامي في (١١١١ هـ) في سمط النجوم العوالي وغيرهم، والجميع صرَّح بالنقل عنه إما بقوله: "قال سبط ابن الجوزي"، وإما بقوله: "قال صاحب مرآة الزمان"، بل قد صرَّح ابنُ تغري بردي في النجوم الزاهرة باعتماده اعتمادًا كبيرًا على المرآة حيث قال ضمن ترجمته لأبي المظفر ٧/ ٣٩: "وله مصنفاتٌ مفيدة، منها تاريخه المسمى مرآة الزمان، وهو من أجلِّ الكتب في معناها، ونقلتُ منه في هذا الكتاب مُعظمَ حوادثه".
سادسًا: لم يخلُ الكتاب من أوهام وقعت للمصنف، أو تصحيفات وقعت من نُسّاخ الكتاب، فمن الأوهام التي وقعت للمصنف أحيانًا: نسبةُ حديثٍ إلى غير مُخرِّجه، أو خطأ في إسناده، أو ذكر ترجمة في غير موضعها من السنة الموافقة لوفاة المترجم، أو
[ مقدمة / ١٢ ]