[واسمه غياث بن غَوْث، وقيل: ابن غُوَيْث.
وقال الجاحظ: اسمه غيث (^٣) بن مُغيث بن الصَّلْت بن طارق (^٤) التغلبي النصراني. واختلفوا لم سُمِّيَ الأخطل؛ قيل: لطول أُذنيه ورخاوتهما.
_________________
(١) قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٤/ ١٤٣: مات قبل الخمسين ومئة تقريبًا.
(٢) لم أقف عليه. ووردت القصة للفرزدق مع سليمان بن عبد الملك، كما في "الشعر والشعراء" ١/ ٤٧٨، و"الأغاني" ٢١/ ٣٧٣، وهذا الكلام من (ص) وهو ما بين حاصرتين، ولم يرد في (ب) و(خ) و(د) منه سوى قوله أعلاه: ومن الوافدين عليه الفرزدق الشَّاعر، والأخطل الشَّاعر … وسلفت ترجمة الفرزدق سنة (١١١).
(٣) كذا في (ص) والكلام منها. وفي "تاريخ دمشق" ٥٧/ ٣٣١ عن الجاحظ: غوث.
(٤) كذا في رواية في المصدر السابق. وفي غيرها: طارقة.
[ ١١ / ٢٢٤ ]
قال الجوهريُّ (^١): أذنٌ خَطْلاء: بيِّنة الخَطَل مسترخية، وثَلَّةٌ خُطْل، وهي الغنم المسترخية الآذان. وكذا الكلاب. قال: ومنه سُمِّيَ الأخطل.
وقيل: إنما سُمِّيَ به لخَطَل لسانه، أي: طوله.
وقيل: إنما سُمِّيَ به لفُحش كلامه.
قال الجوهري (^٢): وكان الأخطل يلقَّب بدَوْبَل، وهو حمار صغير لا يكبر، وكان الأخطل مقدَّمًا عند بني أمية. قال حمَّاد الراوية: وكان يُقدَّم على الفرزدق وجرير.
والأخطل هو الذي أمره يزيد بن معاوية أن يهجوَ الْأَنصار، فقال:
واللُّؤمُ تحتَ عمائمِ الأنصارِ (^٣)
وقد ذكرناه.
وقال أبو عُبيد:] دخل على هشام، فأنشده قصيدتَه التي يقول فيها:
وإذا افْتَقَرْتَ إلى الذخائر لم تَجِدْ … ذُخْرًا يكون كصالحِ الأعمالِ
فقال له هشام: يهنيك الإِسلام. فقال: مازلتُ مسلمًا. يعني في دينه (^٤).
ذكر وفاته
[روى هشام بن محمَّد الكلبي عن أَبيه قال:] جلس [هشام بن عبد الملك] يومًا في قصره [مع ندمائه] وأمر بحفظ الأبواب، وإذ دخل عليه رجل جميلٌ، كأنَّ الشمسَ تطلعُ من ثناياه [أو ثيابه]، فألقى إليه صحيفة من ذهب فيها مكتوب: بئس الزاد إلى المعاد العدوانُ على العباد. ثم غاب الرَّجل، فسأل هشامٌ الحجَّاب: من أين دخل هذا؟! فقالوا: ما رأيناه. فأنكر هشام (^٥)، ومات بعد ذلك بشهر (^٦).
_________________
(١) في "الصحاح" ٤/ ١٦٨٥ (خطل).
(٢) المصدر السابق ٤/ ١٦٩٥ (دبل).
(٣) ينظر "الشعر والشعراء" ١/ ٤٨٤، و"تاريخ دمشق" ٥٧/ ٣٤٣.
(٤) طبقات فحول الشعراء ٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤، والأغاني ٨/ ٣١٠، وتاريخ دمشق ٥٧/ ٣٣٤.
(٥) في (ص): فأنكس هشام رأسه.
(٦) مختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٠٣. وفي صحة الخبر نظر.
[ ١١ / ٢٢٥ ]
وقال الواقديّ: خرج هشام يومًا إلى أصحابه وهو كئيب، فسألوه عن حاله، فقال: كيف لا أحزن وأنا أموت بعد ثلاث وثلَاثين ليلة؟! فلما استكملها مات، كأنَّه رآه في منامه (^١).
[قال أبو اليقظان:] ولما احتُضر نظر إلى أولاده يبكون حوله، فقال: جاد لكم هشام بالدنيا، وجُدْتُم له بالبكاء، وترك لكم جميع ما جمع، وتركتُم عليه إثم ما اكتسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يُغفر له (^٢)!
وقال [ابن أبي الدنيا في كتاب "الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان" عن] المنهال مولى بني أمية: حبسَ هشام بنُ عبد الملك عياضَ بن مسلم (^٣) كاتب الوليد بن يزيد، وضربه، وألبسه المُسُوح، فلم يزل محبوسًا حتَّى مات هشام.
فلما ثَقُل وصار في حدِّ أنَّه لا يُرجى؛ رَهِقَتْه غَشْيَة، فظنُّوا أنَّه قد مات، فأرسل عِياض إلى الخُزَّان: احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلنَّ أحدٌ إلى شيء.
وأفاقَ هشام فطلبوا من الخُزَّان شيئًا، فلم يعطوهم. فقال هشام: إنما كنا خُزَّانًا للوليد. ومات [هشام] من ساعته، فخرج عِياض إلى الخزائن فختم عليها، وأمر بهشام، فأُنزل عن سريره، ومنعهم أن يكفِّنوه من الخزائن، فكفَّنه غالب مولاه، ولم يجدوا قُمْقُمًا يسخنوا [له] فيه الماء حتَّى استعاروه (^٤).
[وقيل:] واشترَوْا له حطبًا من السوق، فقال النَّاس: إن في ذلك لعبرةً لمن اعتبر (^٥).
[قال هشام: وكان الوليد بن يزيد قد هرب من الرُّصافة خوفًا من هشام، وتركَ كاتبَه عياضَ بنَ مسلم عند هشام يطالعُه الأخبار، وكان عياض كاتبًا لعبد الملك بن مروان، فعلم هشامٌ، فحبسَه] (^٦).
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٣٢٣، ومختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٠٤ ضمن خبر مطول.
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٣٦٢، ومختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٠٤.
(٣) في النسخ: عياض بن أبي مسلم، وهو خطأ.
(٤) الاعتبار (٦٢)، وتاريخ دمشق ٥٦/ ٤٥٥ (ترجمة عياض بن مسلم) وكذا في ترجمة هشام كما في "مختصره" ٧/ ١٠٤ - ١٠٥، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠١.
(٥) مختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٠٥.
(٦) الكلام بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٢٢٦ ]
وقال الهيثم [والواقدي]: لما حجَّ الوليد بنُ يزيد في سنة ستَّ عشرة ومئة، وظهر منه من الفسق ما ظهر [وحملِه الخَمر في الصناديق إلى مكة، وكلابَ الصيد]، مَقَتَه هشام ونفاه، فخرج من الرُّصافة إلى الشَّام بأهله [وقيانه] فنزل ماءً [بالشام] يقال له: الأزرق، وقيل: [نزل على ماء يقال له]: الأغدق (^١) [وخلَّف كاتبه عياضًا بالرُّصافة] وخرج معه بعبد الصمد بن عبد الأعلى، فجلسا يشربان يومًا [فقال الوليد لعبد الصمد: أنشدني]. فأنشده عبدُ الصمد أبياتًا منها:
لعلَّ الوليدَ دنا مُلْكُهُ … فأمسى إليه (^٢) قد استجمعا
وكُنَّا نُؤمِّلُ في مُلْكِهِ … كتأميلِ ذي الجَدْب أن يُمْرِعَا
عَقَدْنا له مُحْكَمَاتِ العُهُو … دِ (^٣) طوعًا وكان لها موضعا
فبلغ هشامًا، فكتب إلى الوليد: قد بلغني [أنك] اتخذت عبدَ الصمد الزنديقَ نديمًا وجليسًا، وقد تحقَّقَتْ عندي الآن زندقتُك ومروقُك عن الإِسلام، فإنْ عشتُ فسوف ترى.
ثم قطع ما كان يُجريه عليه وعلى عبد الصمد، ثم قال لابنه: إنَّ عِياضًا يكاتب الوليد، فاضربه ضربًا مبرّحًا. فضربه وسجنه، وبلغ الوليد فقال: مَنْ يثقُ بالنَّاس؟ هذا الأحول المشؤوم قدَّمه أبي [عليّ] ويفعل بي هذا؟! ثم تمثَّل:
أتشمخون ومنَّا (^٤) رأسُ دولتِكم (^٥) … ستعلمون إذا كانَتْ لنا دُوَلُ (^٦)
_________________
(١) كذا في النسخ الأربعة، و"الأغاني" ٢/ ٢٤٠. ووقع في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢١١، و"الأغاني" ٧/ ٨: الأغدف. وفي "الأغاني" أَيضًا: الأبرق، بدل: الأزرق.
(٢) في النسخ: إليها. والمثبت من"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١١، و"الأغاني" ٧/ ٩ وهو المناسب للسياق.
(٣) في المصدرين السابقين: الأمور، بدل: العهود.
(٤) في النسخ الأربعة: زمانًا. والمثبت من "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٨٢، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٢، و"الأغاني" ٧/ ١٠.
(٥) في المصادر السابقة: نعمتكم.
(٦) كذا في النسخ الأربعة. والبيت (كما في المصادر السالفة) ضمن أبيات قافيتها لام مفتوحة، وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٢: إذا كانت لنا دولا. وفي "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٨٢: إذا صرتم لنا خَوَلا. وفي "الأغاني" ٧/ ١٠: إذا أبصرتُم الدولا.
[ ١١ / ٢٢٧ ]
ثم كتب إلى هشام: بلغني أنَّك قطعتَ صلتي وما فعلتَ بأصحابي، فإن كان ذلك لشيءٍ في نفسك عليَّ، فقد سَبَّبَ [الله] لي من العهد، وكتبَ لي من العمر، وقَسَمَ لي من الرِّزق ما لا يقدرُ أحدٌ على قطعه، أو على قطع شيء منه دون مدَّته، وقَدَرُ الله يجري بمقاديره، كره النَّاس أو أحبُّوا، لا تأخير لعاجله، ولا تعجيل لآجله.
وكتب في أسفل الكتاب:
رأيتُكَ تبني دائمًا (^١) في قطيعتي … ولو كنتَ ذا عزمٍ (^٢) لهَدَّمْتَ ما تبني
تُثير على الباقين منّي (^٣) ضغينةً … فويلٌ لهم إنْ مُتَّ من شرِّ ما تجني
كفرتَ يدًا من منعمٍ لو شكرتَها … جزاكَ بها الرحمنُ ذو الفضلِ والمَنِّ (^٤)
فكتب إليه هشام يُوبِّخُه ويُفَسِّقُه ويزندقُه، وقال: أستغفرُ الله مما كنتُ أُجريه عليك، فإنِّي إلى المأثم أقربُ من غيره.
فلما قرأ كتابَه أيقن بالعزل، ولم يجد من طرد عبد الصمد بدًّا، فأبعدَه، وكتبَ إلى هشام يعتذرُ من منادمته.
و[بقي] الوليد مقيمًا بالأزرق منكسرًا مهمومًا، فركب يومًا ولجَّجَ في البَرِّيَّة ومعه أبو الزُّبير المنذر بن أبي عمرو، فقال: يَا منذر، لقد طالتْ عليَّ الليلة، وأرقْتُ أرقًا كثيرًا، وإني لخائفٌ من الأحول المشؤوم. وجعل يشكو إليه، وإذا براكبين قد أقبلا من صدر البَرِّيَّة، فَقرُبا منه، فتأمَّلَهما، وإذا بمولًى لآل أبي سفيان (^٥)، وآخر يقال له: جردبة، فقال لهما: أمات هشام (^٦)؟! قالا: نعم. قال: فما فعل كاتبي (^٧)؟ فأخبراه بما
_________________
(١) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٨٤، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٥: جاهدًا.
(٢) في "أنساب الأشراف": ذا عقل، وفي "تاريخ" الطبري: ذا إرب.
(٣) في المصدرين السالفين: مجنى بدل: منّي. وفي "أنساب الأشراف": ستترك للباقين.
(٤) يُقارن سياق الخبر هنا بسياقه في المصدرين السابقين.
(٥) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٩٠، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٥: مولى أبي محمَّد السفياني.
(٦) في المصدرين السابقين: فلما بَصُرا بالوليد نزلا ثم دنوا منه فسلَّما عليه بالخلافة، فوجم ثم قال: أمات هشام … وبنحوه في "الأغاني" ٧/ ١٥.
(٧) في (ص): عياض (وهو اسم الكاتب).
[ ١١ / ٢٢٨ ]
صنع في الخزائن، فكتب الوليد إلى العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك وكان بدمشق: أن سِرْ إلى الرُّصافة، واحْتَطْ على الخزائن، وعلى أموال بني هاشم، إلَّا مسلمة بن هشام، فلا تتعرَّضْ له، وكان مسلمةُ يكلِّم أباه دائمًا في الرِّفق بالوليد (^١).
فسار العبَّاس إلى الرُّصافة، ففعل ما أمره له الوليد.
وجاءته أمُّ سلمة بنت يعقوب المخزومية -وهي امرأة مسلمة بن هشام- فشكت زوجَها إلى العبَّاس [وقالت: إنه لا يُفيق من الشراب، ولا اكترث لموت أَبيه. فوبَّخه العبَّاس] ونهاه عنها فأكذَبها مسلمة، وطلَّقَها في ذلك المجلس، فشخصت تُريد فلسطين، فمرَّت بالحِمَّة، فتزوَّجَها أبو العبَّاس السفَّاح (^٢).
واختلفوا في وفاة هشام، فقال أبو معشر: تُوفِّي هشام ليلة الأربعاء لستٍّ خلونَ من ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومئة بقصره بالرُّصافة، وبها قبرُه، وهي من أرض قنّسرين.
وقال المدائنيّ والبلاذُري: مات لستّ خلونَ من ربيع الآخِر من ورم لحقَه في حَلْقِهِ يقال له: الحرذون، وقيل: الذُّبْحَة [وهي وجع الحلق.
قال المدائني: والرُّصافة قديمة بناها بعض ملوك الرُّوم، وإنما نُسبت إلى هشام لبنائه بها قصرَين عظيمَين.
واختلفوا في أيَّامه، فقال الواقديّ:] كانت أيامُ خلافتِه تسعَ عشرةَ سنة وسبعة أشهر وعشر ليال. [وهذا موافق لما أكل من التفاح في منامه].
وقال الكلبي: تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وأيامًا.
واختلفوا في سنّه، فقال هشام: عاش خمسًا وخمسين سنة، وقيل: ستًّا وخمسين، وقيل: من الخمسين إلى خمس وخمسين، وصلّى عليه ابنُه مسلمة بن هشام (^٣).
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٤٩٠ - ٤٩١، وتاريخ الطبري ٧/ ٢١٥ - ٢١٦.
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٤٩١، والأغاني ٧/ ٢٥.
(٣) جاءت الأقوال في (ب) و(خ) و(د) دون نسبة لقائليها، والمثبت من (ص) وما سلف بين حاصرتين منها. وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٢٣، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠١، و"العقد الفريد" ٤/ ٤٥٢، و"مختصر دمشق" ٢٧/ ١٠٥.
[ ١١ / ٢٢٩ ]
[وقال ابن أبي الدنيا:] ولما مات [هشام] ودفن، وقف مولًى له على قبره، فقال: فُعل بنا بعدك. وعدَّد أشياءَ. وهناك أعرابيٌّ قائم، فقال: إيه عنك (^١)، فلو كُشف لكم عنه لأخبركم أنَّه لقيَ أشدَّ ممَّا لقيتُم (^٢).
[قال أبو القاسم ابن عساكر:] ولمَّا مات هشام وأخذوا في غَسْلِهِ والناسُ قيامٌ؛ نظرَ ابنُ عبد الأعلى الشَّاعر إلى البيت الذي فيه هشام وقال:
وما سالمٌ عمَّا قليلٍ بسالمٍ … ولو كثُرَتْ أحراسُه وكتائبُهْ
ومَنْ يكُ ذا بابٍ شديدٍ وحاجبٍ … فعمَّا قليلٍ يهجُرُ البابَ حاجِبُهْ
ويُصبحُ بعد العزِّ يُقصيهِ أهلُهُ … رهينًا بلحدٍ لم تُمَهَّدْ جوانبُهْ
فما كان إلَّا الدَّفْنُ حتَّى تفرَّقَتْ … إلى غيره أجنادُهُ ومَوَاكبُهْ
وأصبح مسرورًا به كلُّ شامتٍ … وأَسْلَمَهُ أحبابُه وأقارِبُهْ
فنفسَكَ فَاكْسُهَا (^٣) السَّعادةَ والتُّقَى … فكلُّ امرئٍ رهنٌ بما هو كاسِبُهْ
[قال:] فما رؤي أكثر باكيًا من ذلك اليوم (^٤).
وسالم في هذا الشعر كاتبُ هشام ومولاه.
وهذا الشَّاعر اسمُه عبد الله [بن عبد الأعلى] وهو أخو عبد الصمد المتهومِ بالزَّنْدقَة [وكان جليسَ الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
وكان لعبد الله شعر، ومنه ما كان يَتَرنَّمُ به عمر بنُ عبد العزيز:
أيقظانُ أنتَ اليومَ أمْ أنتَ نائمُ] (^٥)
وكان عبد الله مباينًا لعبد الصمد، وهو القائل:
_________________
(١) كذا في (ب) و(خ) و(د). وفي (ص): إنه عنك مشغول.
(٢) بنحوه في "مختصر تاريخ دمشق" ٢٧/ ١٠٥.
(٣) في (ص): فاكْسِبْها.
(٤) ينظر: تاريخ دمشق ٧/ ٤٠ (مصورة دار البشير- ترجمة سالم بن عبد الله مولى هشام)، ومختصره ١٢/ ٣٣٤ (ترجمة عبد الله بن عبد الأعلى). وذكر المسعودي الخبر مع الأبيات في "مروج الذهب" ٥/ ٤١٤ - ٤١٥ في وفاة سليمان بن عبد الملك.
(٥) صدر بيت، وعجزُه: وكيف يُطيق النومَ حيرانُ هائمُ. ينظر "حلية الأولياء" ٥/ ٣١٩، و"تاريخ دمشق" ٥٤/ ١٩٧ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة عمر بن عبد العزيز ﵁). وهذا الكلام الواقع بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٢٣٠ ]
قال لي أنتَ أخو الكلبِ وفي … ظَنِّهِ أنْ قد تَنَاهَى واجْتَهَدْ
فَحَمِدْتُ اللهَ شُكرًا أنَّهُ … ما دَرَى أنِّي أخو عبد الصَّمَدْ (^١)
وكان أبو جعفر المنصور يثني على هشام ويقول: كان رجل القوم.
ذكر أولاده:
كان له عدَّةُ أولاد: معاوية، وسليمان، ومَسْلَمة، ويزيد، [ومحمد]، وسعيد، وعبد الملك، ومروان، وزيد، وعبد الرحمن، وقُريشْ، وأمُّ يحيى، وأمُّ سلمة، وزَينب.
فأمَّا معاوية:
[بن هشام؛ فقال الزُّبير بن بكار:] كنيتُه أبو شاكر، كان جوادًا ممدَّحًا، سيِّد ولد هشام، وكان يسكن دار أَبيه بدمشق.
[وحكينا عن أبي القاسم ابن عساكر أنها كانت] بناحيه الخوَّاصين، وبعضُها اليوم مدرسة نور الدين محمود [بن زنكي] ﵀.
وأمُّه أمُّ ولد، وهي أمُّ أخيه سعيد، ويقال: أمُّه أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وهي أمُّ مَسْلَمة، ويزيد، ومحمَّد، وأمّ يحيى.
ومعاوية من الطَّبقة الرابعة من أهل الشَّام، غزا الروم (^٢) من سنة ست ومئة إلى سنة تسع عشرة ومئة وفتح فتوحًا كثيرة، [وكان البطَّال معه في بعضها، وكان ينزل دَيْرَ حَنِينَاء (^٣).
_________________
(١) هذا الخبر من (ب) و(خ) و(د) ولم يرد في (ص). ونسب ابن عساكر هذا الشعر في "تاريخ دمشق" ٤٢/ ٢٨٧ لعبد المحسن الصُّوري، وقد قاله في أخيه عبد الصمد بن محمَّد. ثم إن ابن عساكر لم يذكر الشعر في ترجمة عبد الصمد بن عبد الأعلى. ولعل المصنف (أو المختصر) وهم، فقد سلف له مثلُ هذا، والله أعلم.
(٢) في (ص): وذكره ابنُ سُميع في الطَّبقة الرابعة من أهل الشام وقال: كان معاوية بن هشام سيد ولد هشام وغزا الروم … إلخ. وسلف بعض هذا الكلام من النسخ الأخرى، وينظر "تاريخ دمشق" ٦٨/ ٣٨٢ (طبعة مجمع دمشق).
(٣) حَنِينَاء من أعمال دمشق، كما ذكر ياقوت في "معجم البلدان" ٢/ ٣١٢، ونقل عن نصر قوله: هي من قرى قِنّسرين.
[ ١١ / ٢٣١ ]
وقال الهيثم: لما حجَّ الوليد بن يزيد في سنة ست عشرة ومئة ومعه الخمور وكلاب الصيد والقِيان؛ عزم هشام على خلعه وتوليةِ ابنِه معاوية الخلافة، فكتب الوليد بن يزيد إلى هشام:
يَا أيُّها السائلُ عن مذهبي … إنِّي على دينِ أبي شاكرِ
يشربها صِرْفًا وممزوجةً … بالثلج أحيانًا وبالفاترِ
فقال هشام لابنه: ويحك! أُرَشِّحُك للخلافة، ويعَيِّرُني بك الوليد!
وقيل: إن صاحب الواقعة مسلمة بن هشام، وإن الوليد عيَّرَ هشامًا بمسلمة، وكان يكنى أَبا شاكر أَيضًا] (^١).
وذكر أبو القاسم ابن عساكر عن مروان بن الهُذيل (^٢) قال: تذاكروا أيامَ هشام ودوامَها، وما كفَّ الله عنه من المكروه ممَّن خالفه من أعدائه، وما يعطي جيوشَه من النصر والظَّفَر في جميع الأقطار، فخرج ابنُه معاويةُ يومًا يتصيَّد، فركض خلف ثعلب، فعثر به فرسُه، فوقعَ ميتًا، فقال هشام: واغوثاه بالله! أُرَشِّحُهُ للخلافة، ويعدو خلف ثعلب (^٣)!
قال مروان (^٤): ولم تزل المصائب تتوالى على هشام بعد ذلك حتَّى مضى لسبيله.
وقيل: إن معاوية هلك في سنة ثماني -أو تسع- عشرة ومئة.
وولدُه عبد الرَّحْمَن بنُ معاوية هو الداخل إلى المغرب، وسنذكره.
وأمَّا سليمان:
فكنيتُه أبو الغَمْر، وأمُّه أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم، وهي أمُّ مروان. وقيل: سليمان لأمِّ ولد.
وكان شاعرًا، وسجنَه الوليد بن يزيد بعد موت أَبيه هشام بعمَّان بعد أنْ ضربَه مئةَ سَوْط، وحلقَ رأسَه ولحيتَه لأنه كان يحرِّض أباه عليه.
_________________
(١) هذا الخبر من (ص) (وهو ما بين حاصرتين) ولم أقف عليه في حقّ معاوية بن هشام، وسيرد الخبر من النسخ الأخرى في مسلمة بن هشام وهو الذي ذكرَتْه المصادر كما سيرد.
(٢) في (ب) و(خ) و(د): وقال مروان بن الهذيل: تذاكروا … والمثبت عبارة (ص). وجاء في "تاريخ دمشق" ٦٨/ ٣٨٥: مرزوق بن أبي الهُذيل. وهو الأشبه. غير أنَّه جاء آخر الخبر (كما جاء هنا): قال مروان … الخ. والله أعلم.
(٣) ينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠٧، والمصدر السابق.
(٤) تاريخ دمشق ٦٨/ ٣٨٥. وينظر الكلام قبل تعليق.
[ ١١ / ٢٣٢ ]
فأقام محبوسًا، فلمَّا قُتلَ الوليد بن يزيد؛ خرجَ من السجن، فلحقَ بيزيد بن الوليد، فولَّاه بعض حروبه، فكسَرَهُ مروان بن محمَّد بعين الجَرّ (^١)، فهرب إلى تدمر، ثم استأمن [إلى] مروانَ فأمَّنه، فبايعه، ثم خلعه، واجتمع إليه سبعون ألفًا، وطمع في الخلافة، فبعث إليه مروان جيشًا فكسره، ومضى إلى حمص، فتحصَّن بها، فسار إليه مروان، فهرب منه، ولحق بالضحَّاك بن قيس الشيبانيّ الحروريّ، فبايَعَه سليمان، فقال الشَّاعر:
ألم ترَ أن الله أظهرَ دينَهُ … وصلَّتْ قريشٌ خلفَ بَكْرِ بنِ وائلِ (^٢)
وعاش سليمان إلى أيام السَّفَّاح، فقتله السفَّاح [بشعر قاله سُدَيف، وسنذكره في أيام السفَّاح] (^٣).
وغزا سليمان أرضَ الرُّوم سنة ثلاث عشرة ومئة، فافتتح أقرن، وأخذ عظيمًا من عظمائهم، وغزا الصائفة في سنة عشرين، وما زال على الصوائف حتَّى مات هشام (^٤).
وأمَّا مسلمة بنُ هشام:
كنيتُه أبو شاكر، وأمُّه أمُّ حكيم، وكان شريفًا ممدَّحًا.
وليَ الموسمَ سنة عشر ومئة، وغزا الصائفة سنة تسعَ عشرةَ ومئة (^٥)، وغزا سنة إحدى وعشرين، وسنة عشرين، وسار معه أبوه هشام مودِّعًا له حتَّى أتى مَلَطْيَة (^٦).
وكان قد عزمَ على توليته الخلافة وخلع الوليد، وأجابه أعيان بني أمية وأهلُ الشَّام، فعيَّر الوليدُ بنُ يزيد أباه هشامًا فقال:
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): بعين الجد. والمثبت من"أنساب الأشراف" ٧/ ٥٧٩، و"تاريخ دمشق" ٧/ ٦٥١ (مصورة دار البشير). وقال ياقوت في "معجم البلدان" ٤/ ١٧٧: عين الجرّ موضع معروف بالبقاع بين بعلبك ودمشق. قلت: واسمها الآن: عنجر.
(٢) تاريخ دمشق ٧/ ٦٥١ (مصورة دار البشير). وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٧٦ - ٥٨٠.
(٣) ما بين حاصرتين من (ص)، ولم يرد فيها من الكلام على سليمان بن هشام إلَّا قوله المذكور آخرًا: وعاش سليمان إلى أيام السفَّاح … إلخ. وسُديف: هو ابن ميمون، وهو الذي حرَّض على قتل سليمان بشعر قاله لأبي العبَّاس السفاح.
(٤) تاريخ دمشق ٧/ ٦٥٢ - ٦٥٣ (مصورة دار البشير).
(٥) كذا في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها) وفيه نظر، فالذي حجَّ بالنَّاس سنة عشر ومئة إبراهيم بن هشام المخزومي، كما في "تاريخ" خليفة ص ٣٤٠، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٦٦ وأما مسلمة فقد حجَّ بالنَّاس سنة تسع عشرة ومئة، كما في "تاريخ" خليفة أيضًا ص ٣٤٩ و"تاريخ" الطبري ٧/ ١٣٨، و"تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٩١ (طبعة مجمع دمشق).
(٦) تاريخ دمشق ٦٧/ ١٩٢.
[ ١١ / ٢٣٣ ]
يَا أيُّها السائلُ عن ديننا … إنِّي (^١) على دينِ أبي شاكرِ
نشربُها صِرْفًا وممزوجةً … بالثَّلجِ (^٢) أحيانًا وبالفاترِ
فقال بعضُ موالي المدينة:
يَا أيُّها السائل عن ديننا … إنِّي (^٣) على دين أبي شاكرِ
الواهب الجُرْدَ (^٤) بأرسانها … ليس بزنديقٍ ولا كافرِ
يعرِّضُ بالوليد بن يزيد.
ولما رشّحه هشام للخلافة قال الكُميت الشَّاعر (^٥):
إنَّ الخلافةَ كائنٌ أوتادُها … بعدَ الوليدِ إلى ابنِ أمِّ حكيمِ
ولما بلغَ خالدَ بنَ عبد الله القَسْرِيَّ قال: أنا بريءٌ من خليفة يسمَّى أَبا شاكر، فحقدَها عليه مسلمة، فلما مات أسدُ بنُ عبد الله أخو خالد؛ كتبَ مسلمةُ بنُ هشام إلى خالد بشعرٍ هجاه به يحيى بنُ نوفل وأخاه حين مات:
أراحَ من خالدٍ وأهلكَهُ … ربٌّ أراحَ العبادَ من أسَدِ
أما أبوه فكان مُؤْتَشَبًا … عبدًا لئيمًا لأَعْبُدٍ قُفُدِ (^٦)
وبعث بالطُّومار (^٧) مع رسولٍ على البريد، فظنَّ خالدٌ أنَّه عزَّاه عن أخيه، فلما فتح الطُّومار لم يجد فيه غيرَ البيتين، فقال: ما رأيتُ كاليومَ تعزيةً (^٨).
_________________
(١) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٣٠، و٤٧٧، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٠، و"الأغاني" ٧/ ٤، و١٦/ ٢٧٩: نحن.
(٢) في المصادر السابقة: بالسُّخْن.
(٣) في (ب) و(د): أنا. وفي المصادر السابقة: نحن.
(٤) جمع أجرد، وهو الفرس السبَّاق … وفي "الأغاني" ٧/ ٤ و١٦/ ٢٧٩: البُزْل.
(٥) قوله: يعرِّضُ بالوليد … إلخ، من (د)، وعبارة (ب) و(خ) بعد البيتين: فقال الكميت الشَّاعر. والكلام ليس في (ص).
(٦) قوله: مُؤْتَشَب أي: غير صريح في النسب، وقُفد: جمع أقفد، وهو من يمشي على صدور قدميه من قبل الأصابع ولا تبلغ عقباه الأرض، أو الكزّ اليدين والرجلين.
(٧) يعني الصحيفة.
(٨) الخبر بتمامه في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٠ - ٢١١، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٧٧ - ٤٧٨، وبعضه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٣٠، و"الأغاني" ٧/ ٤ و١٦/ ٢٧٩. ومن قوله: وأما سليمان؛ فكنيته أبو الغمر (قبل صفحتين) … إلى هذا الموضع ليس في (ص).
[ ١١ / ٢٣٤ ]
وأمَّا يزيد بنُ هشام:
فاستعملَه أبوه على الحجِّ سنةَ ثلاث وعشرين ومئة (^١)، وحجَّ معه الزُّهريّ [وكان الزهريُّ مؤدِّبه] فقال: بعَثَنا هذا مع ولده ليُقيمَ من أَوَدِه، وعاش يزيد بعد قتل الوليد بن يزيد (^٢)، ويعرف بالأفقم، وأمُّه أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص.
وأما محمَّد بن هشام:
فأمُّه أمُّ حكيم، وكان هشام يحبُّه حبًّا شديدًا، أدَّبَهُ سليمان بن سليم، وكان فاضلًا، فقدم على هشام الرُّصافة، فقال له: يَا سليمان، قد بلغَني عنك فضلٌ، وأنا مسارعٌ إليك بكلِّ خير، ومستعينٌ بك على أموري، وإنَّ محمدًا ابني منِّي بالمكان الذي بلغك، وهو جِلْدَةُ ما بين عينيّ، وأرجو أن يبلغَ اللهُ به أفضلَ ما بلغَ [من] أهل بيته، وقد ولَّيتُك تعليمَه وتأديبه، فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه بخصال لو لم يكن إلَّا واحدة لكنتَ حقيقًا أن لا يضيِّعَها، فكيف إذا اجتمعت؟!
أما الأولى: فأنتَ مؤتَمَنٌ عليه، فيحقُّ لك أداءُ الأمانة فيه.
وأمَّا الثَّانية: فإنِّي إمامٌ ترجوني وتخافُني.
وأما الثالثة: فأوَّلُ ما آمرُك فيه أن تأخذَه بكتاب الله وسنة رسوله، وروِّه من الأشعار التي للعرب، ثم اخْتَرْ له من مغازي رسول الله ﷺ وأخباره، وعَلِّمْهُ طرفًا من الحلال والحرام، والخُطب والسِّيَر، وأدْخِلْ عليه أهلَ الفضل والدِّين، وجَنِّبْهُ أهلَ الدَّعارة والفسوق وشرَّاب الخمور، وإذا سمعتَ منه الكلمةَ الحسنةَ فاشكُرْهُ عليها، وإذا سمعتَ منه الكلمة العوراء فأغضَّ عنها (^٣).
وأمَّا سعيد بن هشام:
فأمُّه أمُّ ولد، وقيل: أمُّ عمَّار (^٤) بنت سعيد بن خالد بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان.
_________________
(١) تاريخ خليفة ص ٣٥٤.
(٢) قوله: فقال بعثنا هذا مع ولده … إلى هذا الموضع، ليس في (ص). وما سلف بين حاصرتين منها.
(٣) تاريخ دمشق ٧/ ٦١٩ (مصورة دار البشير- ترجمة سليمان بن سليم بن كيسان)، وبنحوه في "محاضرات الأدباء" ١/ ١٠٧ ومن قوله: وأمُّه أمُّ حكيم بنت يحيى (قبل الكلام على محمَّد بن هشام) … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٤) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣١٠: أمُّ عثمان.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
وكان عاملًا لأبيه على حمص، وكان مُغْرًى بالشراب والنساء، فوفد أبو الجَعْد الطائيّ على هشام، فبينا هو في الطريق، إذا بخصيّ لهشام، فقال له أبو الجَعْد: هل لك أن أُعْطِيَك هذا الفرس؟ فإنِّي لا أعلمُ في الخيل مثلَه. قال الخصيّ: نعم. قال: تُوصلُ هذا الكتاب إلى مولاك. ودفع إليه كتابًا مختومًا، فدفعه الخَصِيُّ إلى هشام، ففتحه، فإذا فيه:
أبْلِغْ لديك أميرَ المُؤْمنين فقد … أمدَدْتَنا بأميرٍ ليس عِنِّينا (^١)
طَوْرًا يُخالفُ عَمْرًا في حَلِيلَتِهِ … وعند داحةَ (^٢) يبغي الأجْرَ والدِّينا
ففهم هشامٌ، فأرسلَ إلى سعيد من جاء به، فضربه بالخيزرانة، وقال: يَا لُكَع، أعَجَزْتَ أن تفجر فجور قريش؟! يعني أخْذَ المال دون الزِّنى. واللهِ لا وَلِيتَ لي ولايةً أبدًا. فما وليَ له ولاية حتَّى مات هشام (^٣).
وقال البلاذري (^٤): ولَّى هشامٌ ابنَه سعيدًا حمص، فكان يُرسل إلى امرأة عَمرو بن الدليل من بني الرَّباب، فيكون معها، فشهدوا عليه بذلك عند هشام، فأحضره وقال: يا ابن الخبيثة، أتزني وأنتَ ابنُ أمير المُؤْمنين؟! فضربه الحدّ وقال: والله لا وَلِيتَ لي ولايةً أبدًا. فيقال: إنه مات من ذلك الضرب (^٥). [قال البلاذري:] والمثبت أنَّه عاشَ بعد موت أَبيه.
وقال أبو اليقظان: كان سعيد من أجمل الغلمان، وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى يؤدِّبُه، فأراده على الفاحشة، فدخل سعيد على أَبيه هشام، فقال:
إنه واللهِ لولا أنتَ لم … ينجُ منّي سالمًا عبدُ الصَمَدْ
إنَّه قد رامَ منِّي خُطَّة … لم يَرُمْها قبلَه منِّي أَحَدْ
_________________
(١) في (خ): يغنينا. والمثبت من (ب) و(د)، وهو موافق لما في "العقد الفريد" ٤/ ٤٤٨ والخبر فيه بنحوه.
(٢) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٤٥: تاجة. والبيتان فيه بنحوهما بقافية مكسورة.
(٣) ينظر المصدران السابقان، والكلام ليس في (ص) وينظر التعليق التالي.
(٤) عبارة ص: وأما سعيد؛ فقال البلاذري … إلخ. لم يرد فيها الكلام السابق كما سلف في التعليق قبله. وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٤٧.
(٥) في (ص): الحدّ.
[ ١١ / ٢٣٦ ]
رامَ بي جهلًا وجهلًا بأبي … يُولجُ العصفورَ في بيت الأَسَدْ (^١)
فقال له هشام: لا ولا كرامة (^٢).
وقال الزُّبير بنُ بكَّار: هذه الواقعة جرت لسعيد بن عبد الرَّحْمَن بن حسان [مع عبد الصمد] وكان [سعيد] غلامًا مضيئًا، وفَدَ على هشام، فأراد عبدُ الصمد منه الفاحشةَ، فدخل على هشام، فأنشده الأبيات، فقال: لو فعلتَ بعبد الصمد شيئًا لم أُنكر عليك [لأنه أنشده: لم ينجُ مني سالمًا عبد الصمد] (^٣).
وقال هشام: وفي سنة إحدى عشرة ومئة أغزى [هشام ابنَه] سعيدًا الصائفة، فبلغ [إلى] قيسارية الروم (^٤).
وخلع سعيدٌ مروانَ بنَ محمَّد، وكان بحمص، فنازله مروان، وصالحَ أهلَ حمص على أن يُسلِّمُوا إليه سعيدًا وابنيه عثمان ومروان، فسلَّموهم إليه، فبعثَ بهم إلى خُراسان، فحبسَهم.
ولما هُزم مروان يومَ الزَّاب وثب سعيد على السَّجَّان فقتلَه، وكان معه في الحبس جماعة، منهم أبو محمَّد السفياني، وشَرَاحيل بن مَسْلَمة بن عبد الملك.
فأمَّا أبو محمَّد فلم يبرح من الحبس، وخرج سعيد وشَراحيل إلى خُراسان وأرادا أن يملكاها، فوثبَ الغوغاء عليهما، فقتلوهما.
وجاء مروان منهزمًا بعد خمس عشرة ليلة، فأطلقَ السفيانيَّ من الحبس (^٥).
وباقي أولاد هشام ليس لهم ذكر (^٦).
_________________
(١) في المصادر التالية: خِيس الأسد. والخِيس: موضع الأسد.
(٢) تاريخ دمشق ٧/ ٣٦٢ - ٣٦٣ (مصورة دار البشير).
(٣) الأغاني ٨/ ٢٧١ - ٢٧٢، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٨٠. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٤) ينظر "تاريخ دمشق" ٧/ ٣٦١ (مصورة دار البشير).
(٥) ينظر المصدر السابق ٧/ ٣٦٢.
(٦) من قوله: وخلع سعيد مروان بن الحكم … (قبل عدة أسطر) إلى هذا الموضع ليس في (ص).
[ ١١ / ٢٣٧ ]
ذكر نساء هشام [بن عبد الملك:
ذكر المدائنيّ أنَّه] كان عنده فاطمة بنت القاسم بن محمَّد بن جعفر بن أبي طالب، وهي فاطمة الكبرى (^١)، وأمُّها زينب الكبرى بنتُ عليّ بن أبي طالب ﵇.
قال لها هشام يومًا: أنتِ بغلةٌ لا تلدين، فقالت: ليس كما ظننتَ، ولكن يأبَى كرمي أن يُدَنِّسَه لُؤمُك.
[وقال الزُّبير بن بكَّار:] وكان عنده عَبْدَة بنت عبد الله الأسوار (^٢) بن يزيد بن معاوية [بن أبي سفيان]، وأمُّها أمُّ موسى بنت عَمرو بن سعيد بن العاص، وَلَدَتْ من هشام.
[وعَبْدَةُ هذه المذبوحة لمَّا ظهر عبد الله بنُ عليّ بن عبد الله بن العباس على الشَّام] وكانت من أجمل النساء، نظر إليها يومًا [هشام] وعليها ثيابٌ سُودٌ رِقاق [مثل ثياب الرُّهبان يوم عيدهم] فملأته سرورًا، ثم فكّر، ففطنت، فقالت [له]: أكرهتَ هذه الثياب؟ قال: لا، ولكن رأيتُ هذه الشامة بكَشْحِك (^٣)، وبها تُذبحُ النساء، أما إنهم سيُنزلونك عن بغلة شهباءَ وردة، ثم يذبحونكِ ذَبْحًا.
فلما ظهر عبد الله بنُ علي أَخَذَ منها جواهر لا يعلم قيمتَها إلَّا الله تعالى، ثم أطلقها، فخرجت في الليل على بغلة، فقالت: ما لونُها؟ قالوا: دهماء. فقالت: نَجَوْتُ. فقيل لعبد الله [بن عليّ]: إن أفلتَتْ أخبرَتْ أَبا جعفر (^٤) بما أخذتَ منها فيأخذَه منك، اقْتُلْها. فبعثَ في آثارها وقد أضاء الصبح، فنظرَتْ، فإذا بالبغلة شهباء وردة.
ولحقها (^٥) الرسول، فقال لها: قد أُمرنا بقتلك. فقالت: هذا أهونُ [عليَّ]. ثم نزلَتْ، فشَدَّتْ دِرْعَها بحيث لم يُرَ منها ومن جسدها شيء. فذَبَحها (^٦).
_________________
(١) أخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٧/ ٦٥٣ - ٦٥٤ عن المدائنيّ أن فاطمة هذه كانت عند سليمان بن هشام بن عبد الملك. ثم أورد لها الخبر المذكور ولعل المصنف وهم فيه.
(٢) المثبت من (ص). وفي (ب) و(خ) و(د): بن الأسوار، وهو خطأ.
(٣) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضِّلَع الخلف.
(٤) في (ب) و(خ) و(د): أَبا العباس. والمثبت من (ص) وهو الصواب.
(٥) في (خ): فردَّها. والمثبت من (ب) و(د) و(ص).
(٦) تاريخ دمشق ص ٢٢٤ - ٢٢٥ (طبعة مجمع دمشق- جزء فيه تراجم النساء).
[ ١١ / ٢٣٨ ]
وقال ابنُ عساكر: دفعَها عبد الله بنُ علي -وتعرفُ بصاحبة الخال- إلى قوم من الخُراسانية، فدخلوا بها البَرِّيَّة حافيةً حاسرةً، فقتلوها (^١).
[قال:] وكانت قبل هشام عند يزيد بن عبد الملك، وكانت حَوْلاء جميلة.
وحكى ابن عساكر أَيضًا عن ثعلب قال. أخذها عبد الله بنُ عليّ من حمص بعد ما أَخَذَ منها الجواهر، فدفعها إلى الكابلي (^٢) مولاه، وقال: اذبحها بامرأةِ زيد بن عليّ [قال:] فلما أراد أن يذبحها تمثَّلَتْ بقول الفرزدق:
إذا جرَّ الزمانُ على أُناسٍ … كلاكلَهُ أناخَ بآخرينا
فقُلْ للشَّامتين بنا أفِيقُوا … سيَلْقَى الشامتون كما (^٣) لَقِينا
فذبحها الكابليّ بحربته (^٤). فلما دخل الزَّنْجُ البصرةَ في أيام الخبيث المدَّعي بأنه علويّ؛ هجموا دار جعفر بن سليمان بن عليّ [بن عبد الله بن العباس]-وجعفرٌ ابنُ أخي عبد الله بن عليّ الذي ذَبَحَ عَبْدة- فوجدوا ابنتَه وهي عجوز كبيرة -وقيل: كانت أمَّه- وقد بلغت تسعين سنة، فقالت: اذهبوا بي إلى صاحبكم، فإنَّه ابنُ خال جدَّتي أمِّ الحسن بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ [وكان الخبيث يدَّعي أنَّه عَلَويّ] فقال [لها] الزَّنْج: بكِ أُمِرْنا: فذبحوها بحربةٍ كما ذُبحت عَبْدة (^٥).
[قال الزُّبير بن بكَّار:] وكان عند هشام أمُّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وحفصة بنت عمران بن محمَّد بن طلحة بن عُبيد الله التَّيمي، ورُقَيَّة بنت عبد الله بن عَمرو بن عثمان بن عفان، وأمُّ سَلَمة بنت عبد الرَّحْمَن بن سُهيل بن عَمرو، وأمُّ عبد الله (^٦)؛ مخزوميّة.
_________________
(١) ينظر إضافة إلى المصدر السابق ما جاء فيه في أواخر ترجمة محمَّد بن سليمان النوفلي ٦٢/ ١٩٠ (طبعة مجمع دمشق).
(٢) في المصدر السابق: الكاملي.
(٣) في (ص): بما.
(٤) في "تاريخ دمشق" ص ٢٢٦: فذهب بها الكاملي فذبحها بخَرِبةٍ بحمص.
(٥) ينظر الخبر بتمامه في "تاريخ دمشق" ص ٢٢٤ - ٢٢٥ (طبعة مجمع دمشق- تراجم النساء). وينظر أَيضًا أواخر ترجمة محمَّد بن سليمان النوفلي في "تاريخ دمشق" ٦٢/ ١٩٠ (طبعة مجمع دمشق).
(٦) كذا في النسخ الأربعة. وفي "أنساب الأشراف" ٧/ ٣١١: أم عبد الملك.
[ ١١ / ٢٣٩ ]
ذكر حاشيته:
كان قاضيه محمَّد بن صفوان الجُمحي، وكان على شرطته خالد بن عثمان الكلبي، ويلقَّب بالمجراش.
وحَجَبُهُ جماعة، منهم الأبرش الكلبي، واسمُه سعيد [بن الوليد] (^١) بن عبد عمرو بن جبلة بن وائل. وكان قوَّالًا بالحقّ، وسالمٌ مولاه كان يَحجبُهُ ويكتُب له.
[وقال هشام بن الكلبي:] جاءت الخلافةُ هشامًا وعنده الأبرش [وسالم] فسجد هشامٌ وسالم، ولم يسجد الأبرش، فلما رفعَ هشام رأسَه من السجود، قال له: يَا أبرش، ما منعك أن تسجد؟ فقال: أمَّا أنتَ فأتَتْك الخلافة فسجدتَ شكرًا لله، وأمَّا هذا فشريكك فيها، وأما أنا فلي بك خاصَّة، ولي عليك حُرمة، وأنا رجل من العرب، وأخافُ أن تغيِّرك الخلافة عليَّ، فعلَامَ أسجد؟ فقال [له] هشام: لك عليَّ [الآن] عهدُ الله وميثاقُه أن لا أتغيَّر عليك أبدًا. فقال الأبرش: الآن طاب السجود، الله أكبر. وسجد (^٢).
[وقد ذكرنا واقعة الأبرش معه، وأنه عاش إلى أيام المنصور، وأنه حدا بالمنصور في طريق الحج، وأنه أعطاه درهمًا] (^٣).
ذكر موالي هشام [بن عبد الملك] ومولياته:
كان له خلقٌ لا يُحْصَوْن على قدر طِرازه، ولم يكن في مواليه أنجبُ من سالم [وقد ذكرناه]. ولم يكن في مولياته مثل غضيض [ولها قصة عجيبة].
قال شيخنا موفقُ الدين رحمة الله عليه [في كتاب "التوَّابين" عن سليمان بن خالد] (^٤): وُصف لهشام رَبِيبةٌ لبعض عجائز الكوفة؛ جاريةٌ مشهورةٌ بالكمال والفضل، فائقةُ الحُسْن، قارئةٌ لكتاب الله، راويةٌ للأشعار، مع عقل وأدب، فأرسل إلى عامله بالكوفة، فاشتراها بمئتي أَلْف درهم (^٥) وحديقة نخل يُسْتَغَلُّ منها كلَّ سنة خمسُ مئة دينار (^٦).
_________________
(١) لفظ: بن الوليد، بين حاصرتين، من "تاريخ دمشق" ٢/ ٥٧٧ (مصورة دار البشير- ترجمة الأبرش).
(٢) المصدر السابق. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٣) سلفت قصته هذه أوائل هذه الترجمة. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٤) كتاب التوابين ص ١٧١.
(٥) في (ص): دينار، وهو سهو واضح.
(٦) في "التوابين" ص ١٧١: مثقال.
[ ١١ / ٢٤٠ ]
فقَدِمَتْ على هشام، فأَمَرَ لها بأنواع الحُلِيّ والجواهر، وفاخر الفُرُش، وأفردَ لها مقصورةً ووصائفَ.
فبينا هو ذاتَ يوم قد خلا بها في مستشرف له، فتذاكرا طُرُفَ الأخبار، وأنشدَتْ غرائبَ الأشعار، فازدادَ بها سرورًا، وإذا بصوارخَ في جِنازة يحملُها فِئامٌ من النَّاس، ووراء الجنازة نادبةٌ من بين النساء وهي تقول:
بأبي المحمول على الأعواد، المُنْطَلَقُ به إلى محلَّة الأموات، المُتَخَلَّى في قبره وحيدًا فريدًا، ليت شعري هل أنتَ ممَّنُ يناشد حَمَلَتَهُ: أسْرِعُوا بي؟ أم أنتَ ممَّن يُناشدهم: ارجعوا بي، إلامَ تُقدِّموني (^١)؟!
قال: فهملَتْ عينا هشام ولها عن لذَّته، وجعل يبكي ويقول: كفى بالموت واعظًا. فقالت غَضِيض: قد قَطَّعَتْ هذه النادبةُ نِياطَ قلبي، فقال هشام: الأمرُ جِدٌّ. ثم دعا الخادمَ ونزلَ عن مستشرفه، ومضى.
ونامت غَضِيض في مكانها (^٢)، فأتاها آتٍ في منامها فقال لها: أَنْتَ المفتنةُ بشبابِك، واللاهيةُ بِدلالِكِ، كيف بكِ إذا نُقر في النَّاقور، وبُعثر ما في القبور، وخرجوا منها للنشور، وقُوبلوا بالأعمال التي قدَّموها؟!
فاستيقَظَتْ مُرْتاعةً، ودَعَتْ بماء فاغتَسَلَتْ، وألقَتْ عنها لِباسَها وحُلِيَّها، وتَدَرَّعَتْ بمِدْرَعَةِ صوف، وحَزَمَتْ وَسَطَها بخيط، وتناولَتْ عصًا، وألقَتْ في عُنقها جِرابًا، واقتحَمَتْ مجلس هشام، فلمَّا رآها أنكرها، فنادَتْ: أنا جاريتُك غَضِيض، أتاني النذير، فقَرَعَ مسامعي وَعِيدُه، وقد قَضَيتَ مني وَطَرًا، وقد أتيتُك لتُعتِقَني من رِقِّ الدنيا.
فبكى هشام، وقال: شَتَّانَ ما بين النَّظْرَتَين (^٣) وأنت في طَرَبِك، فإلى أيِّ مكان تقصدين؟ قالت: إلى البيت الحرام. فقال: أنتِ حُرَّةٌ لوجه الله، لا سبيلَ لأحدٍ عليك.
_________________
(١) أخرج البُخَارِيّ (١٣١٤) عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله (ص) قال: "إذا وُضعت الجنازةُ واحتملها الرجال على أعناقهم، فإنْ كانتْ صالحة قالت: قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يَا ويلَها! أين يذهبون بها؟ يسمع صوتَها كلُّ شيء إلَّا الإنسان، ولو سمعه لصعق".
(٢) في (ص): مجلسها.
(٣) في (ص): النظر.
[ ١١ / ٢٤١ ]
فخرَجَتْ من قصر الخلافة زاهدةً في الدنيا، راغبةً في الآخرة، سائحةً على وجهها، حتَّى قدمت مكة.
وأقامت صائمةً قائمةً تعود على نفسها بالغَزْل (^١) في قُوتها، فإذا أَمْسَتْ طافَتْ بالبيت، ثم تدخلُ الحِجْرَ، فتبكي وتنوحُ على نفسها وتقول: يَا ذُخْري، أنتَ عُدَّتي، لا تَقْطَعْ منك رجائي، وأنِلْنِي مُنايَ، وأحسِنْ منقلبي ومثواي.
فلم تزل كذلك حتَّى غَيَّرَ مَرُّ الجديدَينِ (^٢) بَشَرَتَها، وأقرحَ البكاء عينَيها، والمِغْزَلُ بَنَانَها، حتَّى تُوفِّيت على ذلك، رحمها الله تعالى.
انتهت سيرة هشام بن عبد الملك.