ابن يزيد بن أسد بن كُرْز بن عامر البجليّ القَسْريّ [أخو خالد بن عبد الله القسري.
قال أبو القاسم ابن عساكر: وهما] من أهل دمشق، وكان لأَسَد دارٌ بها عند سوق الزَّقَّاقين بناحية دار بطيخ. [وذكر أن جدّه من الصحابة.
وقال أبو القاسم: ولَّاه أخوه خُراسان سنة ثمان ومئة (^١)، فغزا التُّرك، وكانوا في جمع عظيم، فهزمَهم، ثم عزله هشام في سنة تسع ومئة (^٢)، وولَّى أشرسَ بن عبد الله السُّلَمي، ثم عزله في سنة ثلاث عشرة ومئة، وولّى الجُنيد بن عبد الرحمن بن مُرَّة الغطفاني، ثم عزله في سنة خمس عشرة ومئة، وولَّى عاصم بن عبد الله الهلاليَّ، ثم ولَّى أسدًا] ففتح البلاد (^٣)، وأباد العدوَّ، وبنى مدينة بَلْخ، وأقام بها.
وكانت له مع التُّرك وخاقان وقائعُ لم تكن لغيوه، ودوَّخ ملوك الهند والصين، وقطعَ النهر مرارًا، وفي كلِّ وقائعه كان منصورًا، وأقام إلى سنة عشرين ومئة، فتوفِّي بها قبل عَزْل أخيه خالد بيسير، واستَخْلَفَ على مَرْو جعفرَ بنَ حنظلة البَهْراني.
[وولَّى هشام نَصْرَ بن سيَّار على خُراسان، فلم يزل نجها حتى مات هشام].
ذكر وفاة أسد:
[ذكر هشام والمدائني والواقدي قالوا: كان له دُبَيْلَةٌ (^٤) في جوفه، فحضر المِهْرجَان ببَلْخ، وقدم عليه الدَّهاقين والأمراء بالهدايا، وكان فيمن قدم عليه إبراهيم بن
_________________
(١) في "تاريخ" خليفة ص ٣٤٠ حوادث سنة (١٠٦) أن خالدًا وليّ فيها أخاه أسدًا خُراسان، وقد أخرج ابنُ عساكر كلام خليفة، وسلف الكلام على تولية أسد سنة (١٠٦).
(٢) في "تاريخ دمشق" ٢/ ٧٩٨: ثمان ومئة. وكذا في "تهذيب الكمال" ٢/ ٥٠٦.
(٣) الكلام السالف بين حاصرتين من (ص). وجاء بدلًا منه في (ب) و(خ) و(د) ما لفظه: ولي خُراسان مرتين، وغزا الغُور وكانوا في جمع عظيم، فهزمهم وفتح البلاد … إلخ، وينظر "تاريخ دمشق" ٢/ ٧٩٨ (مصورة دار البشير).
(٤) تصغير دَبْلَة، وهي خُرَاج ودُمَّل كبير يظهر في الجوف فيقتلُ صاحبها غالبًا، ينظر "لسان العرب" ١١/ ٢٣٥ (دبل).
[ ١١ / ١١٣ ]
عبد الرحمن الحنفي عاملُه على هَراة، وكان معه دِهْقان هَراة (^١)؛ قَدِما بهديَّة، فقُوِّمَتْ بألفِ ألفِ درهم، وكان فيما قدما به قصرٌ من ذهب، وقصرٌ من فضة، وصِحافٌ من ذهب وفضة، وأسدٌ جالسٌ على السرير، وأشرافُ خُراسان على الكراسيّ حولَه، فدخلا، فوضعا القَصْرَين بين يديه والهدايا والثيابَ على اختلاف أنواعها [بحيث امتلأ البساط] (^٢) ثم قام الدِّهْقانُ -واسمُه خُراسان- خطيبًا، فقال: أصلح الله الأمير، إنَّا معاشرَ الفرس، أكلنا الدنيا [أربع مئة سنة -وهذه رواية الواقدي، أما هشام فقال:] أربعة آلاف سنة [وهو الأصح؛ لأنها مدة ملك فارس - أيها الأمير، إنَّا أكلنا الدنيا] بالحلم والوقار، والهَيبة والعقل، وليس فينا كتاب منزَّل (^٣)، ولا نبيٌّ مُرْسَل، وكانت الرجالُ عندنا ثلاثة: رجلٌ ميمون النقيبة، أينما توجَّهَ فتحَ الله عليه، ورجلٌ تَمَّتْ مروءتُه وعظم عفوُه، ورجلٌ رَحُبَ صدرُه وبسطَ يدَه. وإن الله جعل أوصاف هؤلاء الثلاثة فيك، فلا نعلمُ أحدًا أتمَّ للملك والرئاسة منك أيها الأمير (^٤).
إنك ضبطتَ أهل بيتك وحَشَمَك ومواليَك عن الرعيَّة، فليس منهم أحدٌ يستطيع التعدِّي على كبير ولا صغير، وغني وفقير، وبنيتَ الرِّباطات في المفاوز يأوي إليها الفقراء (^٥) والغُرباء.
ومن يُمْنِ نقيبتك أنك لقيتَ (^٦) خاقان في مئة ألف ومعه الحارث بن سُريج أوهذه رواية المدائني: في مئة ألف، وفي رواية هشام: ثلاثين ألفًا] فهزمتَه، وقتلتَ أصحابه، وغنمتَ عسكره.
_________________
(١) واسمُه خُراسان، كما سيرد، وجاء لفظ العبارة في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٣٩: " … عاملُه على هَراة وخُراسان ودهقان هَراة" بزيادة واو بين كلمتي خُراسان ودهقان، وهو خطأ. وقد أخرج الخبر المزّي في "تهذيب الكمال" ٢/ ٥٠٧، وفيه العبارة على الصواب، وينظر تعليق محققه عليه.
(٢) كذا في (ص) (والكلام بين حاصرتين منها). وجاء في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٣٩، و"تاريخ دمشق" ٢/ ٧٩٩ لفظ: السِّماط وهو ما يُمَدُّ ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها.
(٣) في (ص) والمصدرين السابقين: ناطق، بدل: منزل.
(٤) عبارة (ص): "ولا نعلم أحدًا أتَّم كدخدانية منك أيها الأمير. ومعنى كدخدانية: الملك والرئاسة". والمثبت عبارة (ب) و(خ) و(د) وهي منقولة عن أصل واحد، وواضح أن مختصرَه ذكر الكلمة الفارسية بالمعنى. وجاءت اللفظة في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٤٠: كتخدانية، وفي "تهذيب الكمال" ٢/ ٥٠٨: كنداجية.
(٥) في (د): الفقير.
(٦) في (ص): ولقيت، بدل: ومن يُمن نقيبتك أنك لقيتَ.
[ ١١ / ١١٤ ]
ومن يُمْنِ نقيبتك بسطُ يدك في الأموال، فلا ندري (^١) أيُّ المالينِ أقرُّ لعينك؛ مالٍ قدم عليك، أم مالٍ خرجَ من يدك، بل أنت بما خرج أقرُّ عينًا وأسمحُ نفسًا (^٢).
فجزاك الله عن رعيَّتك أفضلَ الجزاء، ووفَّقهم لشكر أياديك، وأدام عليهم نعمتَه، وأسبغ (^٣) فضله.
[قال المدائني:] فأعجبَ أسدًا كلامُه وقال: أنت خيرُ دهاقيننا، وأحسنُهم هديَّةً. ثم فرَّقَ أسدٌ الهدايا على من كان حاضرًا، فلم يُبق منها شيئًا، ثم قام عن سريره.
ومرض بعد أيام، وأفاقَ، فجلس يومًا والناسُ حولَه وخُراسانُ - دهقانُ هَراة - فيهم، فأُهْدِيَ لأسد كُمَّثْرَى، ففرَّقَه على الناس واحدةً واحدة، [ورَمَى إلى خُراسان بواحدة] فانقطعت الدُّبَيلة في جوفه فمات، وكانت وفاتُه في المحرَّم (^٤).
وقال محمد بن أبي رجاء: مرَّ أسدُ بنُ عبد الله على دِهقان يعذَّب في حبسه بِدَهَقٍ (^٥)، فناداه: يا أسد، إن كنتَ تعطي مَنْ يَرحم، فارحَمْ من يُظلم (^٦)، إن السماوات لتنفرجُ لدعوة المظلوم، فاحْذَرْ ممن (^٧) لا ناصر له إلَّا الله، ولا جُنَّةَ إلَّا الثقة به، ولا سلاحَ إلَّا الابتهالُ إليه، فإنَّه لا يُعجزه شيءٌ، يا أسد، إنَّ البغي مصرعُه وَخِيمٌ، ولا تغترَّ بإبطاء الغِياث من ناصرٍ منى شاء أن يُغيثَ أَغاثَ، وقد أَمْلَى لقومٍ لكي يزدادوا إثمًا، ومَنْ رغبَ عن التمادي فقد نال إحدى الغنيمتبن، ومن خرج عن (^٨) السعادة فلا غاية له إلَّا الشقاوة.
_________________
(١) في الصدرين السابقين: وأما رُحْبُ صدرك وبسط يدك؛ فإنا ما ندري …
(٢) من قوله: ومن يمُن نقيبتك بسطُ يدك … إلى هذا الوضع، ليس في (ص).
(٣) في (ب) و(د): أسبغ.
(٤) ينظر الخبر بنحوه أطول منه في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٣٩ - ١٤١، و"تاريخ دمشق" ٢/ ٧٩٩ (مصورة دار البشير)، و"تهذيب الكمال" ٢/ ٥٠٧ - ٥١٠ وكلُّ ما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٥) الدَّهَق: خشبتان تُعصر بهما الساق.
(٦) في "تاريخ دمشق" ٢/ ٧٩٩: إن كنت تعطي من ترحم، فارحم من تظلم.
(٧) رسمت اللفظة في (ب) و(خ) و(د) مفصولة: مِنْ مَنْ. ولم تتكرر في "تاريخ دمشق" ٢/ ٧٩٩.
(٨) في "تاريخ دمشق" ٢/ ٧٩٩: من.
[ ١١ / ١١٥ ]
ولما بلغ خالدًا وفاةُ أسد أخيه، بكى بكاءً عظيمًا، وتأسَّف وقال: رحم الله أسدًا، واللهِ ما مشيتُ قطُّ نهارًا إلَّا ومشى خلفي، ولا مشيتُ ليلًا إلَّا ومشى أمامي، ولا علا قطُّ بيتًا أنا تحتَه (^١).
وقال سليمان بن قتَّة، وكان صديقًا لأسد:
سَقَى اللهُ غيثًا (^٢) حَزْنَ بَلْخٍ وسَهْلَهَا … ومَرْوَى خُراسانَ السحابَ المُجمَّمَا
وما بي لتُسقاهُ ولكنْ لحفرةٍ (^٣) … بها غَيَّبُوا شِلْوًا (^٤) كريمًا وأعظُما
فقد كان يُعطي السيفَ في الرَّوْع حقَّهُ … ويُرْوِي السِّنانَ الزَّاعِبيَّ (^٥) المُقَوَّما
وقال العبديُّ، ويقال له: ابن عِرْس (^٦):
نَعَى أسدَ بنَ عبدِ الله ناعٍ … فَرِيعَ القلبُ للمَلِكِ المُطاعِ
ببَلْخٍ وافقَ المقدارُ يسري … وما لقضاءِ ربِّك من دِفاعِ
فجُودي عينُ بالعَبَراتِ سَحًّا … ألم يُحْزِنْكِ تفريقُ الجِماعِ
أتاه حِمامُهُ في جوف نجدٍ (^٧) … وكم بالصِّيغ من بَطَلٍ شُجاعِ
كتائبُ قد يُجيبون المنادي … على جُرْدٍ مُسَوَّمةٍ سِراعِ
سُقِيتَ الغَيثَ إنك كنتَ غَيثًا … مَرِيعًا عند مُرتادِ النَّجاعِ
أسند أسدٌ عن أبيه، وعن ابن عفيف الكندي، وروى عنه سَلْم بن قُتيبة الباهليُّ وغيرُه.
وقال البخاري: أسدُ بنُ عبد الله القَسْريُّ دمشقيٌّ ثقة (^٨).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٨٠١.
(٢) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٤١، و"تاريخ دمشق" ٢/ ٨٠١: بلخًا.
(٣) في المصدرين السابقين: ولكنَّ حفرةً.
(٤) يعني جَسَدًا.
(٥) نسبةً إلى زاعِب، رجل أو بلد، أوهي سِنانٌ (رماح) إذا هُزَّتْ كأنَّ كُعوبَها يجري بعضها في بعض للينها. (القاموس: زعب).
(٦) واسمُه خالد بن المعارك، كما سلف أواخر أحداث سنة (١١٢) (قبل التراجم).
(٧) كذا في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها). وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ١٤١، و"تاريخ دمشق" ٢/ ٨٠١: صِيغ. والصِّيغ: ناحية بخراسان، وذكر ياقوت في "معجمه" ٣/ ٤٣٩ أن أسدًا هلك بها.
(٨) لم أقف على هذا القول للبخاري، وذكره العقيلي في "الضعفاء" ١/ ٢٧ ونقل عن البخاري قوله فيه: لم يتابع في حديثه، وذكره. وينظر "التاريخ الكبير" ٢/ ٥٠.
[ ١١ / ١١٦ ]
وقال هشام: سمع رجل عِباديٌّ (^١) نصرانيٌّ قول (^٢) سليمان:
وقد كان يُعطي السيفَ في الرَّوْعِ حقَّهُ (^٣)
فقال العِباديُّ: لقد وجدَه الموتُ ليلًا، وما أغنى عنه عِزُّه فتيلًا، وأصبح في التراب حاسرًا مسؤولًا، قد تبرَّأ منه الحميم، ومَلَّهُ الخليلُ والنديم، وصار إلى ربِّ العرش العظيم، يسألُه عما قدَّم، ويحاسبُه على ما اجترم.
فبلغ خالدًا قولُه، فأمرَ به فضُرب مئةَ سَوْط، وحلقَ رأسَه ولحيتَه وقال: يا خبيث، ومَنْ لم يذلَّ بالموت؟! فقال العِباديُّ: لو علمتَ أنك تذلُّ بالموت لما صنعتَ بي هذا كلَّه في كلمة ما قصدتُ بها مكروهًا، وأخفرتَ ذِمَّةَ نبيِّك، وظلمتَ رجلًا من رعيَّتك، وقد وكلتُك إلى الله يوم يَعَض الظالم على صديه. فرقَّ له خالد، وأعطاه خمسة آلاف درهم وقال له: حلِّلْني. فقال: أنت في حِلّ (^٤).