وكنيتُه أبو خالد، وأمُّه شاه فريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى بن أبرويز (^٢)، وهو القائل:
أنا ابنُ كسرى وأبي مروانُ … وجدِّيَ المعظَّمُ الخاقانُ (^٣)
وقال المدائني: أمُّ يزيد أمُّ ولد [من ولد] المُخدج بن يزدجرد، أصابَها قتيبةُ بنُ مسلم بخُراسان، فبعثَ بها إلى الحجَّاج، فبعث الحجَّاج بها إلى الوليد بن عبد الملك، فأصابها، فحملت بيزيد، وكان لها نسبة إلى كسرى وقيصر (^٤).
ويزيد هذا أولُ خليفة من بني أمية كانت أمُّه أمَّ ولد، لأنها سُبيت كما ذكرنا.
وذكره ابن سُميع في الطبقة الرابعة (^٥) من أهل الشام.
وُلد بدمشق سنة ثمانين، وقيل: سنة ستٍّ وتسعين، وقيل: بعد السبعين (^٦).
وكان أسو نحيفًا، طُوالًا، أحول، مربوعًا، خفيفَ العارضَين، مليح الوجه، حسن السِّيرة.
وسُمِّيَ النَّاقص. واختلفوا لم سُمِّيَ الناقص على أقوال:
_________________
(١) هذا العنوان من (ب) و(خ) و(د).
(٢) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٠: كسرى أبرويز (بدون لفظة بن بينهما).
(٣) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤١، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩٨ وقيصر جدي وجد خاقان. قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٣٧٥: جدة فيروز هي بنت خاقان ملك التُّرك.
(٤) ينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٠ - ٥٤١.
(٥) في (ب) و(خ) و(د): ويزيد من الطبقة الرابعة. . . والمثبت عبارة (ص).
(٦) في (ص): التسعين.
[ ١١ / ٢٤٦ ]
أحدها (^١): لأنه نقصَ الجندَ عن العطاء الذي كان الوليد بنُ يزيد زادهم، وكان قد زادَهم عشرةً عشرةً، فردَّ العطاءَ إلى ما كان عليه في أيام هشام [بن عبد الملك. ذكره الطبريّ] (^٢).
والثاني (^٣): لأنه كان ناقص أصابع اليدين والرجلين.
والثالث: سمِّيَ بالناقص كماله [ذكره خليفة] (^٤).
والرابع: أنه كان يرى رأى المعتزلة، وتشدَّدَ (^٥) في أمر دينه، وقد كانوا يفضِّلونه في الدِّيانة على عُمر بن عبد العزيز ﵁.
و[قال ابن الكلبيّ:] كان رجلًا عاقلًا عفيفًا ورعًا إلا أنه يُنسب إلى رأي غَيلان القَدَريّ.
ويقال: إنَّ مروان بن محمد سماه الناقص (^٦).
[قال البلاذُريّ:] كان أقْبَل (^٧). والقَبَلُ (^٨) في العين: إقبالُ السَّواد على الأنف (^٩).
[وقال الجوهوي: رجلٌ أقْبَل، وهو الذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه. قال: (والقَبَلُ) أيضًا: فَحَجٌ، وهو أن يتدانى صدر القدمين، ويتباعدَ عقباهما. قال: والقَبَلُ على وجوه. وذكرها.
_________________
(١) قوله: "واختلفوا لم سمِّي الناقص على أقوال أحدها" من (ص).
(٢) تاريخ الطبري ٧/ ٢٦١ - ٢٦٢ و٢٩٩. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٣) قوله: والثاني. من (ص). وجاء بدلها في (ب) و(خ) و(د) لفظ: وقيل. وكذا قوله: والثالث، والرابع.
(٤) نقله ابنُ عبد ربّه في "العقد الفريد" ١/ ٥٠ عن خليفة بلفظ: قيل له الناقص لفرط كماله. ولم أقف عليه في "طبقات" خليفة، ولا "تاريخه".
(٥) في (خ): وشذَّ.
(٦) أنساب الأشراف ٧/ ٥٤٠. وقال الطبري في "تاريخه" ٧/ ٢٦٢: شتم مروان بنُ محمد يزيدَ بنَ الوليد فقال: الناقص بن الوليد، فسمَّاه الناس الناقص لذلك.
(٧) بالباء الموحَّدة. والكلام في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٠، وتحرَّفت اللفظة في مطبوعه وفي (ص) إلى: أقيل (بالياء)، وشرح عليها محققه!
(٨) في (ص): والقيلُ. . . وهو تصحيف كما سلف في التعليق السابق.
(٩) الصحاح (قَبَل). وذكره أيضًا ابن الأثير في "النهاية" ٤/ ٩ (قَبَل) في صفة هارون ﵇، ثم قال: وقيل: هو مَيلٌ كالحَوَل.
[ ١١ / ٢٤٧ ]
ذكر بيعته:
حكى أبو القاسم ابن عساكر قال (^١):] بُويع [يزيد] بالخلافة بقرية المِزَّة، ثم دخل دمشق، فغلبَ عليها، وبعث إلى ابن عمِّه الوليد بن يزيد، فقتلَه.
وكان ظهورُه على دمشق في سنة ستٍّ وعشرين ومئة في جمادى الآخرة، وبُويع أوَّلَ رجب.
وهو أوَّلُ خليفة خرجَ يومَ العيدِ بين صَفَّين من الفرسان عليهم السلاح من باب الحصن إلى المُصَلَّى ثم رجع.
[ذكر خطبته:
قال هشام بن الكلبي عن أبيه:] ولما بُويع [يزيد بن الوليد بن عبد الملك] خطب، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أيُّها الناس، ما خرجتُ أَشَرًا ولا بَطَرًا، ولا حرصًا على الدُّنيا، ولا رغبةً في المُلك، ولكن خرجتُ غضبًا لله تعالى ولدينه، وداعيًا إلى كتابه وسُنَّة رسوله (^٢)، لمَّا هدم الفاسقُ الوليدُ معالمَ الدين والهدى، وأطفأ نور الإسلام والتُّقَى، واستحلَّ المحارمَ وكذَّب بالكتاب ويوم الحساب، فسألتُ اللهَ أن يُريحَ العباد والبلاد منه، فاستجابَ اللهُ فيه دعائي، وسمع ندائي.
أيُّها الناس، إنَّ لكم عليَّ أن لا أضعَ حجرًا على حجر، ولا لَبِنةً على لَبِنَة، ولا أُكْثِرَ مالًا، ولا أُعطِيَه زوجةً ولا ولدًا، ولا أُغلقَ بابي دونكم، ولكم عطاؤُكم في كلِّ شهر، فإن وَفَيتُ بما قلتُ فعليكم بالسمع والطاعة، وإنْ لم أفِ (^٣) فلكم (^٤) أن تخلعوني وتُولُّون من أهل الصلاح مَنْ شئتُم، وأنا أَدخلُ في طاعته. ألا وإنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق (^٥).
_________________
(١) وقعت ترجمة يزيد بن الوليد بن عبد الملك ضمن خرم في "تاريخ دمشق". والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٢) في (ب) و(د): وسننه، وفي (ص): وسنته. والمثبت من (خ) وهو موافق لما في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٢، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٦٨.
(٣) في (خ): أوف.
(٤) في (ص): لكم.
(٥) ينظر "تاريخ" خليفة ص ٣٦٥ والمصدران السالفان.
[ ١١ / ٢٤٨ ]
فأوَّل من بايعَه يزيد الأفقم (^١)، وقال له قيس بن هانئ: دُمْ على ما أنتَ عليه، فما قام مقامَك أحدٌ من أهلك، ولئن قالوا: عمر بن عبد العزيز، فلقد أخَذَها بسبب سَيِّئ، وأنتَ أخذتَها بسببٍ صالح. وبلغ مروانَ بنَ محمد قولُه فقال: قاتلَه الله، لقد عابنا جميعًا (^٢).
و[قال الهيثم:] سلك يزيد بنُ الوليد طريق عُمر بن عبد العزيز، وكان يُعرف بالتألُّه والتواضع، والزُّهْد والنُّسُك.
و[قال الواقدي:] حجَّ الوليد بن يزيد في سنة ستّ عشرة ومئة، وحمل معه الخمور والقِيان وكلاب الصيد، وحجَّ في تلك السنة يزيد بن الوليد، فرأى الوليدَ يطوف بالبيت، فقال يزيد (^٣): وربِّ هذه البَنِيَّة، إن هذا الذي يطوف بها لكافرٌ بربِّها (^٤)، ولأُجاهدنَّه بنفسي وأهلي (^٥).
[قال الواقدي:] وفي هذه الحَجَّة (^٦) لَقِيَ يزيدُ بنُ الوليد أيوبَ السَّخْتِيانيَّ، فكتبَ عنه (^٧).
وكان يزيد كثيرَ الصلاة في الليل.
وفي هذه السنة اضطرب حَبْلُ بني مروان، وهاجَتْ الفتن، وانتقض أمرُهم.
فمن ذلك: أنَّ سليمان بن هشام ابن عبد الملك كان محبوسًا بعمَّان، حبسه الوليد بن يزيد، فلما قُتل الوليد] خرج من سجق عمَّان، وأخذَ ما كان بعمَّان من الأموال، وقدمَ دمشق على يزيد بن الوليد يلعنُ الوليد ويَعِيبُه ويرميه بالزَّندقة (^٨).
_________________
(١) في النسخ الأربعة: يزيد بن الأفقم. وهو خطأ. فالأفقم لقب ليزيد بن هشام بن عبد الملك. وينظر الكلام في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٣، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٦٩. و"تاريخ دمشق" ٥٩/ ١٧٩ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة قيس بن هانئ).
(٢) المصادر السابقة. ومن قوله: وقال له قيس بن هانئ. . . إلى هذا الموضع، ليس في (ص)، وما سلف قبله بين حاصرتين منها.
(٣) وقع اختلاف في هذا الموضع في سياق الكلام في (ب) و(خ) و(د) عن (ص). وأثبتُّ سياقة (ص) ليتوافق الكلام مع ما جاء منها بين حاصرتين.
(٤) في (خ): بها، بدل: بربها.
(٥) بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤١.
(٦) في (ص): السنة.
(٧) أنساب الأشراف ٧/ ٥٤١.
(٨) تاريخ الطبري ٧/ ٢٦٢. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٢٤٩ ]
ومنها وثوبُ أهل حمص على دار العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك وهدمها.
[قال علماء السير:] وكان مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان عاملًا للوليد بن يزيد على حمص، وكان من وجوه بني سروان، فلما قُتل الوليد بن يزيد، أغلق أهلُ حمص أبوابَها، وأقاموا النوائح على الوليد، وكان العباس [بن الوليد] خارجًا عن حمص، فقيل لهم بأنه كان ممَّن قاتلَ الوليد. فعَمَدُوا إلى دار العبَّاس، فهدموها، وانتهبوا متاعَه وسلبوا حُرَمَه، وحبسُوا بنيه، وكاتبُوا الجند، وطلبُوا بدم الوليد، فأجابوهم، وكان مروان بنُ عبد الله بن عبد الملك بحمص في دار الإمارة، فأتَوْا إليه، فوافقَهم خوفًا منهم.
وعَصَوْا على يزيد بن الوليد، فبعث إليهم رسلًا؛ منهم يعقوبُ بنُ هانئ، وقال: ما أدعوكم إلى نفسي، ولكن أدعوكم إلى الشُّورى. فطردوا رسله وهمُّوا بقتلهم.
وكان أمر حمص إلى معاوية بن يزيد بن حُصين، وليس إلى مروان بن عبد الله [بن عبد الملك] شيء، وكان عندهم أبو محمد السُّفْياني، فقال لهم: لو أتيتُ دمشق ورآني أهلُها لم يخالفوني.
وبعث يزيدُ بن الوليد مسرورَ بنَ الوليد والوليدَ بنَ رَوْح في جند كثيف، فنزلوا حُوَّارين، وقدم (^١) على يزيدَ بن الوليد سليمانُ بنُ هشام من عمَّان، فأكرمَه يزيد، وتزوَّج يزيدُ أختَه أمَّ هشام بنتَ هشام [بن عبد الملك بن مروان] وبعثَ به إلى الجيش إلى حُوَّارين، وأمرهم بطاعته (^٢).
[قال يحيى بن عبد الرحمن البهراني:] ولما نزل الجيش بحُوَّارين؛ قام مروان بنُ عبد الله [بن عبد الملك] خطيبًا [بحمص] فقال: إنكم خرجتُم لجهاد عدوِّكم، والطلبِ بدم خليفتكم، وقد سار إليكم منهم عُنُق (^٣)؛ إنْ أنتم قطعتُموه اتَّبعه ما بعده، وكنتم عليه أجرأَ، ولستُ أرى لكم المُضيَّ إلى دمشق وتتركون هذا الجيشَ حْلفكم.
_________________
(١) في (ص): ووفد.
(٢) تاريخ الطبري ٧/ ٢٦٢ - ٢٦٣. وكلُّ ما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٣) العُنُق: الجماعة من الناس.
[ ١١ / ٢٥٠ ]
فقال السِّمْطُ بنُ ثابت -وكان بينه وبين مروان تباعد-: هذا واللهِ العدوُّ القريب الدار، يريد أنْ يَنقُضَ جماعتَكم، وهو قَدَريّ يرى أقوال (^١) القَدَريَّة.
[قال:] فوثبوا على مروان، فقتلوه وقتلوا ابنَه، وولَّوْا عليهم أبا محمد السُّفيانيّ، وخرجوا قاصدين عسكر سليمان بن هشام، ثم عدلوا إلى دمشق.
وبلغ سليمانَ، فسار خلفَهم، فلحِقَهم بالسُّليمانيّة (^٢)، مزرعةٍ كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عَدْرا، على أربعةَ عشرَ ميلًا من دمشق.
وكان يزيد بنُ الوليد لما بلغَه أمر أهل حمص؛ بعث عبدَ العزيز بنَ الحجاج في ثلاثة آلاف، وأمرَه أن يُقيم على ثنيَّة العُقاب، ووجَّه هشامَ بنَ مُصاد في ألف وخمس مئة إلى عَقَبة السُّليمانيّة (^٣)، فأقام بها، وأمرهم أن يُمِدَّ بعضُهم بعضًا.
وجاء أهل حمص، وانضمَّ سليمان إلى باقي الأمراء واقتتلوا، فقُتل من الفريقين جماعة، وانهزم أهلُ حمص، وجيء بأبي محمد السُّفياني ويزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية أسيرَين إلى سليمان بن هشام، فبعثَ بهما إلى يزيد بن الوليد، فحبسَهما مع الحَكَم وعثمان ابنَي الوليد بن يزيد. وقُتل من أعيان أهل حمص ثلاثُ مئة رجل.
ثم نزل سليمان بنُ هشام وعبد العزيز بنُ الحجَّاج بمرج عَدْرا، واجتمع أهل دمشق، وبايعُوا يزيد بنَ الوليد، فأعطاهم العطاء، وأجاز الأشراف، واستعمل معاوية بنَ يزيد ابنِ حصين على حمص (^٤)، وأقام باقي الجند بدمشق (^٥).
وفيها وثبَ أهلُ فلسطين على عاملهم (^٦) سعيد بن عبد الملك بن مروان، فطردوه، وكان حسنَ السِّيرة، وكان بنو سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين وكان أهلُها يُحبُّونهم، وكان يزيد بنُ سليمان سيِّدَ بني سليمان، ورأسُ أهل فلسطين يومئذ سعيدُ بنُ رَوْح بن
_________________
(١) في (ص): رأي، بدل: أقوال.
(٢) في (ص): بالسلمانية.
(٣) في (ص): السلميَّة.
(٤) في (ص): من أهل حمص.
(٥) تاريخ الطبري ٧/ ٢٦٣ - ٢٦٦.
(٦) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): بعاملهم. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٦٦.
[ ١١ / ٢٥١ ]
زِنْباع، فلما قُتل الوليد كتب سعيد بن رَوْح إلى يزيد بن سليمان -وهو نازل بمكان يقال له: السبع- يقول: قد قُتل الخليفة، فاقْدَمْ علينا نولِّكِ أمرَنا. وبعث إلى سعيد بن عبد الملك؛ اخْرجْ عنَّا، فإنَّ الأمرَ قد اضطرب، وقد ولَّينا أمرَنا رجلًا رَضِيناه.
فخرج سعيد ولحقَ بيزيد بن الوليد بدمشق، وبايع أهلُ فلسطين يزيدَ بنَ سليمان، فدعاهم إلى قتال يزيد بنِ الوليد. وبلغ أهلَ الأردنّ، فولَّوْا عليهم محمدَ بنَ عبد الملك.
وبلغ يزيدَ بنَ الوليد، فأرسل إليهم سليمانَ بنَ هشام في عسكر دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفيانيّ، وكان أهل دمشق في ثمانين ألفًا (^١).
وبعث يزيد بنُ الوليد إلى يزيد بنِ سليمان ومحمد بنِ عبد الملك يدعوهما إلى الطاعة، ويَعِدُهما ويُمنِّيهما، وكان رسولُه إليهما عثمان بن داود الخولانيّ؛ واجتمع برؤوس أهل فلسطين والأردنّ، ومنَّاهم ووعدَهم، فخذلُوا يزيدَ بنَ سليمان ومحمد بنَ عبد الملك، ونهبوا متاعَهما بطبريَّة، وبايعوا يزيد بنَ الوليد، وجاؤوا إلى سليمان بن هشام وأطاعوه (^٢).
وفيها عزلَ يزيدُ بنُ الوليد يوسفَ بنَ عُمر عن العراق، وولَّاها منصورَ بنَ جُمهور. وكان قد ندبَ لولاية العراق عبدَ العزيز بنَ هارون بن عبد الله بن دِحْية بن خليفة الكلبيَّ، فقال عبد العزيز: لو كان معي جندٌ لقبلتُ. فتركَه، وولَّاها منصورَ بنَ جُمهور (^٣).
وحكى هشام بن محمد عن أبي مِخْنَف قال: قُتل الوليدُ بنُ يزيد يومَ الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ستٍّ وعشرين ومئة. وبايعَ الناسُ يزيدَ بنَ الوليد بدمشق، وسار منصورُ بنُ جمهور من البَخْراء (^٤) في اليوم الذي قُتل فيه الوليدُ إلى العراق في ستة أنفس، وبلغ [خبرُه] (^٥) يوسفَ بنَ عمر فهرب.
_________________
(١) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٦٧: أربعة وثمانين ألفًا.
(٢) ينظر الخبر مطولًا في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٦٦ - ٢٦٨. ومن قوله: وفيها وثب أهل فلسطين. . . إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٢٧٠.
(٤) البَخْراء: ماءة منتنة على ميلين من القُليعة في طرف الحجاز، وعندها قُتل الوليد بن يزيد. ينظر "معجم البلدان" ١/ ٣٥٦. ووقع في (ص) (والكلام منها): البحر، وهو خطأ. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٧٠ (والخبر فيه).
(٥) لفظة "خبره" بين حاصرتين من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٧٠ والكلام منه. ومن قوله: وحكى هشام بن محمد عن أبي مخنف. . . إلى هذا الموضع؛ لفظُهُ من (ص)، وجاء بدلًا منه في (ب) و(خ) و(د) لفظ: وسار إلى العراق في اليوم الذي قُتل فيه الوليد بن يزيد في ستة أنفس. . . إلخ.
[ ١١ / ٢٥٢ ]
وقدم منصور الحِيرَة في أيَّام خلَتْ من رجب، فاستولى على بيوت الأموال، وأعطى الناس، وولَّى على واسط حُريث بن [أبي] الجَهْم، واستعملَ جريرَ بن يزيد بن جرير بن عبد الله على البصرة، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق، وأقام بقيَّة رجب وشعبان، وانصرف (^١) في رمضان.
[وقيل:] وكان منصور [بن جمهور] أعرابيًّا جافيًا جِلْفًا غَيلانيًّا قَدَريًّا، وإنما ساعد [يزيدَ بنَ الوليد] على قتل الوليد [لأجل الاعتقاد، و] حميَّة لخالد القَسْريّ [حيث قتله يوسفُ بنُ عُمر]، فلما قُتل الوليدُ قال له يزيد [بنُ الوليد]: قد ولَّيتُك العراق، فسِرْ إليه، واتَّقِ الله، واعلم أني إنَّما قتلتُ الوليدَ لفسقه، ولِما أظهر (^٢) من الجَوْر، فلا ترتكب مثل ما قتلتُه عليه (^٣).
ولِما بلغ يزيدَ بنَ حُجْرةَ الغسانيَّ -وكان ديِّنًا صالحًا فاضلًا، له قَدْرٌ بالشام، حضر قتل الوليد ديانةً ومجاهدةً- فقال ليزيد: يا أمير المؤمنين، أَوَلَّيتَ منصورًا العراق؟ قال: نعم، لبلائه وحُسن معونته. قال: إنَّ منصورًا ليس هناك؛ لأعرابيَّتِه وغِلظته وجفائه في الدين. قال: فمن أُوَلِّي؟ قال: رجلًا من أهل الدِّين والصَّلاح، عارفًا بالحدود والأحكام (^٤).
ولما سار [منصور] إلى العراق كتب في (^٥) الطريق إلى سليمان (^٦) بن سُليم يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وإنَّ الوليد يدَّل نعمةَ الله كفرًا فسفك [الدِّماء، فسفك اللهُ] دمه وعجَّل بروحه إلى النار، وولَّى خلافتَه مَنْ
_________________
(١) في النسخ الأربعة: وصرف، والمثبت من المصدر السابق، والخبر فيه.
(٢) في (ص): ظهر.
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٢٧٠ - ٢٧١. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٤) المصدر السابق ٧/ ٢٧١.
(٥) في (ب) و(د): من. والكلام ليس في (ص).
(٦) لفظة "منصور" السالفة بين حاصرتين زيادة من عندي للإيضاح. وعبارة "تاريخ" الطبري: وأقبل منصور حتى إذا كان بالجَمْع كتب إلى سليمان. . . إلخ. وجَمْع: قلعة بوادي موسى من جبال الشَّراة.
[ ١١ / ٢٥٣ ]
هو خيرٌ منه وأحسنُ هَدْيًا، فخُذْ يوسفَ وعمَّاله لا يَفُوتنَّك منهم أحد، وإيَّاك والمخالفةَ، فيحلَّ بك ما لا قِبل لك به. والسلام (^١).
وبلغ يوسفَ بنَ عُمر، فهربَ إلى الشام على طريق السَّماوة حتى أتى البَلْقاء، ولم يخرج معه من الكوفة سوى سفيان بن سُليم (^٢)، وغسان [بن قعاس] العُذْري، ومعه من ولده لصلبه ستُّون ما بين ذكر وأنثى.
ولمَّا بلغَ يزيدَ بنَ الوليد نزولُ يوسف بن عمر البَلْقاء؛ أرسلَ إليه محمدَ بنَ سعيد الكلبيَّ في خمسين فارسًا، فأحاطَ بدار يوسف بالبَلْقاء، وفتَّشَ عليه، فلم يجده، وكان [يوسف] قد لبسَ ثيابَ النساء، وجلسَ بين نسائه وبناته، ففتَّشهنَّ، فظفرَ به، فجاء به إلى دمشق في وَثاق، فحبسَه مع ابنَي الوليد، فأقام محبوسًا مدَّة ولاية يزيدَ بنِ الوليد، وشهرين وعشرة أيام في ولاية إبراهيم بن الوليد، فلما قرب مروان من دمشق وليَ قَتْلَهم يزيدُ بنُ خالد، فقتل الغلامين ويوسف [بن عمر، وسنذكر ذلك (^٣).
وفي رواية: لمَّا جيءَ بيوسف بن عمر؛ قال له: ما أقدمَك؟ قال: قدم منصور واليًا. قال: لا، ولكنَّك (^٤) كرهتَ أن تليَ عملي. فحبَسه.
وفي رواية أنه] لمَّا أُخِذَ يوسفُ من البَلْقاء وجيء به إلى دمشق؛ لقيَه عاملٌ لسليمان، فنتفَ لحيتَه، وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة. فأُدخِلَ (^٥) على يزيد، فجعل يُمسكُ لحيتَه ويقول: يا أمير المؤمنين، نتفَ لحيتي فما أبقى منها شعرة. فأمر بحبسه في الخضراء (^٦)، فدخل عليه محمد بن راشد فقال: أما (^٧) تخافُ أن يطَّلع عليك بعضُ من
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ٢٧١. وما سلف بين حاصرتين منه. ومن قوله: ولما بلغ يزيدَ بنَ حجرةَ. . . إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٢) في (ص): سلامة. وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٧٣: سفيان بن سُليم بن سلامة.
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٢٧٤.
(٤) في (ص) (والكلام منها، وهو ما بين حاصرتين): وليتك، بدل: ولكنك. والمثبت من المصدر السابق.
(٥) في (ص): فأدخلاه. وكذا هي اللفظة في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٧٥، غير أن الخبر جاء فيه مفصّلًا، فضمير التثنية يعود عنده على مسلم بن ذكوان ومحمد بن سعيد الكلبي اللذين أرسلَهما يزيد بن الوليد في طلب يوسف، وظفرا به، ولم يرد لهما ذكر هنا.
(٦) هو دار الإمارة بدمشق.
(٧) في (ص): ألا.
[ ١١ / ٢٥٤ ]
قد وترتَ، فيُلقي عليك حجرًا فيقتلك؟ فقال: ما فطنتُ لهذا، فنشدتُك اللهَ إلا كلَّمتَ أمير المؤمنين أن ينقلَني إلى مجلس غير هذا. فكلَّم يزيدَ فيه، فقال: إنه لَأحمق! واللهِ ما حبستُه إلا لأبعثَ به إلى العراق، فيُقامَ للناس، وتُؤخذَ المظالمُ من ماله ودمه (^١).
[حديث نصر بن سيَّار:
قال هشام:] وكان يزيد [بن الوليد] قد ولَّى منصور [بن جمهور] خراسان مع العراق، فبعث منصورٌ عماله على خُراسان، فامتنعَ نصرٌ من تسليمها إليهم. وأُرجِفَ الناسُ بقدوم منصورٌ خُراسان، فخطب نَصْرٌ الناس وذمَّ منصورًا وقال: الجِلف الجافي المخذول المبتور، لئن جاءنا (^٢) لأُقطِّعنَّ يديه ورجليه. ثم فرَّق العمَّال في البلاد، وأمرَهم بحسن السيرة، ودعا الناس إلى البيعة (^٣).
وفِيها عزلَ يزيدُ بنُ الوليد منصورَ بنَ جمهور عن العراق، وولَّاها عبدَ الله بنَ عمر بن عبد العزيز [وقال له: إن الناس يميلون إلى أبيك، فسِرْ إليها.
وقد ذكر القصة أبو عُبيدة معمر] (^٤) قال (^٥): وكان [عبد الله بن عمر] (^٦) متألِّهًا صالحًا، فقدم العراق وأحسنَ السيرة إلى الناس، وقال لمنصور: إن شئتَ أن تُقيم معي فأقم -وكان قد خاف منه أن لا يسلِّم إليه العراق- فقال منصور: لا، بل أسيرُ إلى الشام، وصفحَ له عبد الله عمَّا أخذ من الأموال، وكانت ولاية منصور على العراق شهرين وعشرة أيام.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ٢٧٥. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٢) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): لا رجانا، بدل: لئن جاءنا، وأثبتُّ اللفظة مستفيدًا من عبارة الطبري ٧/ ٢٧٨: إن جاءنا.
(٣) ينظر المصدر السابق. وما سلف بين حاصرتين من (ص). ومن قوله: وأرجف الناس بقدوم منصور. . . إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٤) ما بين حاصرتين من (ص) ثم يرد فيها الكلام بعده حتى قوله: وفيها بعث إبراهيم بن محمد الإمام بكيرَ. . . (بعد خمس صفحات).
(٥) لفظة قال، من عندي لربط سياق (ص) بسياق النسخ الأخرى، وينظر التعليق السابق.
(٦) لفظ: عبد الله بن عمر، زيادة من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٨٤ للإيضاح.
[ ١١ / ٢٥٥ ]
ثم كتب عبد الله بنُ عمر لنَصْر بن سيَّار عهدَه على خُراسان، وكانت الفتنةُ قد وقعت بين اليمانيَّة والفَزَاريَّة، وأظهرَ الكِرْمَانيُّ الخلافَ، وقام معه جماعة، فلمَّا ورد كتاب عبدُ الله بنُ عمر على نصر بعهده؛ خمدت الفتنة، وحبس نصرٌ الكِرْمَانيَّ.
واسمُ الكِرْمَانيّ جُدَيْع بنُ عليّ، وإنما سُمِّيَ الكِرْمانيَّ لأنَّه وُلد بكِرْمَان.
ولما أقام الفتنة قيل لنصر: اقتُلْهُ. فقال: لا، ولكن لي ولدٌ ذكور وإناث، وله ولد كذلك، فنُزوِّجُهُ. فقالوا: لا تفعل، واحْبِسْهُ.
فأرسلَ إليه عبدَ الله (^١) بنَ بسام صاحبَ حرسه، فأتاه به، فقال له نصر: يا كِرْمَانيّ، ألم يأتني كتاب يوسفَ بنِ عمر يأمرُني بقتلك، فراجعتُه فيك، وقلت: شيخُ خُراسان وفارسُها، وحَقنتُ دمك؟ قال: بلى. قال: ألم أَغْرَمْ عليك ما كان لزمَك من الغُرْم، وقسمتُه في عطايات الناس؟ قال: بلى. قال: ألم أَرِشْ (^٢) عليًّا ابنَك على كُرهٍ من قومك؟ قال: بلى. قال: فجعلتَ عوضًا من ذلك إقامةَ الفتن! فقال الكِرْمَانيّ: واللهِ ما أُحِبُّ الفتنَ. فيَتَثبَّتُ (^٣) الأميرُ في أمري ولا يعجل.
وقال له جلساؤه: اقْتُلْه. فقال الكِرْمَانيّ: لَجُلَساءُ فرعونَ كانوا خيرًا منكم حيث قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (^٤) [الأعراف: ١١١] فحبسَه في شهر رمضان هذه السنة.
وبعثت الأَزْدُ إلى نصر المغيرةَ بنَ شعبةَ الجهميَّ، وخالد بنَ شعيب الحُدَّانيّ (^٥)، فكلَّماه فيه، فقال: لا ناله مني سوء.
وأرادَت الأَزْد نَزْعَهُ من يد نَصْر، ثم تراجعوا، فجعل معه نصرٌ في القُهَنْدِز (^٦) رجالًا منهم، فقال رجل من نَسَف الأَزْد (^٧): أنا أُخرِجُه. فجاء إلى مجرى الماء في القُهَنْدِز، فحفرَه ووسَّعه، فأخبرَ الكِرْمَانيُّ أصحابَه، فواعدَهم ليلةً بعينها، وخرجَ من السَّرَب في
_________________
(١) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٨٨: عبيد الله.
(٢) يقال: راشَ فلانًا: أي قوَّاه وأعانه وأصلح حاله.
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٨٨: فلْيَسْتأْنِ الأمير ويتثبَّت.
(٤) القول في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٨٨ للمقدام وقُدامة ابني عبد الرحمن بن نُعيم الغامدي، وليس للكرماني.
(٥) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): الحياني. والمثبت من المصدر السابق.
(٦) كلمة فارسية يعني: قلعة قديمة. ينظر "المعجم الذهبي" ص ٤٤٦ وضبطتُ اللفظة منه.
(٧) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٨٩: من أهل نَسَف.
[ ١١ / ٢٥٦ ]
تلك الليلة على بطنه، فالتَوَتْ عليه حيَّةٌ، فلم تضرَّه. وخرج إلى أصحابه، فأخذوه ومضَوْا، فما ارتفعت الشمس حتى صار في ثلاثة آلاف من الأزد وغيرهم.
وخرج نَصْرٌ بعسكره إلى باب مَرْو الرُّوذ (^١)، وخطب الناس، فنال من الكِرْمَانيّ وقال: ولد بكِرْمَان، فكان كِرْمَانِيًّا، ثم سقط إلى هَراة، فكان هَرَويًّا، والساقطُ بين الفِراشين لا أصلٌ ثابت، ولا فرعٌ نابت. ثم ذمَّ الأَزْد فقال: إن يستوثقوا (^٢) فأذلُّ قوم، هم كما قال الأخطل الشاعر (^٣):
ضفادعُ في ظلماءِ ليل تجاوَبَتْ … فدَلَّ عليها صوتُها حيَّةَ البحرِ
ثم عزمَ على قتال الأَزْد، فسَفرَ الناسُ بين نصر والكِرْمانيّ، فأمَّنَه، وأمرَه بلزوم بيته.
ثم عزمَ نصرٌ على إخراجه من خُراسان، فقيل له: إن فعلتَ نَوَّهْتَ باسمه، فقال: إن الرجل إذا نُفِيَ من بلده صَغُرَ أمرُه، فقيل له: إذا أخرجتَه يُقال: خاف منه. فقال نصر: إن الذي أتخوَّفُه إذا خرجَ أيسرُ ممَّا أتخوَّفُه وهو مقيم.
ثم جاء الكِرْمانيُّ فدخل سُرادق نصر، فأمَّنه وسكتَ عنه (^٤).
وجاء نصرًا عزلُ منصور [بن جمهور] وولاية عبد الله [بن عمر بن عبد العزيز] (^٥) فخطب وقال: قد علم اللهُ أنَّ ابن جمهور لم يكن من عمَّال العراق، فعزلَه، واستعملَ الطيَّبَ ابنَ الطيِّب. فغضب الكِرْمانيُّ لابنِ جمهور، وشرَع في جمع الناس إليه، واستعدَّ للقتال وأرسل إليه نصرٌ سَلْمَ بنَ أحْوَز. . . فرجع إلى نصر (^٦) فأخبره، فأرسل إليه
_________________
(١) وقع خرم في (ب) بدءًا من هذا الموضع، وحتى أثناء سنة (١٤٥).
(٢) لم تجوّد الكلمة في (خ) و(د) (والكلام منهما) فجاء رحمها فيهما: نسبوا تبووا. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩٠. وفي "الكامل": يستوسقوا.
(٣) في المصدرين السابقين: وان يأبَوْا فهم كما قال الأخطل.
(٤) تاريخ الطبري ٧/ ٢٩٠ - ٢٩١.
(٥) الكلام بين حاصرتين زيادة من عندي للإيضاح.
(٦) مكان النقط سقط في (خ) بمقدار سطر، وهو في (د) لكنه غير واضح. والكلام من هاتين النسختين. وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩١ أن نصرًا أرسل إلى الكِرْماني مع سَلْم بن أحوز: إني واللهِ ما أردتُ بك في حبسك سوءًا، ولكن خفتُ أن تُفسد أمر الناس، فائْتني. فقال الكِرْمانيّ: لولا أنك في منزلي لقتلتُك، ولولا ما أعرفُ من حمقك أحسنتُ أدبَك، فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خير أو شرّ. فرجع إلى نصر فأخبره. . . إلح.
[ ١١ / ٢٥٧ ]
جماعةً وهو يمتنع، ثم تهيَّأ للخروج إلى جُرجان وهو على عزم الخلاف، وجرت بينهما محاوراتٌ كثيرة (^١).
وفيها اتَّفق نَصْرُ بنُ سيَّار مع الحارث بن سُرَيج، وأخذَ له كتابَ أمان من يزيد.
وسببه أنَّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نَصْر والكِرْمانيّ؛ خاف نَصْرٌ أن يتفق الكِرْمانيّ مع الحارث والتركِ عليه، فأرسل مقاتلَ بنَ حيَّان النَّبَطي ومعه جماعةٌ إلى الحارث في الصُّلح، وبعثَ نصرٌ إلى يزيد يطلب له الأمان.
وقيل: إنما أخذَ الأمانَ للحارث خالدُ بن زياد (^٢)؛ من أهل التِّرْمِذ، وخالدُ بنُ عَمرو (^٣) مولى بني عامر؛ خرجا إلى يزيد [بن الوليد] إلى دمشق، ودخلا عليه فقالا: يا أمير المؤمنين، أنتَ قتلتَ ابنَ عمِّك لإقامة كتاب الله، وعُمَّالُك يَظلمون! فقال: ما الذي أصنع؟ قالا: وَلِّ أربابَ البيوت، وضُمَّ إلى كلِّ عاملٍ رجلًا (^٤) من أهل العلم والفقه. فقال: أفعل. وسألاه أمانًا للحارث، فأمَّنَه، وكتبَ لهما كتابًا إلى عبد الله بن عُمر بن عبد العزيز بردِّ ما كان اصطفى من أموالهم وذراريهم.
فقدما على عبد الله الكوفة، وكتب لهما كتابًا إلى نصر بردِّ ما كان أخَذَ لهم (^٥)، فردَّ ما قدر عليه.
ومضيا إلى الحارث بن سُريج، فلقيا عنده مقاتل بن حيَّان (^٦) وأصحابَه الذين بعثهم نصر إلى الحارث ومعه أمانُ نصر للحارث، فأقبلَ الحارثُ يريد مَرْو، وكان مُقامُه بأرض الترك اثنتي عشرة سنة (^٧).
_________________
(١) ينظر الكلام مفصّلًا في المصدر السابق.
(٢) في (خ): يزيد. والمثبت من (د)، وهو موافق لما في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩٣.
(٣) في (خ) و(د) (والكلام منهما): حارث، بدل: عمرو. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩٣، و"الكامل" ٥/ ٣٠٨.
(٤) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩٣: رجالًا.
(٥) يقارن بما في المصدر السابق ٧/ ٢٩٤.
(٦) في (خ) و(د) (والكلام منهما): سليمان. وهو خطأ، وسلف ذكر مقاتل قريبًا.
(٧) تاريخ الطبري ٧/ ٢٩٤.
[ ١١ / ٢٥٨ ]